البيئة في الكتاب المقدَّس

الدكتور دانيال عيّوش

البيئة في الكتاب المقدَّس

د. دانيال عيّوش*

(محاضرة قُدِّمت في مركز الدراسات الكتابية للشرق الأوسط وشمال أفريقيا التابع لجمعيّة الكتاب المقدس في لبنان بتاريخ 8آذار / مارس 2024)

مقدّمة القسّ البروفسور عيسى دياب

هذه الندوة هي الأولى لسنة 2024، من بين ثلاث ندوات، نتناول فيها موضوع ” الكتاب المقدس والخليقة والفداء”. وذلك مِن وحي الاهتمام العالميّ بالبيئة.

خَلَق الله الكون، ورأى “كلّ شيء حسنًا” فيه، وعندما خَلَق الإنسان، رآه “حسنًا جدًّا”. وخصّ الإنسان بمركز مميّز، في الخليقة، وكلّفه بلعب دور الحارس والجنيناتيّ. لكنْ، بَعد قليل، تخرّب كلّ شيء، وصارت الإرض تنبت شوكًا وحسكًا تسبّب الألم للإنسان. وما زالت مسيرة الخراب مستمرّة. واليوم يتكلّم العلماء عن “التغيّر المناخيّ” و”الاحتباس الحراريّ”، و”ثقب في الطبقة الواقية للأرض”. لكنْ، تكلّم الكتاب المقدَّس عن “فداء الخليقة” أيضًا.

إنّ كلّ خليقة الله (بما في ذلك البشريّة) مترابطة. في حين أنّنا مخلوقون على صورة الله، يخبرنا الكتاب المقدَّس أنّه لا ينبغي لنا أنْ نمارس قوّتنا بطريقة تدمّر الطبيعة أو تستغلّها بشكل تعسّفيّ. وبدلًا مِن ذلك، كلّفنا الله بمسؤوليّة خاصّة للعمل نيابة عنه تجاه الطبيعة. فإنْ أحسنا العمل، حصلَت البركة، وإنْ أسأنا العمل، جاءتنا اللعنة.

  توجد ثلاث نظرات إلى الطبيعة أو الخليقة:

  1. المركزيّة البشريّة (Anthropocentrism) – هذا هو التفسير التقليديّ للكتاب المقدَّس الذي يعكس سوء فهم للنصوص والتقاليد. يُنظر إلى العالَم مِن حيث كيفيّة تلبية احتياجات الإنسان. فتطاوَلَ الإنسان على الطبيعة بسماح مِن الحكومات، تلبيةً لحاجات النموّ الاقتصاديّ. ويقول عدد مِن أتباع هذه النظرة: بما أنّ الله سيدمّر الأرض في نهاية الزمان، فليس هناك حاجة للقلق بشأن الخليقة. والأفضل للإنسان أنْ يستغلّ الخليقة حتّى الثمالة، قَبل أنْ يدمّرها الله.
  2. المركزيّة الحيويّة (Biocentrism) – هذا هو أساس الأخلاقيّات البيئيّة الحديثة. الطبيعة هي المركز والبشر جزء مِن الطبيعة. ومع ذلك، إذا كان البشر مجرّد جزء آخَر مِن الطبيعة، فإنّ كلّ ما نقوم به هو بحكم تعريفه “طبيعيّ” ممّا يعني أنّ إحداث التلوّث هو “طبيعيّ”.
  3. مركزيّة الإله (Theocentrism) – الله هو محور البشر الذين لديهم مجموعة خاصّة مِن المسؤوليّات والالتزامات الفريدة في الخليقة. يُمنح البشر السيادة على الأرض والخليقة، لكنّهم تحت سلطة الله. في الجوهر، هناك تسلسل أوامر، مع الله في الأعلى.

في حين أنّ الكتاب المقدَّس لا يحتوي على أوامر محدَّدة فيما يتعلّق بتغيّر المناخ أو تدمير الأراضي الرطبة، إلّا أنّه يحتوي على تعاليم يمكن تطبيقها على مشاكل اليوم.

ما هو لاهوت الخلق؟ بل ما هو وضع الخليقة في اللاهوت المسيحيّ؟

هل مِن علاقة بين الخليقة وإعلان الله عن نفسه؟

ما هو بالضبط القصد الإلهيّ مِن الخلق والخليقة؟

هذه الأسئلة وغيرها يتناولها المحاضر، ليستخرج لنا، مِن الكتاب المقدس، تعليم كلمة الله عن البيئة أو الخليقة، مِن خلال قراءة علميّة وروحيّة للنصوص المقدَّسة.

