In Bible

العهد القديم والعنف

العنف في العهد القديم

د. نقولا أبو مراد

(محاضرة قُدِّمت في مركز الدراسات الكتابية للشرق الأوسط وشمال أفريقيا التابع لجمعيّة الكتاب المقدس في لبنان بتاريخ 15/6/2018)

مقدّمة

يأخذ العنفُ في الكتاب المقدّس حيّزًا كبيرًا. وموضوعُه واسعٌ. وكلّما شاء المرء أن يتعمّق في دراسته، كلّما اتّسعت المساحة النصّية ذات الصلة، وتشعّبت الأفكار. ولذا، لتوجيه الدراسة وتركيزها، لا بدّ من الانتقاء. في مقالتي هذه، أحاول أن أضيءَ على خطّ تأليفيّ أرى أنّه يُساعدُنا على فهم موضوع العنف في أسفار الكتاب، وذلك من خلال التعرّف على وظيفة عددٍ من النصوص المحوريّة بالنسبة لموضوعنا هذا.

عند طرح موضوع العنف في الكتاب المقدّس، يتبادرُ أوّلًا إلى ذهن معظم الناس ما يعتبرونَه “عنفًا” يُمارِسُه اللهُ هنا وثمّة في الروايات. وغالبًا ما يُشار، من بين أمثلةٍ عديدة، إلى ضرباتِ مصرَ في سفر الخروج، أو ظروفِ دخول أسباط إسرائيل إلى أرض كنعان في سفر يشوع، أو ما نجدُه في أسفار صموئيل والملوك من مشاهد عنيفة وحروبٍ يخوضها شاول وداود وغيرهما من الملوك. ويسألُ كثيرون، كيفَ يُعقلُ أن يخوض الله حروبًا، ويأمر بالقتل والذبح؟ أليس هو إله الرحمة والرأفة والسلام، فلِمَ العنفُ في النصوص التي تتحدّث عنه وعن أعماله؟ هل هذا الإلهُ الذي يرعى العنفَ والاحتراب في العهد القديم، هو نفسُه أبُ يسوعَ في العهد الجديد؟ ألا يمكننا أن نكتفيَ بالعهد الجديد، من دون الاضطرار إلى العودة إلى العهد القديم؟ ليست هذه الأسئلة والشواغلُ المتّصلة بها جديدةً. طرَحَها مسيحيّون منذُ العهود الأولى للمسيحيّة. ماركيون الذي عاش وكتبَ في أواسط القرن الثاني في رومة، رَفَض أيّ صلةٍ بين إله أسفار العهد القديم ويسوع، وذلك لأنّ الأوّلَ، على ما نُقِل عنه، “قاسٍ وغضوب وبلا رحمة”، وتتنافى أعمالُه مع ما علّمه المسيح. وعلى أساسِ فكرِه القائم على ثنائيّة الخير والشرّ، رَفَضَ اعتبار أسفار العهد القديم جزءًا من القانون المسيحيّ، واكتفى بما اختاره من نصوصٍ من العهد الجديد. كان لماركيون عددٌ غير قليل من الأتباع، وقد نُسِخت أعماله كثيرًا، ما يوحي بأنّ فكرَه لقيَ استحسانًا لدى كثيرين. غير أنّ نظرتَه هذه واجهَت نقدًا كبيرًا من الكتّاب المسيحيّين، وخصوصًا ترتليانوس (155 م.- 240 م.) الذي وضع، في بداية القرن الثاني (حوالي سنة 208 م.)، مصنّفًا ضخمًا من خمسة أجزاء خصّصه لضحد تعليم ماركيون، وتكرّس هذا الضحد في التعليم المسيحيّ، ولم يُمَسَّ القانونُ وترتيبُ الكتب في شكله الذي نعرفه اليوم بجزأيه القديم والجديد.

