الإساءة إلى الطبيعة/الخليقة في الكتاب المقدَّس

القسّ د. عيسى دياب

القسّ د. عيسى دياب*

(محاضرة قُدِّمت في مركز الدراسات الكتابية للشرق الأوسط وشمال أفريقيا التابع لجمعيّة الكتاب المقدس في لبنان بتاريخ 31/5/2024)

هذه هي الندوة الثانية لسنة 2024، من بين ثلاث ندوات، نتناول فيها موضوع ” الكتاب المقدَّس والخليقة والفداء”. وذلك مِن وحي الاهتمام العالميّ بالبيئة.

في أصل الكون، يوجد على الأقلّ موقفان: موقف الذين يقولون بأنّ الله الخالق هو الذي أحدث الكون؛ وموقف العلماء الذين يقولون بأنّ هذا الكون نَتَج عن انفجار كبير حدث وتطوَّرَ وأعطانا هذا الكون المنظَّم.

النظريّة الأكثر انتشارًا وحداثة عن أصل الكون هي نظريّة الانفجار الكبير (Bing Bang). ولهذه النظريّة ثلاثة تفسيرات: يرى الملحدون أنّ هذا الانفجار، الذي تكوّن بفضله هذا الكون الشاسع، حَدَثَ بفعل الصدفة؛ ويرى اللاأدريون أنّه حصل بواسطة عامل مجهول؛ ويرى المؤمنون أنّه حَدَثَ وتطوّرَت مفاعيله برعاية إله متعالي ندعوه بلغتنا “الله”.

أتكلّم كإنسان مؤمن، أصل الكون هو الله، ولا مانع عندي مِن أنْ يكون الله استخدم “الانفجار الكبير” في عمليّة خلق الكون. إذًا، الكون هو خليقة الله.

تُمثِّل الخليقة الكون وما فيه: الأرض والكواكب وما فيها. وهناك الخليقة العاقلة، والخليقة الحيوانيّة، والخليقة الجامدة. الخليقة العاقلة هي التي تُسيء إلى الخليقة الحيوانيّة والجامدة. فبعض الخليقة العاقلة يسيء إلى بعضها الآخر، وإلى الحيوان والجماد فيها. وطرق الإساءة ومفاهيمها مختلفة.

الإساءة إلى الطبيعة، بمفهوم أساتذة الفيزيا والطبيعيّات، هي إساءة إلى خليقة الله، بمفهوم الديانات الإبراهيميّة، هي إساءة إلى الخليقة التي رتَّب الله أنْ يفتديها بالمسيح، بمفهوم المسيحيّة.

نتكلّم عن انتهاك حقوق الإنسان، وانتهاك حقوق الأطفال؛ والتعدّي على الحيوانات، والتعدّي على الطبيعة. وتخريب الغلاف الجويّ للأرض، وتلويث الفضاء. وقريبًا يصل تلوُّث الإنسان إلى القمر والمرّيخ والكواكب والأنظمة الشمسيّة. كيف يمكن أنْ تتمّ هذه الانتهاكات والإساءات، وماذا يعلّم الكتاب المقدَّس عن هذه الأمور؟

هذه الأسئلة وغيرها يتناولها المحاضر، ليستخرج لنا، مِن الكتاب المقدَّس، تعليم كلمة الله عن البيئة أو الخليقة، مِن خلال قراءة علميّة وروحيّة للنصوص المقدَّسة.

محاضرة القسّ د. عيسى دياب

1. الطبيعة أم الخليقة؟

الكون خلق أم تكوين بالمصادفة؟

في أصل الكون والإنسان، يقدّم العلم نظريّتَين: الانفجار الكبير والتطوّر:

1-1 الانفجار الكبير

على الرغم مِن أنّ نظريّة الإنفجار الكبير تشبع فضول السائل عن أصل الكون، إلّا أنّ النظريّة لا تجيب على سؤال حول مصدر الطاقة التي انفجرَت وكوّنَت الكون، ولا على سؤال حول كيفيّة تحوّل انفجار كبير إلى كون دقيق التنظيم. وبالتالي لا تلغي النظريّة احتمال وجود إله خلق ورعى ونظّم.