مسائل البيئة والكتاب المقدَّس – د. دانيال عيّوش

مقدّمة

إنّ الكلام عن البيئة في الأوساط اللاهوتيّة المسيحيّة يعني الدخول في لاهوت إيكولوجيّ أو لاهوت بيئيّ. مِن الناحية الاصطلاحيّة، الإيكولوجيا في حدّ ذاتها هي “الكلام عن البيت” (إيكوس، بيت)، أي اعتبار العالَم الذي نعيش فيه منزلنا ومسكننا. وهذا ما نراه بوضوح، لأنّ الأرض هي بالفعل بيتنا المشترك، كما هو واضح مِن تكوين 1: 26-28 عندما يجعل الإنسان مسؤولًا عن الخليقة كلّها.

لكنْ، للبيت عدّة أبعاد. واحد منها هو البُعد “المادّيّ”: الجدران، الأرضيّة، السقف، وإلى ما هنالك. أمّا في مجال الأرض، فهذا البُعد المادّيّ يتكوّن مِن المساحات التي تنمو فيها الحياة: البيئات التي تعيش فيها النباتات والحيوانات والبشر. إنّه بُعد، كما يمكن أنْ نرى، مهمّ للغاية.

هناك بُعد آخَر وهو البُعد “الاجتماعيّ” الذي يشير تحديدًا إلى كلّ مَن يَسكنُه. في الدراسات الاجتماعيّة، على سبيل المثال، يُشار إلى البيت في الإمبراطوريّة الرومانيّة – على الأقلّ بالنسبة للأثرياء – على أنّه ذلك المكوّن مِن ربّ الأسرة، وزوجته، وأولاده، وعبيده. وبالطريقة نفسها، يجب على علم البيئة – كخطاب عن الأسرة – أنْ يتعامل أيضًا مع العلاقات بين مختلف الكائنات التي تعيش في عالَمنا. وبطبيعة الحال، يجب أنْ تكون هذه العلاقات ودّيّة قدر الإمكان.

في هذا المعنى، مِن اللافت للنظر أنّه في بعض التقاليد الكتابيّة – على سبيل المثال، التقاليد النبويّة – عندما يتمّ تصوير الحياة على أنّها مكتملة أو “مُخَلَّصَة”، يتمّ ذلك باستخدام صُوَر تمثّل العلاقات المثاليّة بين الحيوانات بأجناسها وبين الحيوانات والبشر. علاقات مثاليّة بقدر ما هي “لا تُعقَل” على المستوى الطبيعيّ، كما يمكن أنْ نرى في هذا المقطع المعروف مِن النبي إشعيا:

6فَيَسْكُنُ الذِّئْبُ مَعَ الْخَرُوفِ، وَيَرْبُضُ النَّمِرُ مَعَ الْجَدْيِ، وَالْعِجْلُ وَالشِّبْلُ وَالْمُسَمَّنُ مَعًا، وَصَبِيٌّ صَغِيرٌ يَسُوقُهَا. 7وَالْبَقَرَةُ وَالدُّبَّةُ تَرْعَيَانِ. تَرْبُضُ أَوْلاَدُهُمَا مَعًا، وَالأَسَدُ كَالْبَقَرِ يَأْكُلُ تِبْنًا. 8وَيَلْعَبُ الرَّضِيعُ عَلَى سَرَبِ الصِّلِّ، وَيَمُدُّ الْفَطِيمُ يَدَهُ عَلَى جُحْرِ الأُفْعُوَانِ. 9لاَ يَسُوؤُونَ وَلاَ يُفْسِدُونَ فِي كُلِّ جَبَلِ قُدْسِي، لأَنَّ الأَرْضَ تَمْتَلِئُ مِنْ مَعْرِفَةِ الرَّبِّ كَمَا تُغَطِّي الْمِيَاهُ الْبَحْرَ (إشعيا 11: 6-9)[1].

بطبيعة الحال، وفهمًا للمبالغة في النصّ، لا يمكن لأحد أنْ يتوقّع مِن الأسد أنْ يغيّر نظامه الغذائيّ المفترس إلى نظام غذائيّ عشبيّ مِثل نظام الثور، ولكن يجب أنْ نطمح إلى علاقات “إيكولوجيّة” أو “بيئيّة”، أي علاقات عادلة ومتناغمة، بين جميع الذين يسكنون هذا البيت المشترك.