يستندُ موقفُ الذين عارضوا ماركيون إلى التكامل ما بين العهدين، رغمَ أنّ الكلامَ عن طبيعة هذا التكامل اتّخذ أشكالًا مختلفة، تعبيرًا وتفسيرًا، لدى الشرّاح المسيحيّين قديمًا وفي العصور الأقرب إلينا. لن أدخلَ هنا في كيفيّة قراءة هذا التكامل والعلاقةِ بين العهدين لدى الشرّاح، فهذا يحتاجُ إلى مبحثٍ خاصّ. لكنّني سوفَ أحاول أن أقرأ نصوصًا أعتبرُها محوريّة في أسفار العهد القديم، يُساعدنا فهمها على تلمّس الطريقِ نحو مزيد من التعمّق في إدراكِ مدلولات الرواية الكتابيّة.

ولكنْ، قبلَ البدء بقراءة هذه النصوص، أودّ أن أشيرَ إلى بعضِ التحدّيات والأشراك التي تعترضنا حين نقرأ الكتاب المقدّس، والتي، إن وقعنا فيها، تختلّ القراءة وكذلك الفهم الصحيح. أوّل هذه التحدّيات أو الأشراك، ميلُ الناسِ في العادة، إلى تجميلِ صورة الله بحيث توافقُ تصوّراتهم عنه، والتي تأتي من تراكمِ قناعاتٍ معيّنة ليست بالضرورة مؤسّسة على نصوص الكتاب المقدّس، وكذلك من تأثير الموروثات المعرفيّة المستندة إلى الفكر الفلسفيّ الأفلاطونيّ بمعظمها. مثالٌ على هذه التصوّرات أنّ الله منزّه عن أيّ عملٍ سيّء، أو أنّه لا يغضب، أو لا يندم، أو لا يتغيّر، أو، كما في موضوعنا، لا يقتل أو يدعو إلى القتل. ليست غايتي هنا أن أناقشَ هذه الموضوعاتِ من منظورٍ لاهوتيّ أو فلسفيّ. غير أنّ المحذورُ في هذا هو أن يكونَ الإله الذي نتحدّث عنه، على هذا النحوِ، مجرّد متخيَّلٍ أو فكرة فلسفيّة، وأن نفرِض هذا المتخيَّلَ وهذه الفكرة على قراءتنا – أو عدم قراءتنا[1] – لنصوص الكتاب المقدّس.

ويكمن التحدّي الثاني في الفهم الحرفّي الواقعيّ للكتاب، وكأنّ سردَه يعكس حقيقةً واقعّية حدثت فعلًا في زمن وتاريخ معيّنين. أو هو العجزُ عن الولوجِ إلى وظائفِ السرد والنصوص الكتابيّة، من خلال النظر إلى علائقها في ما بينها، وتلمّس الخيوط الأساسيّة التي تربطها بعضها ببعض، والاكتفاءُ بالمستوى الحرفيّ للكلام. ولهذا تداعياتُه على فهمنا للنصّ. ويتّصل بهذا التحدّي ما عمَد إليه ولا يزالُ كثيرونَ من المفسّرين، وهو محاولة تأطير الروايات في سياقات وفرضيّات تاريخيّة، مع إسقاطِ الجانبِ السرديّ التكامليّ فيه، وتجاهلٍ للأدوار والوظائف التي لشخصيّاته، بمَن فيها الله نفسُه وأعمالُه.

أمّا التحدّي الثالث فهو الميلُ إلى قراءة نصوص الكتاب بشكل مجتزأ، من دون الوقوف على ترابطِها وعلى ما بينها من علاقاتٍ. فللكتاب المقدّس جوهرٌ معنويّ واحدٌ، وتشكّل كلٌّ من نصوصِه مدماكًا له موقعه وقيمته في هذا البناءِ اللغويّ والمعنويّ المتماسك والمتراصّ. يسهلُ تجزيءُ النصّ إلى شذراتٍ، وتفسير كلّ منها بمعزلٍ عن غيرها. خطورةُ هذه المقاربة أنّها انتقائيّة واستنسابيّة، وتخدم الغايةَ التي من أجلها يريدُ القارئ أن يلجأ إلى هذا أو ذاك من النصوص دون سواه. وعليه، ولئن كان اكتشافُ الروابطِ التي بين النصوص، والخيطِ الأحمر الذي يتخلّل الأسفار، يتطلّب جهودًا مضاعَفة، إلاّ أنّه يبقى نهجًا أمينًا لما أرادَه الكاتب، وهو أن نقرأ الكتاب بتسلسله الذي وضعه، وأن نسيرَ معه عبر كلماته وجمله وفقراته ومقاطعه وأسفاره، في رحلةٍ نحوَ الغايةِ الأساسيّة، وهي أن نتعلّم، لا ما يقوله هو عن الله، بل ما يقولُه الله فيه لنا، وبين هذين الأمرين فرق شاسع.