ببساطة، تنصّ النظريّة على أنّه منذ حوالي 14 مليار سنة، كانت كلّ المادّة والطاقة في الكون عند نقطة ذات كثافة ودرجة حرارة لا نهائيّتَين. ثمّ توسّعَت بسرعة. وفي النهاية تشكّلَت النجوم والمجرّات والكواكب. كان هذا التوسّع بداية الزمن ويستمرّ حتّى يومنا هذا.

وتدعم نظريّة الانفجار الكبير أدلّة على أنّ الفضاء يتوسّع، بما في ذلك الانزياح الأحمر للضوء مِن المجرات البعيدة ووجود إشعاع الخلفيّة الكونيّة في جميع الاتجاهات.

يُعتقد أنّ كوكب الأرض قد تشكَّل منذ حوالي 4.6 مليار سنة مِن الغبار والغاز المتبقّي بعد تشكُّل الشمس.

ومع تبريد الأرض تدريجيًّا، ممّا أدّى إلى خلق الظروف التي أصبحَت فيها الحياة ممكنة، ظهرَت الكائنات الحيّة.

لا يتّفق جميع العلماء مع نظريّة الانفجار الكبير. لكنّ العديد مِن اعتراضاتهم تتعلّق بالتفاصيل داخل العمليّة، وليس بالمبدأ الأساسيّ الذي حدث. وبالمثل، هناك نظريّات مختلفة حول كيفيّة بدء الحياة على الأرض. يمكن اختبارها، لكنّ العلماء لا يستطيعون التأكّد مِن صحّتها لأنّ كلّ ذلك حدث منذ فترة طويلة.

يقترح العلماء أنّ الأدلة المؤيّدة للانفجار الكبير تتضمّن حقيقة أنّ مجرّتنا لا تزال تتوسّع. وهذا مِن شأنه أنْ يتماشى مع الانفجار الذي يدفع كلّ شيء إلى الخارج.

يعتقد العلماء أنّ الحركة الخارجيّة ستنتهي في النهاية وتعود معًا في الأزمة الكبيرة.

1-2 نظريّة التطوّر

نظريّة التطوّر أو نظريّة النشوء والارتقاء أو التطوّر هو التغيّر في السمات الوراثيّة الخاصّة بأفراد التجمّع الأحيائيّ عبر الأجيال المتلاحقة. السيرورات التطوريّة تُحدث تنوّعًا حيويًّا في كلّ المستويات التصنيفيّة، بما فيها الأنواع، وأفراد الكائنات الحيّة، والجزيئات كالدنا والبروتينات.

وينقسم التطوّر لنوعَين وهما التطوّر الصغرويّ الذي يؤدّي لتغيّرات طفيفة داخل النوع الواحد، والتطوّر الكبرويّ الذي يؤدّي لتغيّر نوع لنوع آخَر عبر سلسلة طويلة مِن التغيّرات الطفيفة في فترات زمنيّة هائلة، ويُعتقد حدوثه خلال ملايين السنين.

 ويُعدّ التطوّر النظريّة العلميّة السائدة بين علماء الأحياء كتفسير لتنوّع الكائنات الحيّة علي الأرض. وتعتبر نظريّة التطوّر مهمّة جدًّا في علم الأحياء.

1-2 الإنفجار الكبير والتطوّر على ضوء الإيمان المسيحيّ

بالنسبة للعديد مِن المسيحيّين، لا يمكن لقصّة سِفر التكوين والانفجار الكبير أنْ يجتمعا معًا. يشير الانفجار الكبير إلى عالَم تطوَّرَ على مدى مليارات السنين بدلًا مِن الأيام السبعة المذكورة في قصّة الخلق في سِفر التكوين.

ويشار إلى هذا أحيانًا باسم وجهة النظر الأصوليّة – أي أنّ سِفر التكوين صحيح حرفيًّا بكلّ الطرق ولا يمكن التشكيك في القصّة، وبالتالي فهو لا يتناسب مع الانفجار الكبير.