1. الرؤية البيئيّة للدراسات الكتابيّة

لا جدال في أهمّيّة علم البيئة اليوم. فقد أصبح هذا العلم، الذي يَدرُس الكائنات الحيّة في علاقتها ببيئاتها، بمثابة الناطق الرسميّ باسم الأزمة البيئيّة في عصرنا.

أمّا الفكرة القائلة بأنّ مجموعة مِن الوثائق القديمة مِثل الكتاب المقدَّس يمكن أنْ تثري فهمنا حول القضايا البيئيّة، فهي أقلّ بداهة. إنّ مفهوم “الإيكولوجيا” في حدّ ذاته يعود إلى القرن الماضي، لذلك لا يمكننا أنْ نتوقّع مِن مؤلّفي الكتاب المقدَّس أنْ يتعاملوا معه بشكل صريح.

ومع ذلك، فإنّ التوجّه المحدَّد الذي هَيمنَ على هذا العلم في السنوات الأخيرة، والمعروف باسم “الإيكولوجيا المتكاملة” (Integral Ecology)، جعله على علاقة مع العديد مِن التخصّصات والعلوم الإنسانيّة، والتي يجب أنْ تكون الدراسات الكتابيّة مِن بينها.

في الواقع، على النقيض مِن علم الحفاظ البيئيّ (Conservation Ecology)، الذي يركّز على دراسة النُظُم البيئيّة غير المعدَّلة مِن قِبل البشر، فإنّ الاهتمامات الأساسيّة لعلم البيئة المتكاملة تدور حول حقيقة تُعتبَر الآن غير قابلة للشكّ، وهي أنّ جنسنا البشريّ هو اليوم أكبر عامل للتغيير البيئيّ على نطاق الكوكب. ونتيجة لذلك، أصبحت الأشكال الحاليّة والمستقبليّة للتفاعل البشريّ مع البيئة محور التركيز الأساسيّ للبحث.

لكنْ، بما أنّ المعرفة والاستدراك والعمل متشابكون بشكل لا ينفصل عند البشر، فلا يمكن اختزال هذه الأشكال مِن التفاعل في المجال المادّيّ، بل يجب أنْ تشمل أيضًا الأبعاد المعرفيّة والاستدراكيّة لعلاقتنا بالعالَم. وبما أنّ هذه الأبعاد لها استمراريّة عبر الأجيال بواسطة الثقافة، فمِن الضروريّ أيضًا بالنسبة لعلم البيئة المتكامل أنْ ننظر إلى الماضي مِن أجل فهم كيف وصلنا إلى الأزمة البيئيّة الحاليّة، وأنْ ندرك، قدر الإمكان، أين ومتى كانت هناك إمكانيّة لاتّخاذ مسارات أخرى.

يجوز، برأيي، للدراسات الكتابيّة، إذا دمجَت أساليب التاريخ الثقافيّ وموضوعاته، أنْ تساهم أيضًا في إثراء هذه النظرة.

في الواقع، نلاحظ أنّ الطريقة التي تتعامل بها مجموعة مِن الصيّادين-الجامعين مع الحيوانات والنباتات، أو المجتمع الزراعيّ الذي كتب الكتاب المقدَّس مع الأرض، لا تحدَّد بحاجتهم إلى الطعام وبتقنيّتهم فحسب، بل أيضًا بإعطائهم القيمة والمعنى لكلّ ما لديهم. وتعتمد القيمة والمعنى على نظرتهم للعالَم، وأخلاقهم، ومعتقداتهم الدينيّة، وفلسفتهم في الحياة وحسَّهم الجماليّ، وكلّها جوانب مِن وجودنا في العالَم وهي متجذّرة دائمًا في الماضي. وإدراكًا لهذه الحقائق، لجأ مجتمع علماء البيئة إلى أوساط الفلسفة والفنون والدِّين للمساعدة في إعطاء معنى وقيمة للتغييرات الأخلاقيّة والسياسيّة والاقتصاديّة الكبرى التي تحتاج البشريّة إلى الالتزام بها إذا ما أرادت أنْ توقِف نشاطَها المدمِّر على الأرض.