تكمن المشكلة الرئيسيّة في المقاربات التي أشرت إليها أعلاه، في أنّها تلجأ دومًا إلى ما هو خارجَ النصّ لتفسيره. وكأنّ التصوّرات والفرضيّات لها كيانٌ قائم وثابتٌ نعتمده أساسًا لتفسير النصّ. والحقّ أنّ الثابتَ الوحيدَ هو النصّ وما يقولُه، والمتأرجح دومًا هو التصوّرات والفرضيّات. وعليه فإنّ العمل على النصّ نفسه، من دون أيّ مواقف مسبقة أو خلفيّات، هو الذي يُساعدنا على الاصغاء إليه إصغاء متمعّنًا حتّى يشدّنا هو إلى معانيه، من غير أن تثقلَنا أفكارُنا وافتراضاتنا.

وهذا يصحّ بشكل خاصّ على موضوع العنف في الكتاب وذلك لأنّه موضوع شائك، والقرارُ بشأنه صعب. لذا اخترتُ أن أُبحِر مع قارئي في ثنايا الكتاب، لنسكتشف معًا ماذا يريد أن يعلّمنا حول ما نسمّيه نحن عنفًا، وكيف تتآلفُ النصوص لتنقل إلينا كلمةَ الإله كما هي في الكتاب، لا كما نتمنّاها نحنُ أن تكونَ على أسسٍ من خارج الكتاب، مهما كانت هذه الأسس.

إنّ النصوص التي تساعدنا على فهمِ توجّه الكتاب المقدّس في هذا الموضوع كثيرةٌ جدًّا، غير أنّ سوف أستندُ، بشكل خاصّ، على سفر التكوين، لكونِه يؤسّس للأسفار اللاحقة، ويضع المداميك الأولى للبناء التأليفيّ والمعنويّ. سوف لن أستعين بنصوص أخرى إلاّ للتوضيح، واكتشاف الروابط في ما بين النصوص، وذلك اتّساع المادّة ولضيق المجال للاحاطة بكلّ تفاصيلها في هذه الدراسة. إنّ قراءتنا لنصوص سفر التكوين ذات الصلة تساعدنا على اقتفاء ما يمكن تسميته “الخطّ الأحمر” أو النسق المعنويّ في موضوع العنف في تسلسل النصوص، الأمر الذي يُساعد القارئ على اكتشاف هذا النسق أيضًا لدى قراءته للأسفار اللاحقة.

بذور العنف

يبدأ العنفُ في الكتاب المقدّس في قصّة قايين وهابيل. وسوف يكونُ لهذا العنفِ المتمثّل في قتل الأخِ أخاه، أو، إذا جاز التعبير، في قتل نصف البشريّة النصفَ الآخر، عواقبُه، وسوف تكونُ له نهايةٌ أيضًا. أمّا النهايةُ فيأتي التعبير الأوّل عنها في الطوفان، الذي أرادَه اللهُ “نهايةً لكلّ بشرٍ” (تكوين 6: 13)[2]. ذلك لأنّ وجود البشرِ، منذ أن قتلَ قايين أخاه إلى أن تعاظم الناس واستكبروا (تكوين 6: 1-4)، قد جعل “الشرّ يكثر على الأرض” (تكوين 6: 5). ويعبّر الكاتبُ عن انتقال الشرّ من قايين إلى أجيالِ الطوفان بواسطةِ نَسَب قايين، حيثُ القتلُ يمرّ من جيل إلى آخر، من الأب إلى ابنه، إلى أن يكتملَ إجرامُ الانسانِ في نسل قايين، ليس في ما أرادَه الله للانسان في البدء، بل في كمالِ نزعةِ البشر المستكبرين إلى أن يقتلوا ويريقوا الدماء ويتباهوا بما يفعلونه.[3] وكأنّ الكاتبَ أرادَ أن يعلّمنا أنّ العنفَ بطبيعته يتكاثر بتكاثر الناس، ويتعاظمُ ويزداد حدّة، إلى أن تأتيَ “النهاية الأخيرة لكلّ بشر”.