ويرى آخَرون أنّ قصّة سِفر التكوين مجرّد أسطورة. إنّهم يشعرون أنّ قصّة سِفر التكوين ليست رواية فعليّة عن الخلق، بل هي طريقة بشريّة لوصف ما لا يمكن فهمه. الأيام السبعة هي فقط رمزيّة لفترات الخلق وليست فترات 24 ساعة فعليّة. ويمكن القول إنّ الله هو الذي بدأ الانفجار العظيم واستخدمه كطريقته في الخلق، وهذا ما يظهر في قوله في سِفر التكوين: “ليكن نور”. ربّما يشير هذا إلى الانفجار الكبير؟

إذًا، ننطلق مِن مسلَّمات كتابيّة مفادها:

  1. إنّ الكون هو خليقة الله،
  2. خليقة الله جيّدة وفيها توازن لجهة حفظ المخلوقات وتطوّرها وإنتاج ما يلزم للمخلوقات
  3. خلق الله الكون مِن أجل قصد نبيل
  4. يعكس الكون طبيعة الله الأخلاقيّة: الجود والعدالة؛ والكفاية
  5. الكون مُلك الله، وهو سلّمه لخليقته العاقلة وطلب منها إدارته مع احترام قصد الله وطبيعته
  6. أيّة إساءة إلى الكون هي إساءة إلى عمل االله

بالخلاصة، الإنسان وصيّ على الخليقة، مكلَّف مِن الله، يحكم بسلطة الله وحكمته.  مِن المفترض أنْ يكون على الإنسان أنْ يمارس السيادة على العالَم الطبيعيّ تمامًا كما يفعل الله لو كان حاضرًا بشكل مباشر. وهذا يعني أنّه  سلطة الإنسان المفوّضة له لا ينبغي أنْ تؤدّي أبدًا إلى الاستغلال. بل لقد قصد الله دائمًا أنْ يمارس الإنسان سلطته بطرق تعكس شخصيّة المالك الحقيقيّ ومقاصده.

1-3 قصد الله مِن الخليقة

1-3-1 الخليقة إعلان إلهيّ

“20 لأَنَّ أُمُورَهُ غَيْرَ الْمَنْظُورَةِ تُرىَ مُنْذُ خَلْقِ الْعَالَمِ مُدْرَكَةً بِالْمَصْنُوعَاتِ، قُدْرَتَهُ السَّرْمَدِيَّةَ وَلاَهُوتَهُ، حَتَّى إِنَّهُمْ بِلاَ عُذْرٍ” (رومية 1: 20)؛

“1 اَلسَّمَاوَاتُ تُحَدِّثُ بِمَجْدِ اللهِ، وَالْفَلَكُ يُخْبِرُ بِعَمَلِ يَدَيْهِ” (مزمور 19: 1)؛

“1 أَيُّهَا الرَّبُّ سَيِّدُنَا، مَا أَمْجَدَ اسْمَكَ فِي كُلِّ الأَرْضِ! حَيْثُ جَعَلْتَ جَلاَلَكَ فَوْقَ السَّمَاوَاتِ. 2 مِنْ أَفْوَاهِ الأَطْفَالِ وَالرُّضَّعِ أَسَّسْتَ حَمْدًا بِسَبَبِ أَضْدَادِكَ، لِتَسْكِيتِ عَدُوٍّ وَمُنْتَقِمٍ. 3 إِذَا أَرَى سَمَاوَاتِكَ عَمَلَ أَصَابِعِكَ، الْقَمَرَ وَالنُّجُومَ الَّتِي كَوَّنْتَهَا، 4 فَمَنْ هُوَ الإِنْسَانُ حَتَّى تَذكُرَهُ؟ وَابْنُ آدَمَ حَتَّى تَفْتَقِدَهُ؟ 5 وَتَنْقُصَهُ قَلِيلًا عَنِ الْمَلاَئِكَةِ، وَبِمَجْدٍ وَبَهَاءٍ تُكَلِّلُهُ. 6 تُسَلِّطُهُ عَلَى أَعْمَالِ يَدَيْكَ. جَعَلْتَ كُلَّ شَيْءٍ تَحْتَ قَدَمَيْهِ: 7 الْغَنَمَ وَالْبَقَرَ جَمِيعًا، وَبَهَائِمَ الْبَرِّ أَيْضًا، 8 وَطُيُورَ السَّمَاءِ، وَسَمَكَ الْبَحْرِ السَّالِكَ فِي سُبُلِ الْمِيَاهِ. 9 أَيُّهَا الرَّبُّ سَيِّدُنَا، مَا أَمْجَدَ اسْمَكَ فِي كُلِّ الأَرْضِ!”