يمكننا أنْ نسلّط الضوء على موضوعَين لهما تأثير كبير في الدراسات الكتابيّة. الأوّل هو الحاجة إلى إعادة التأكيد على القيمة الجوهريّة لجميع الكائنات التي تكوّن الأرض أو تسكنها، أي القيمة الأنطولوجيّة والروحيّة والجماليّة… التي تتمتّع بها، بمعزل عن فائدتها للإنسان. أمّا الموضوع الثاني، فهو يشير إلى العلاقة الوثيقة بين الأزمة البيئيّة والأزمة الاجتماعيّة؛ بين أشكال العدوان البشريّ على البيئة والظلم الاجتماعيّ الناتج عن التوزيع غير المنصف للخيرات والضرر الناتج عن التدهور.

في السياق الكتابيّ، يتردّد صدى هذَين الموضوعَين، قَبل كلّ شيء، في النصوص العديدة التي تَبرُز فيها المخلوقات أو التي يتمّ فيها التأمُّل بالخليقة والمخلوقات، وفي الإرشادات والنبوءات والقصص التي تحكم أو تصف الطرق البشريّة والإلهيّة في معاملة المخلوقات وتوزيع خيراتها، وفي النصوص التي تتحدّث عن البيئة.

2. الأرض ليست معروضة للبيع (لاويّين 25)

بالنسبة للمجتمعات الزراعيّة، فإنّ قيمة الأرض الزراعيّة لا تُقدَّر بثمن، لأنّ فقدانها هو بمثابة فقدان الحياة نفسها. الأرض ليست مجرّد سلعة أخرى، بل هي ثروة طبيعيّة جماعيّة. يحتوي قانون لاويّين 25 على تدابير تقييديّة تحمي ملكيّة الأراضي، وتربط بين الاهتمام الاجتماعيّ العميق وبين الحاجة إلى الحفاظ على نظام بيئيّ مستدام.

لقد تمّ تحرير قانون القداسة (لاويّين 18-26) في مرحلة تاريخيّة استدعَت حماية المجتمعات الريفيّة، لأنّ تراثها العائليّ المتوارث عن الأجداد تأثَّر بسبب التوسّع العمرانيّ المتزايد الذي أدّى إلى نزاعات اجتماعيّة خطيرة بين سكّان المدن وسكّان الريف (انظر نحميا 5).

كان المناخ شبه القاحل في اليهوديّة والتصحّر مِن المشاكل الخطيرة التي كان الرعاة والفلّاحون يواجهونها آنذاك. تهدف التدابير التي يقترحها لاويّين 25 – السنة السبتيّة وسنة اليوبيل – إلى منع تدهور التربة وبالتالي تأمين محاصيل العائلات في المستقبل.

وعلى وجه الخصوص، ما يمكن اعتباره قوانين البيئة في أسفار العهد القديم فهي تؤمّن أرضيّة صالحة لعلاقة سببيّة بين أعمال شعب إسرائيل الأخلاقيّة وبين حيويّة بيئتهم الطبيعيّة. ينسكب هذا كلّه في مصير واحد، يُفسَّر مِن حيث “البركة/ اللعنة”: فإذا أطاع الشعب العهد الذي قطعه مع الربّ، فإنّ الأرض ستُبارَك وتنتج محصولًا عظيمًا (لاويّين 26: 3-13؛ تثنية 7: 12-14؛ 28: 1-14)؛ ومِن ناحية أخرى، إذا عصى إسرائيل المشيئة الإلهيّة، فإنّ الأرض ستُلعَن وتعاني مِن كلّ أنواع الأوبئة والكوارث الطبيعيّة (لاويّين 26: 14-46؛ تثنية 28: 38-42).

الأرض هي مُلك للربّ. بما أنّ الأرض هي ملكيّة حصريّة للربّ، فإنّ إسرائيل مجرّد ضيف مدعو للمشاركة والتمتّع بهذه المساحة المعيشيّة: “وَأَنْتُمْ غُرَبَاءُ وَنُزَلاَءُ عِنْدِي” (لاويّين 25: 23 ب). وهذا ما يفسّر قدسيّة الأرض وقداستها التي تمّ تحديدها صراحةً على أنّها “مَقدِس” الربّ في لاويين 26: 2، 11.