الخضوع للحيوان

قبل أن يقتلَ قايين أخاه هابيل، وهو مستاءٌ ممّا حصل من جهة تقدمتِه، خاطبه الربّ (تكوين 4: 6-7). قالَ له “لماذا سقطَ وجهُك؟”، أي لماذا تخفي وجهَك. وتابع قائلًا “إن أحسنت أفلا ترفعُ [وجهك]”، أي الأفضل في هذه الحالة أن تفعل ما هو حسنٌ، وفي الأصل العبريّ[4] “ما هو خيرٌ”، أن تُظهِرَ وجهَك، ألاّ تحاول الاختباءَ كما اختبأ أبوكَ بعد أن أكل من ثمر الشجرة الممنوعة (تكوين 3: 8). أمّا إذا كنت مفتكرًا في السوء، في الشرّ، “فعند الباب خطيئةٌ رابض[5]، إليك اشتياقُه، وأنت تسودُ عليه”. نلاحظ أن الكاتب يكسِر هنا القواعد اللغويّة، ويتحدّث عن “الخطيئة” المونّثة، مستعينًا بصيغة المذكّر، وكأنّ في ذهنه صورةٌ لحيوانٍ أو وحشٍ متربّصٍ للافتراس. عن هذا الحيوانِ يقول الربّ لقايين “إليك اشتياقُه وأنت تسود عليه”[6]. بكلامٍ آخر، يقولُ الربّ لقايين هنا: “إنّ الحيوان خاضعٌ لكَ، وأنت تسودَ عليه، غير أنّه يتحيّن الفرصة للانقضاض عليك، فلا تسمح له”. غيرَ أنّ خيارَ قايين كانَ ألاّ “يُحسن”، ألاّ يفعل ما هو خيرٌ. وبدلَ أن يسود على الوحش الرابض الخاضعِ له، أخضعَ هو نفسَه له وسادَ الحيوانُ عليه؛ مضى وقتل أخاه في الحقل (تكوين 4: 8)، حيث كان ينبغي أن يسودَ هو على الحيوان[7]، محوّلًا الأرضَ التي كان يزرعُها إلى حقل للدم، دمِ أخيه الصارخ أبدًا من الظلم، ظلمِ الذين لم يجعلوا كلمةَ الله غايتهم، بل شكلَ حيوانٍ مفترسٍ قاتل.

يضعنا هذا في دائرةٍ من الصور الرمزيّة التي تستعملُ الحيوانَ لتشير إلى العنفِ، إلى ميلِ الانسان إلى التصرّف كحيوانٍ مفترسٍ. وثمّة تشابه كبير بين خضوعِ قايين هنا للحيوان الرابض، لما يدعوه إلى عدم فعل الخير، وبينَ إطاعةِ المرأة للحيّة[8] في روايةِ عصيان آدمَ وحوّاء. يوحي هذا التشابه بعلاقة بين جريمةِ قايين وخطيئة آدمَ وامرأته. فقد أذعن آدمُ والمرأة للحيوان قبل قايين. أطاعا الحيّة، وهي من “حيوانات الأرض التي صنعها الربّ الإله” (تكوين 3: 1). أغرتهما بما روته عن الله. فصدّقا روايتها وما صدّقا كلمةَ الإله الذي جَبَلهما. فحينَ لم يسمح الله لآدمَ بالأكل من شجرة معرفة الخير والشرّ وشجرة الحياة، ما أرادَ أن يمنعه عن معرفة أو حياة، فهو حيّ في معيّة الله دومًا، يتعلّم منه ما الخير وما الشرّ. غير أنّ الله أراد بهذا أن ينهيه عن السعي إلى معرفة خير أو شرّ وحياةٍ بعيدًا عن تلك التي من الله جابلِه، لئلاّ يموت. أمّا الحيّة ففسّرت للمرأة كلامَ الله من منظورٍ آخر: إنّ الله أنانيّ، لا يريد الخير للانسان، لا يريد له أن يحقّقَ ذاته ويبلغَ غايةَ طموحه؛ يكذب عليه؛ لذا على الانسانِ أن يكتشفَ حقيقةَ إلهه هذه، ويرى ما في كلامه من كذب وخداع،[9] وأن يتحرّر من أنانيّته واستبداده، ويعمَل ما هو الأفضلُ له. يطيعُ آدمُ كلام الحيّة، ويعصي وصيّة الله.