1-3-2 خلق الله الإنسان للتعبير عن حبّه، وخلق الكون ليكون مكان لقائه مع الإنسان

تقدّم رسالة رومية 8: 19 عبارة موجزة عن سبب وجود العالَم المادّيّ: “لأنّ انتظار الخليقة ينتظر استعلان أبناء الله”. وفقًا لهذا المقطع، فإنّ تطوّر البشر إلى أبناء الله الناضجين هو هدف العالَم المادّيّ. لقد خلق الله الكون والكوكب الذي نعيش عليه كجزء مِن خطّته لإنتاج أفراد مِن عائلته.

لقد أظهر أنصار النظريّة العلميّة للتصميم الذكيّ أنّ الأرض مصمَّمة بدقّة ومموضعة داخل الكون مِن أجل الحفاظ على حياة الإنسان. على سبيل المثال، يتمتّع كوكبنا بكمّيّة مثاليّة مِن الجاذبيّة ويقع في الأذرع الحلزونيّة لمجرّة درب التبّانة، ممّا يوفّر الأمان.

إنّ دلائل التصميم الذكيّ في الخليقة تنسجم مع شرح الكتاب المقدَّس لقصده. باختصار، تشير الأدلّة إلى أنّ كوكبنا قد تمّ خلقه بشكل مثاليّ وضبطه بدقّة لدعم الحياة.

1-3-3 خَلَقَ الله الكون ليكون خزّان الموادّ اللازمة لحياة الإنسان

لقد أعدَّ اللهُ الخليقةَ بحيث توفِّر كلّ ما يحتاجه الإنسان لحياته الجسديّة والمعيشيّة، فجعل الأرضَ غنِيّةً بمواردها، قادرةً على إعالة الإنسان واستمراره. فالمياهُ التي هي أساس الحياة، والهواءُ الذي يتنفّسه، والتربةُ التي تُنبِت الغذاء، كلّها عطيّة إلهيّة منظَّمة بدقّة.

يُشير الكتاب المقدَّس إلى هذا البُعد بوضوح، إذ نقرأ: “أَنْتَ فَتَحْتَ يَدَكَ فَأَشْبَعْتَ كُلَّ حَيٍّ رِضًا” (مزمور 145: 16). فالله لا يخلق فقط، بل يُعيل ويهتمّ بخليقته. إنّ موارد الأرض ليست عشوائيّة، بل منظَّمة لخدمة الإنسان: المياه للشرب والزراعة والتنظيف؛ النباتات للغذاء والدواء؛ الحيوانات للغذاء والعمل؛ المواد الطبيعيّة كالقطن والصوف والمعادن لصناعة اللباس والمأوى؛ مصادر الطاقة للدفء والحياة اليوميّة.

وهكذا، فالخليقة ليست مجرّد إطارٍ لوجود الإنسان، بل هي “مخزن عناية إلهيّة” موضوع بين يديه. غير أنّ هذا العطاء يتضمّن مسؤوليّة، إذ دُعي الإنسان ليكون وكيلاً صالحًا على هذه الموارد، لا مستهلكًا مدمّرًا لها (تكوين 2: 15).

بالتالي، يكشف هذا البُعد مِن قصد الله أنّ الخليقة هي تعبير عن عنايته المستمرّة، وأنّ الله لم يَخلق الإنسان ليتركه، بل ليحفظه ويغذّيه مِن خلال عالَمٍ مُعدٍّ بحكمةٍ فائقة.

2- كيف يمكن أنْ يُسيء الإنسان إلى الخليقة؟

يسيء الإنسان إلى الخليقة بتعدّيه على الخليقة العاقلة، والخليقة الجامدة.