استراحة اليوم السابع. على عكس الآلهة البطّالين في أساطير بلاد ما بين النهرَين القديمة، مِثل ملحمة أترا-حسيس (القرن الثامن عشر قَبل الميلاد)، يعمل إله الكتاب المقدَّس لمدّة ستّة أيّام لخلق العالَم، ثمّ يستريح: “وَفَرَغَ اللهُ فِي الْيَوْمِ السَّابعِ مِنْ عَمَلِهِ الَّذِي عَمِلَ […] وَبَارَكَ اللهُ الْيَوْمَ السَّابعَ وَقَدَّسَهُ، لأَنَّهُ فِيهِ اسْتَرَاحَ مِنْ جَمِيعِ عَمَلِهِ الَّذِي عَمِلَ اللهُ خَالِقًا” (تكوين 2: 2-3).

ينظّم هذا النمط مِن السلوك الإيقاعات اليوميّة للشعب الذي تعهد للربّ في عهد أبديّ، كما نقرأ في قانون العهد (خروج 20: 22 – 23: 19) الذي كُتب على الأرجح في نهاية القرن الثامن ق.م. إنّ إسرائيل سيتمتّع بالرابط الذي يربطه بخالقه وقدوته وببيئته الطبيعيّة. المثير للاهتمام في هذه الفريضة هو أنّ الفلّاح ملزم بالراحة مِن أجل الاعتناء بالكائنات الحيّة الأخرى، وعلى وجه الخصوص، حتّى يتسنّى للحيوانات المستخدمة كقوّة عاملة، وأولاد العبيد المولودين في الأسرة والكبيرة – المذكورين في هذا الترتيب الهرميّ للأهمّيّة – أنْ “يتنفّسوا” (خروج 23: 12).

نقرأ في لاويّين 25: 2-5 قانون السنة السبتيّة في السنة السابعة. والقارئ المعاصر يفسّر هذه التدابير بسهولة مِن الناحية الوظائفيّة التي تهدف إلى تحسين مردود الأرض. أمّا التفسير الدينيّ فيذهب إلى ما هو أبعد مِن مجرّد المنفعة. فراحة الأرض تتمّ “سبتًا للربّ” (آية 4). بهذه الطريقة يُعبَّر عن أنّ الله هو المالك الوحيد للأرض الصالحة للزراعة. بالإضافة إلى ذلك، لا يُحتفل بالسنة السبتيّة مِن أجل منفعة الفلّاح، بل “مِن أجل الأرض” (آيات 4- 5)، وهذا ما يعني أنّ الأرض الصالحة للزراعة هي خير في حدّ ذاتها يتجاوز مجرّد الاستعمال البشريّ.

تحتوي سنة اليوبيل في لاويّين 25: 10-12أ على معطيات مشابهة للسنة السبتيّة، ولكنّها تهدف أيضًا إلى إصلاح جميع المظالم التي ارتُكبَت في السنوات التسعة والأربعين الماضية. إنّها سنة فداء. وسيتبنّى يسوع المسيح في لوقا 4: 18 هذا المبدأ عند إعلانه سنة الغفران أو سنة الربّ المقبولة حين يقرأ إشعيا 61: 1ي. وتهدف سنة اليوبيل إلى إعادة الأرض إلى أصحابها الشرعيّين فتجمع بين العدالة للشعب والراحة للطبيعة.

3. الحكمة والخالق وجماعة الأرض (أمثال 8: 22-31)

لا يُقرأ نصّ أمثال 8 دون مراجعة نصَّين آخَرَين وهما أمثال 1: 20-33 وأمثال 9: 1-6 حيث تبرز شخصيّة السيّدة حكمة أو الحكمة المتجسّدة في العهد القديم. في النصوص الثلاثة، تلقي السيّدة حكمة خطابًا عامًّا موجّهًا إلى الجميع، لكنْ، بشكل خاصّ إلى عديمي الخبرة، أي الشباب الذين يفتقرون إلى الحكمة والمعرفة، أولئك الذين لم يكتسبوا بَعدُ نظام الدراسة والتفكير النقديّ والسلوك المستقيم، والذين يسهل بالتالي إغواؤهم مِن قِبل الجهال والحمقى، فيضلّون في طرق الشّرّ.

في هذه البيئة التي يتردّد عليها الرجال في الغالب، تأخذ السيّدة حكمة زمام المبادرة وتبدأ بالكلام مِن دون أنْ يُطلب منها ذلك. فتخاطب الحكمة العالَم، فهي لا تحصر نفسها في المجال العائليّ أو المجال القضائيّ، إنّما طابعها العامّ هو عالميّ.