بعد إطاعة الحيّة يكتشفُ الانسان أنّه عريان. إنّ التشابه الكبير بين عبارَتي “عَرُوم” (محتال / ماكر) و”عِرُوم” (عريان)، اللتين يستعملهما الكاتب، في آيتين متتاليتين لوصف الحيّة (تكوين 3: 1) ووصف الانسان وامرأته (تكوين 2: 25)، وهو تعبير يستعمله الكاتب في تكوين 3: 7، ليُلمِح إلى أنّ الانسانَ أصبح على مثال “الحيّة” الرافضة الله. بعدَ أن أكلَ من الشجرة اكتشف الانسان أنّه “عِرُوم” (عريان) كالحيّة الـ”عَرُوم” (الماكرة). رأى أنّه صار مثلها، على صورتها. خجِل. ما أرادَ أن يراه الله وقد استحال على صورةِ حيوانٍ. حاول أن يخفي مظهَره. لكنّه فشِل.

وهنا يروي لنا الكاتبُ أمرًا في غاية الأهمّية. حينَ حاولَ الانسانُ أن يخفي عن الله أنّه صار على صورة “حيوان البرّية”، بعد عصيان وصيّة الربّ، اتّخذ من أوراق التين ملابسَ له. غير أنّ الله الذي رأى وعَرَف، خلع عنه أوراقَ التين، وألبسه أقمصة من جلد (تكوين 3: 21)، والجلدُ، كما نعلم، لا يأتي إلاّ من حيوان مقتول. لا يقول لنا الكاتب شيئًا عمّا إذا كان الله قد قتل حيوانًا ليصنع منه الأقمصة الجلديّة. لكنّ هذه الأقمصة تفترض أنّ حيوانًا قد قُتِل ليستعمل جلده في صنعها. وعليه، أن يُلبِس الله الانسانَ جلدَ حيوانٍ مقتول يعني أنّه أراد للانسان أن يَظَهر دومًا بمظهرٍ يدلّ على أنّ الحيوان الذي سعى الانسان إلى التمثّل به، قد قضى عليه الله، وأنّه يلبس جلده علامةً تلتصق به التصاقًا، وهي في صلب كيانه، على ما لم يكن مفتَرَضًا به أن يفعله. بالمعنى المـُطلَق يعني هذا، أنّ ما يسعى الانسان إلى تحقيقه في حياته من قوّة وبطش بالقتل، بالحرب، وبكلّ أشكال العنف، قد سبَق لله أن أدانه وحكم عليه بالزوال. هذه دينونة الله لما سوفَ يسعى الانسانُ ويتوق إليه، للحيوانيّة التي ستتملّكه. من جهة أخرى، يمثّل إلباس الانسان جلد الحيوان رأفةً من الله، لأنّه بهذا يعلّمه كلمته مرّة أخرى: عليك أن تخلع الثوب الحيوانيّ.[10]