2-1 انتهاك حقوق الإنسان الطبيعيّة

إنّ حقوق الإنسان الطبيعيّة هي السمات التي تجعل الكائن الحيوانيّ إنسانًا، ومِن دونها ليس هو إنسان. وأهمّ هذه الحقوق: حقّ الحياة، والكرامة؛ والحرّيّة؛ والمساواة. وهذه الحقوق تكوّن منظومة تتداخل أركانها بعضها ببعض. فحقّ الحياة يتضمّن الحقّ بالحياة بكرامة وحرّيّة ومساواة.

إنّ مصدر التعليم حول كرامة الإنسان هو الكتاب المقدَّس؛ فهذه الكرامة تنبع مِن الله، وهي مِن الله، لأنّنا مخلوقون على صورة الله ومثاله (تك 1: 26-27). الحياة البشريّة مقدَّسة لأنّ الإنسان هو الانعكاس الأكثر مركزيّة والأوضح لله بيننا. يتمتّع البشر بقيمة متسامية وقيمة تأتي مِن الله؛ ولا تقوم هذه الكرامة على أيّ صفة إنسانيّة، أو ولاية قانونيّة، أو جدارة أو إنجاز فرديّ. إنّ الكرامة الإنسانيّة غير قابلة للتصرّف، أي أنّها جزء أساسيّ مِن كلّ إنسان وهي صفة جوهريّة لا يمكن فصلها عن الجوانب الأساسيّة الأخرى للإنسان.

يختلف البشر نوعيًّا عن أيّ كائن حيّ آخَر في العالَم لأنّهم قادرون على معرفة الله ومحبّته، على عكس أيّ مخلوق آخَر. الإيمان بكرامة الإنسان هو أساس الأخلاق. إنّ مبدأ الكرامة الإنسانيّة هو أساس جميع مبادئ الأنثروبولوجيا المسيحيّة.

عندما يتعامل بعضنا مع بعض، يجب أنْ نفعل ذلك بإحساس الرهبة الذي ينشأ في وجود شيء مقدَّس. لأن هذا هو الإنسان: نحن مخلوقون على صورة الله (تك 1: 27).

هناك ثلاث رؤىً للإنسان: الرؤية الكتابيّة، والرؤية اللاهوتيّة، والرؤية الفلسفيّة. إنّ الرؤية الكتابيّة هي المصدر الأساسيّ وهي مبنيّة على الوحي كما ذكرنا. تعتمد الرؤية اللاهوتيّة على التقليد الكتابيّ وتتضمّن التفكير والحكمة البشريّة التي تطوّرَت عبر الزمن عبر التاريخ. تمّ إدراج الرؤية العلمانيّة هنا لكي نتمكّن مِن رؤية أين يكون التداخل أو التميّز أكثر وضوحًا.

2-1-1 رؤية الكتاب المقدَّس للإنسان

  • الرؤية الكتابيّة للإنسان مبنيّة على الوحي (تك 1: 26-27).
  • الإنسان مخلوق على صورة الله ومثاله.
  • تُفهم الكرامة الإنسانيّة على أنّها تنبع مِن علاقة الإنسان بالله، ولا يتمّ اكتسابها أو استحقاقها. إنّها متأصّلة.
  • كرامة الإنسان ترتكز على حرّيّة الإنسان. إنّ الإنسان حرّ في قبول أو رفض التواصل الذاتيّ المستمرّ مع الله.
  • تتحقّق كرامة الإنسان وتحميها في المجتمع مع الآخَرين.

2-1-2 الرؤية اللاهوتيّة للإنسان

  • مبدأ الكرامة الإنسانيّة يرتكز على أساس الإيمان الذي يؤكّد أنّ الله هو مصدر الحياة كلّها وخالقها.
  • بالإيمان وبالأمان يكتمل الإنسان. إنّ مفهوم الكرامة الإنسانيّة مبني على الوحي وهو جوهريّ.
  • ذات طبيعة لاهوتيّة.
  • الإنسان قادر على معرفة الله ومحبّته، بخلاف أيّ مخلوق آخَر.
  • يجب على الإنسان أنْ يكون مسؤولًا أخلاقيًّا عن الحماية الملموسة للكرامة الإنسانيّة، وعن “فِعل الخير واجتناب الشرّ”.
  • الإنسان حرّ. فقط الشخص الحرّ يمكنه أنْ يكون مسؤولًا أخلاقيًّا.