في هذا الخطاب عدد لا يُحصى مِن الكنوز التي يجب اكتشافها ودراستها، لكنْ، في سياق هذا المقال، مِن المهمّ أنْ نسلّط الضوء على الآيتَين الأخيرتَين 30-31:

كُنْتُ عِنْدَهُ صَانِعًا، وَكُنْتُ كُلَّ يَوْمٍ لَذَّتَهُ، فَرِحَةً دَائِمًا قُدَّامَهُ.

فَرِحَةً فِي مَسْكُونَةِ أَرْضِهِ، وَلَذَّاتِي مَعَ بَنِي آدَمَ.

كنتُ عِندَه طِفْلًا كنتُ في نَعيم يَومًا فيَومًا- أَلعَبُ أَمامَه في كُلَ حين

أَلعَبُ على وَجهِ أَرضِه ونعيمي مع بَني البَشَر.

مِن الواضح أنّ السيّدة الحكمة تعرف الأرض بعمق، فهي تعرفها مِن أصولها. وهذه المعرفة العميقة بالأرض ستمكّنها مِن أنْ تصبح المتحدّثة باسمها إلى البشر. صوت الحكمة، في الواقع، هو صوت الأرض التي تخاطب البشر. أمّا بالنسبة إلى الآيتَين الأخيرتَين 30- 31، وهما الأشدّ إثارة والقابلتان للجدل في الخطاب كلّه، فهناك مصطلح عبريّ تميّزت به الآية 30 للتعبير عن الطريقة التي بها تكون الحكمة مع الله، لأنّه يُسمح بترجمتَين مختلفتَين على الأقلّ، بحسب تحريك الكلمة.

بحسب الترجمة الأولى، المصطلح “أمون” (amon) يعني “مهندس”، ” حِرَفيّ”، “صانع”. في هذه الحالة، يُفترَض أنّ الحكمة قد شاركَت في تكوين العالَم، وهذا ما يتعارض مع رسالة النصّ التي تقول إنّ المنظّم الوحيد هو الله (راجع آيات 27-29).

وبحسب الترجمة الأخرى لأمون (amoun)، فهي تعني “الطفل”. هذه القراءة الثانية تنسجم بشكل أفضل مع السياق: الحكمة هي طفلة صغيرة مرحة ولعوب يَنظر إليها الخالق وكلُّ عملِه بسرور.

لكنْ، ما يهمّنا أكثر مِن مناقشة معنى هذا المصطلح، هو أنْ نلاحظ أنّ السيّدة حكمة ليست قادرة على إلقاء خطاب جذّاب فحسب، بل هي قادرة أيضًا على اختبار الفرح ومشاركته مع الله والبشر. والسبب في فرحها هو بالضبط الخلق، أي عمل الخالق، أي جماعة الأرض التي تتكوّن مِن العالم المخلوق والبشر معًا. السيّدة حكمة هي فرح الخالق لأنّها تفرح بالأرض وبـ “جماعة الأرض”، أي كلّ ما يكون ويعيش على الأرض. يتضمّن لعبها أو احتفالها الاحترام، والاستماع، والمراقبة، والمشاركة. على حدّ تعبير شيرلي وورست (Shirley Wurst)، “إنّها تبتهج بالمفاجآت والتحدّيات، بالابتكار والابداع التي تراها في العالَم مِن حولها وتشارك رؤاها مع البشر وغيرهم مِن أعضاء جماعة الأرض”. بعبارة أخرى، تعمل السيّدة الحكمة كوسيط بين الخالق والأرض، بين الأرض والبشر. وبفضلها، هناك مجال على الأرض للاحتفال واللعب، والتفاهم، والعلاقة المتبادلة، والتواصل. وهنا نلمس قلب التعايش البيئيّ (Ecological Coexistence)، لأنّه قائم على الاحترام والتفاهم الذكيّ والمعاملة بالمثل. لذا، بفضل الحكمة، أصبح التعايش البيئيّ ممكنًا.