معرفةُ الخير والشرّ

 رأينا في قصّتي آدمَ والمرأة وقايين وهابيل المـُترابطتين كيف يستعمل الكاتبُ صورة الحيوان، وما يشير إليه، لكي يُبرزَ رفضَ الانسان أن يتعلّم مِن الله ما هو خير له وما هو شرّ، بل سارَ في طريقه الخاصّ، في ما يراه هو خيرًا أو شرًّا. رأينا في حديثنا عن قايين أنّ الربّ وضعه أمام خيارَين “إن أحسنتَ” و”إن لم تُحسِن”، أي “إنّ فعلت خيرًا أو لم تفعل”، أو “إن شئت الخير أو لم تشأه”.[11] إذًا قايين أمام أن يختار فِعلَ الخير أو فِعل ما ليس خيرًا. وإن اختارَ الخيرَ، وحسنَ التصرّف، ما عليه سوى أن يرفع وجهه، أن يكشِف رضاه. ويكون بهذا قد أطاعَ قولَ الربّ، ومشيئته، وقَبِل منه التعليم عمّا هو خير وعمّا ليس خيرًا، وأسهمَ في أن تلبثَ الخليقة “حسنة”[12] كما خلقها الله (تكوين 1: 31). لكنّ قايينَ شاء “ألاّ يفعل خيرًا”. وبخياره هذا عصا الكلمة الإلهيّة التي سمعها من الله.

هذه الفكرةُ عينها نجدُها أيضًا في رواية آدمَ. تقولُ الروايةُ إنّ الله سمح لآدم أن يأكل من كلّ أشجار البستان الذي وضعه فيه إلاّ من شجرة معرفة الخير أو الشرّ (تكوين 2: 16-17). في هذا القولِ مستويان من حيث المعنى. المستوى الأوّل هو أنّه أمرُ الله ووصيّته، وهو، على المستوى الثاني، كافٍ ليعرف آدمُ الخير والشرّ كما يريدُ له الله أن يعرفهَما، بمعنى أنّ مخالفة هذا الأمر بالأكل من الشجرة، هو بحدّ ذاته شرّ لأنّ الله نها عنه. ويعبّر النصّ عن هذا من خلال قول الربّ للانسان “لا تأكل منها، لأنّك يومَ تأكل منها موتًا تموت” (تكوين 2: 17). الموتُ هنا هو نتيجة اختيار الأكل على عدم الأكل. والموتُ هو نقيض الحسن / الخيرِ  (“طُوب” في العبريّة) الذي تحقّق حينَ أخرج الله الأرض من الموت إلى الحياة في تكوين 1، كما سوف نرى لاحقًا. وعليه، فإنّ خيار الانسان بأن يأكل من شجرة معرفة الخير والشرّ يعني أنّ الانسان رأى في الأكل من الشجرة حياةً بدل الموت، أو هكذا شُبّه له من الحيّة، وأنّ عدَم الأكل منه “شرّ” نسبته الحيّة إلى الله، وهذا ما اقتنع به الانسان وامرأته. وكانت النتيجة أنْ أراد الاستقلال عن الله، فقلبَ المقاييس. وصار عنده الخير كما علّمه إيّاه الله شرّا، والشرّ الذي نهاه عنه خيرًا. وإذا ما اعتبرنا، من قبيل الاستعارة، أنّ شجرةَ معرفة الخير والشرّ هي رمزٌ لكرسيّ القاضي والمشرّع، الذي لا يمكن لأحد غيره أن يجلس عليه، فإنّ خيارَ الانسان بأن يأكلَ منها، إنّما هو اغتصاب لهذا الكرسيّ، وإزاحةٌ للقاضي المشرّع الحقيقيّ عنه، بحيثُ يكون له، دونَ الله، كلامٌ وقرارٌ في ما يحسنُ فعلُه وما لا يحسنُ.

ما كانت نتيجة رفض تعليم الله عن الخير؟ قتَل قايين أخاه، وأراق الدماء على الأرض التي خلقها الله لكي يزرعها الانسانُ. واختلّت العلاقات بين آدم وامرأته، وبينه وبين الأرض. فبدل أن تكونَ المرأة “عونًا له أمامه”[13] (تكوين 2: 20)، أي شريكة له متساويةً معه، أصبحت خاضعةً له، وصار هو سيّدًا عليها (تكوين 3: 16)، وهذا تعبير مجازيّ عن تسلّط الانسان الظالم ليس على البعيدين، بل على أقرب الناس إليه، على من هم من لحمه ودمه. وهكذا أيضًا صارت الأرض التي كانت تُنبت له الزرعَ بلا عناء ملعونةً، تُنبت شوكًا وحسكًا، وصار ملزَمًا بالعمل الشاقّ ليتمكّن من الأكل (تكوين 3: 18-19). أمّا الحيّة فحلّت العداوة بينها وبين الانسان. هي تلسعه، وهو يدوس عليها (تكوين 3: 15)، علامة على انهيار السلام بين الانسان وبين الحيوان (سنرى لاحقًا أهمّية هذا السلام في حديثنا على تكوين 1).