وبالخلاصة: إنّ التعدي على أيّ حقّ مِن حقوق الإنسان الطبيعيّة هو تعدٍّ على صورة الله وخلق الله.

“بِهِ [اللسان] نُبَارِكُ اللهَ الآبَ، وَبِهِ نَلْعَنُ النَّاسَ الَّذِينَ قَدْ تَكَوَّنُوا عَلَى شِبْهِ اللهِ” (يعقوب 3: 9)

العنصريّة والتمييز الجندريّ هي خرق لحقّ المساواة:

“48 فَأَجَاب الْيَهُودُ وَقَالُوا لَهُ: «أَلَسْنَا نَقُولُ حَسَنًا: إِنَّكَ سَامِرِيٌّ وَبِكَ شَيْطَانٌ؟» 49 أَجَابَ يَسُوعُ: «أَنَا لَيْسَ بِي شَيْطَانٌ، لكِنِّي أُكْرِمُ أَبِي وَأَنْتُمْ تُهِينُونَنِي” (يوحنا 8: 48-49).

انتهاك حقوق الطفل والمرأة هي خرق لقانون المساواة

الإجهاض هو تعدٍّ على حقّ الحياة

التمييز الاجتماعيّ بين الغنيّ والفقير؛ المواطن والغريب، تعدٍّ على المساواة:

“لأَنَّ الرَّبَّ إِلهَكُمْ هُوَ إِلهُ الآلِهَةِ وَرَبُّ الأَرْبَابِ، الإِلهُ الْعَظِيمُ الْجَبَّارُ الْمَهِيبُ الَّذِي لاَ يَأْخُذُ بِالْوُجُوهِ وَلاَ يَقْبَلُ رَشْوَةً  الصَّانِعُ حَقَّ الْيَتِيمِ وَالأَرْمَلَةِ، وَالْمُحِبُّ الْغَرِيبَ لِيُعْطِيَهُ طَعَامًا وَلِبَاسًا” (تثنية 10: 17-18).

“اَلْغَنِيُّ وَالْفَقِيرُ يَتَلاَقَيَانِ، صَانِعُهُمَا كِلَيْهِمَا الرَّبُّ” (أمثال 22: 2).

تقييد الحريات الفكريّة والدينيّة والكلاميّة هي تعدٍّ على حقّ الحرّيّة

2-2 منع الإنسان مِن الاتّصال بخالقه مِن أجل التطوّر الروحيّ

الإنسان مخلوق مادّيّ ونفسيّ وروحيّ، قابل للتطوُّر. يعلّم الكتاب المقدَّس بأنّ الكيان البشريّ الحاليّ قابل للتطوّر ليستعيد صورة خالقه. يقول بولس:  

“… إِذْ خَلَعْتُمُ الإِنْسَانَ الْعَتِيقَ مَعَ أَعْمَالِهِ، وَلَبِسْتُمُ الْجَدِيدَ الَّذِي يَتَجَدَّدُ لِلْمَعْرِفَةِ حَسَبَ صُورَةِ خَالِقِهِ” (كولوسي 3: 9-10)؛  

“وَهُوَ أَعْطَى الْبَعْضَ أَنْ يَكُونُوا رُسُلًا، وَالْبَعْضَ أَنْبِيَاءَ، وَالْبَعْضَ مُبَشِّرِينَ، وَالْبَعْضَ رُعَاةً وَمُعَلِّمِينَ، لأَجْلِ تَكْمِيلِ الْقِدِّيسِينَ لِعَمَلِ الْخِدْمَةِ، لِبُنْيَانِ جَسَدِ الْمَسِيحِ، إِلَى أَنْ نَنْتَهِيَ جَمِيعُنَا إِلَى وَحْدَانِيَّةِ الإِيمَانِ وَمَعْرِفَةِ ابْنِ اللهِ. إِلَى إِنْسَانٍ كَامِل. إِلَى قِيَاسِ قَامَةِ مِلْءِ الْمَسِيحِ” (أفسس 4: 11-13)؛