4. تحدّي التعايش البيئيّ

بَعد التطرّق بإيجاز إلى أمثال 8، يبرز السؤال التالي: ونحن، هل نحن قادرون على التعايش البيئيّ في عالَمنا؟ لسوء الحظّ، أَظهرَت الأزمة التاريخيّة الرهيبة الناجمة عن الجائحة التي لا نزال غارقين فيها عدم قدرتنا، أو بالأحرى عدم اهتمامنا باحترام كوكب الأرض وفهمه وحمايته. لقد غيّرنا النظام البيئيّ مِن دون أنْ يكون لنا أيّ حقّ في ذلك، لقد غيّرنا النظام البيئيّ بشدّة وتجاوزنا قوانين الطبيعة، وفرضنا عليها بأنانيّة ضغطًا يؤدّي إلى موتها. وبهذه الطريقة نسرق المستقبل مِن الأجيال الجديدة.

في مواجهة هذه المأساة الكونيّة التي تؤثّر علينا جميعًا دون استثناء، تدعونا السيّدة حكمة إلى التعلّم منها ومِن معرفتها العميقة بالأرض واحترامها وصداقتها مع جماعة الأرض. إنّ القراءة اليقظة والمتأنّية لخطابها يمكن أنْ تفتح أذهاننا على طرق جديدة للمعرفة والتواصل اللذَين يحترمان الآخَر في حدّ ذاته، في قيمته الجوهريّة، والتي ترفض رؤية الإنسان كمركز للكون، كمهيمن ومسيطر مطلق على الأرض. وبصورة أكثر تحديدًا، تشجّعنا كلماتها على تبنّي طريقة تتمحور حول البيئة في مجالات الوجود والتصرّف والفهم. وهذا ينطبق أيضًا على مؤسّساتنا الاجتماعيّة والسياسيّة، والاقتصاديّة، والثقافيّة، والدينيّة. وبالتالي فإنّ السيّدة حكمة هي مرجع ودليل أكيد للتعايش البيئيّ الإيكولوجيّ.

خاتمة

تهدف الأمثلة الواردة في هذه المقالة إلى التوضيح أنّ البحث والتفسير الكتابيّ المستوحى مِن البيئة له مجال واسع جدًّا يمكن استكشافه بَعد. هذه ليست بأيّ حال مِن الأحوال محاولة لتقديم موقف كتابيّ موحَّد حول هذه القضايا، بل هي محاولة للتفكير والتعرُّف على الخبرات والمقاربات الإيكولوجيّة لأحد التقاليد الدينيّة القديمة الأكثر تأثيرًا في الفكر المعاصر.

المراجع

Davis, Ellen F. Scripture, Culture and Agriculture. An Agrarian Reading of the Bible. Cambridge University Press, 2009

Habel, Norman C. (ed.). Readings from the Perspective of Earth. Sheffield Academic Press, 2000

Horrell, David G. et al. (eds.), Ecological Hermeneutics: Biblical, Historical and Theological Perspectives. T & T Clark, 2010

Calduch-Benages, Nuria. “Jesús y la Sabiduría.” El perfume del Evangelio. Jesús se encuentra con las mujeres, escrito por Nuria Calduch-Benages. Verbo Divino 2010, pp. 127-164

Dell, Katharine. “Green Ideas in the Wisdom Tradition.” Scottish Journal of Theology, vol. 47, no. 4, 1994, 425-451

Murphy, Roland E. “The Personification of Wisdom.” Wisdom in Ancient Israel. Essays in honor of J. A. Emerton, edited by John Day et al.  Cambridge University Press, 1995, pp. 222-233

Wurst, Shirley. “Woman Wisdom’s Way: Ecokinship.” The Earth Story in Wisdom Traditions, edited by Norman C. Habel and Shirely Wurst. The Pilgrim Press, 2001, pp. 48-64

[1]  النصوص البيبليّة الواردة في هذه المقالة هي بحسب الترجمة الانجيليّة العربيّة للكتاب المقدَّس (فاندايك)، بشكل عامّ.

  • يَحمل الدكتور دانيال عيّوش درجة دكتوراه في اللاهوت مِن WestfälscheWilhelms-Universität, Münster, Germany، وهو أستاذ العهد الجديد، في معهد القدّيس يوحنّا الدمشقيّ اللاهوتيّ التابع لجامعة البَلَمَند. تستند أبحاثه على تحليل النصّ مِن الناحية اللغويّة والسرديّة، وتتضمَّن حقول اهتمامه الأناجيل الإزائيّة، سِفرَي أعمال الرسل ورؤيا يوحنّا، والترجمات العربيّة للعهد الجديد. هو عضو في الرابطة الكتابيّة، وله عدد كبير مِن المقالات العلميّة المنشورة في حقل اختصاصه.

RECENT POSTS