“أَنْ تَخْلَعُوا مِنْ جِهَةِ التَّصَرُّفِ السَّابِقِ الإِنْسَانَ الْعَتِيقَ الْفَاسِدَ بِحَسَبِ شَهَوَاتِ الْغُرُورِ، وَتَتَجَدَّدُوا بِرُوحِ ذِهْنِكُمْ، وَتَلْبَسُوا الإِنْسَانَ الْجَدِيدَ الْمَخْلُوقَ بِحَسَبِ اللهِ فِي الْبِرِّ وَقَدَاسَةِ الْحَقِّ” (أفسس 4: 23-24)

 فإنّ تقييد الحرّيّات الفكريّة والدينيّة تعيق التطوّر الفكريّ والروحيّ، وبالتالي النفسيّ. وهذا تعدٍّ كبير على خليقة الله.

2-3 استغلال الطبيعة على نحو سيّء لتحقيق أطماع ضيّقة

التعدّي على الخليقة الحيوانيّة، بقتل الحيوانات بشكل عشوائيّ، ما يفقد الطبيعة توازنها الحيوانيّ، مِن أجل جني أرباح مادّيّة هو تعدٍّ على خليقة الله، وتخريب للطبيعة.

التعدي على الخليقة النباتيّة بقطع الأشجار بشكل عشوائيّ، ما يحدث تغييرًا في المناخ، هو إساءة إلى خليقة الله والإنسان الساكن فيها.

التعدّي على الأرض باستغلال خصوبتها أكثر ممّا تحمل، هو تخريب لخليقة الله، ولمصدر الغذاء الذي يقتات منه الإنسان والحيوان.

2-4 الظلم في توزيع الموارد الطبيعيّة

9 «وَعِنْدَمَا تَحْصُدُونَ حَصِيدَ أَرْضِكُمْ لاَ تُكَمِّلْ زَوَايَا حَقْلِكَ فِي الْحَصَادِ. وَلُقَاطَ حَصِيدِكَ لاَ تَلْتَقِطْ. 10 وَكَرْمَكَ لاَ تُعَلِّلْهُ، وَنِثَارَ كَرْمِكَ لاَ تَلْتَقِطْ. لِلْمِسْكِينِ وَالْغَرِيبِ تَتْرُكُهُ. أَنَا الرَّبُّ إِلهُكُمْ (لاويين 19: 9-10).

19 «إِذَا حَصَدْتَ حَصِيدَكَ فِي حَقْلِكَ وَنَسِيتَ حُزْمَةً فِي الْحَقْلِ، فَلاَ تَرْجعْ لِتَأْخُذَهَا، لِلْغَرِيبِ وَالْيَتِيمِ وَالأَرْمَلَةِ تَكُونُ، لِكَيْ يُبَارِكَكَ الرَّبُّ إِلهُكَ فِي كُلِّ عَمَلِ يَدَيْكَ. 20 وَإِذَا خَبَطْتَ زَيْتُونَكَ فَلاَ تُرَاجعِ الأَغْصَانَ وَرَاءَكَ، لِلْغَرِيبِ وَالْيَتِيمِ وَالأَرْمَلَةِ يَكُونُ. 21 إِذَا قَطَفْتَ كَرْمَكَ فَلاَ تُعَلِّلْهُ وَرَاءَكَ. لِلْغَرِيبِ وَالْيَتِيمِ وَالأَرْمَلَةِ يَكُونُ. 22 وَاذْكُرْ أَنَّكَ كُنْتَ عَبْدًا فِي أَرْضِ مِصْرَ. لِذلِكَ أَنَا أُوصِيكَ أَنْ تَعْمَلَ هذَا الأَمْرَ (تثنية 24: 19-22).

10 «وَسِتَّ سِنِينَ تَزْرَعُ أَرْضَكَ وَتَجْمَعُ غَلَّتَهَا، 11 وَأَمَّا فِي السَّابِعَةِ فَتُرِيحُهَا وَتَتْرُكُهَا لِيَأْكُلَ فُقَرَاءُ شَعْبِكَ. وَفَضْلَتُهُمْ تَأْكُلُهَا وُحُوشُ الْبَرِّيَّةِ. كَذلِكَ تَفْعَلُ بِكَرْمِكَ وَزَيْتُونِكَ. 12 سِتَّةَ أَيَّامٍ تَعْمَلُ عَمَلَكَ. وَأَمَّا الْيَوْمُ السَّابعُ فَفِيهِ تَسْتَرِيحُ، لِكَيْ يَسْتَرِيحَ ثَوْرُكَ وَحِمَارُكَ، وَيَتَنَفَّسَ ابْنُ أَمَتِكَ وَالْغَرِيبُ (خروج 23: 10-12).

صناعات كبيرة وخطيرة تقوم على استهلاك حياة العمّال الفقراء.

عدد صغير مِن الدول المتقدّمة تحتكر المواد الأوّليّة على الأرض، وتترك أهل الأرض في حالة الجوع.

عدد صغير مِن الدول المتقدّمة اقتصاديًّا، تتحكّم بأسعار المواد الأوّليّة الضرورية؛ فتلجأ إحيانًا إلى رمي كميات مِن الحنطة، أو غيره مِن الحبوب، لكي تحافظ على الأسعار.

2-5 افتعال الحروب

2-6 التسبّب في تلوّث الجو والأرض

2-7 التسبّب في التغيير المناخيّ

2-8 التسبّب في إفساد التوازن البيولوجيّ والحيوانيّ

3 أين هو التوازن في استثمار الطبيعة

ثلاث عبارات هنا مهمّة: الاستكشاف والاستثمار والإساءة.

المعادلة بسيطة وسهلة، لكنّها صعبة: استكشاف واستثمار مِن دون الإساءة.

المحافظة على الخير العامّ.

العدالة في توزيع خيرات الأرض.

الدول المتقدّمة التي تملك تقنيّات الاستكشاف والاستثمار، عليها أنْ تعطي أصحاب الأرض التي تستكشف فيها حقوقهم مِن الغلال.

الخاتمة

في ضوء ما تَقدَّم، يتبيّن أنّ الكتاب المقدَّس يقدِّم رؤية متكاملة للخليقة، لا بوصفها مجرّد إطار مادّيّ لوجود الإنسان، بل كعطيّة إلهيّة تعبّر عن قصد الله ومحبّته، وتُظهِر حكمته وعنايته المستمرّة. فالخليقة، بما تحمله مِن توازن ودقّة، هي إعلان عن الله، ومجال لقاء بينه وبين الإنسان، ووسيلة لحفظ الحياة وتنميتها.

غير أنّ الإنسان، وقد أُعطي دور الوكيل على هذه الخليقة، كثيرًا ما حاد عن هذا القصد، فحوَّلَ السيادة إلى استغلال، والعطاء إلى تعدٍّ، ممّا أدّى إلى تشويه العلاقة مع الله، ومع الآخَر، ومع الطبيعة نفسها. وهكذا، فإنّ الإساءة إلى الخليقة، بأشكالها المختلفة، ليست مجرّد خلل بيئيّ أو اجتماعيّ، بل هي في جوهرها خطيئة تمسّ عمل الله وتعتدي على صورته في الإنسان.

مِن هنا، تبرز الحاجة الملحّة إلى استعادة الفهم الكتابيّ لدور الإنسان، كوكيل أمين ومسؤول، مدعوّ إلى ممارسة سلطته بروح العناية لا السيطرة، وبمنطق المشاركة لا الاحتكار. إنّ التوازن في استثمار موارد الأرض، والعدالة في توزيع خيراتها، والمحافظة على الخير العامّ، ليست خيارات ثانويّة، بل هي تعبيرات ملموسة عن الإيمان بالله الخالق والفادي.

وعليه، فإنّ الطريق نحو مصالحة الإنسان مع الخليقة يبدأ بمصالحة الإنسان مع خالقه، إذ في هذا اللقاء تَتجدَّد صورة الإنسان، ويُعاد توجيه سلوكه ليصبح انعكاسًا لمحبة الله وعدله. عندها فقط يمكن للخليقة أنْ تستعيد تناغمها، وتتحقّق فيها إرادة الله التي قصدها منذ البدء.

RECENT POSTS