العنفُ إذًا، في هاتين الروايتَين، هو مخالفةُ الانسانِ لوصيّة الله عن الخير والشرّ، وخضوعِ الانسان لحيوانيّة فيه وبهيميّة يتصرّف بموجبها، لا بما يؤتي خيرًا، بل بما يجلبُ الشرّ. غير أنّ هذا لم يكن في أساس الأمور كما خلقها الله كما سوف نرى.

المـَلَكيّة الساقطة

إنّ الجانبُ الآخر في هاتين الروايتين هو نقدهما للملكيّة التاريخيّة في تجلّيها الأقصى في الحرب وما يتّصل بها من عنف وقتل وظلم. وسوف يطال هذا النقدُ، كما سنرى لاحقًا في هذه الدراسة، المدينةَ باعتبارها العالم الذي يخلقه الملك لنفسه رمزًا لقوّته وتسلّطه. لا ترِدُ عبارة “الملك” في الأسفار الأولى من العهد القديم، غير أنّ الإشارات إلى الوظيفة الملكيّة كثيرة، لا بل تأتي في مواضع في غاية الأهمّية، وهي إشارات سلبيّة جميعُها. وتَرِد عبارةُ “ملك” في شكلٍ مشوّهٍ عن قصدٍ في اسم لامِك الذي يُقِرّ بنفسه إنّه فاقَ أباه قايين قتلًا وإجرامًا. وعبارتا “لامِك” و”ملك” في الأصل العبريّ (لِمِك / مِلِك) متطابقتان لفظًا وتشكيلًا مع اختلافٍ في مواقع الأحرف فقط. واللافتُ أنّ “لامِك” هو السابعُ والأخير في تعداد الأجيال بدءًا من قايين، ويُقال عنه في النصّ الذي يذكره (تكوين 4: 17-24) إنّه كان متزوّجًا من امرأتين، إشارةً إلى رغبته في أن يتكاثرَ ويملأ الأرض. ومن أسماء أولاده وصنعتهم، نستشفّ ما في ذهن الكاتب، إذ جعلَ أسماءَ بنيه مشتقّة جميعَها من جذر “يَبَال” العبريّ الذي يرتبط بالسلطة والقيادة، أمّا صنعتُهم فهي في ضرب الحديد والنحاس، أي صناعةِ الأسلحة، وفي صنع أدوات الموسيقى، للاستعمال في الحروب. يلفتنا أيضًا أنّه وقد قَتَل، يأمرُ امرأتيه بطاعته مخاطبًا إياهما كما سوف نعهدُ اللهَ نفسَه مخاطبًا البشرَ في الأنبياء لاحقًا وفي المزامير: “يا عادة وصلّة اصغيا إلى صوتي [أطيعاني]، يا امرأتَي لامِك أنصتا إلى كلماتي” (تكوين 4: 23). جعل نفسَه إلهًا. وكأنّي به اعتَبَر أنّ القتلَ يجعله كبيرًا عظيمًا، فغيّب الربَّ تغييبًا كلّيًّا، محقّقًا في ذاتِه ما صبا إليه آدمُ حين أرادَ أن يكون له الفصلُ بين الخير والشرّ، أي أن يكون كلامُه هو أوّلَ الكلامِ وآخرَه. ما كانَ للامكٍ هذا. أنهى الكاتبُ قصَّتَه في اللحظة التي أرادَ هو أن تَبدأ فيها. ينتهي قايين ونسلُه. ويُحلّ الربّ الإله محلَّ هابيلَ ابنًا آخر لآدمَ هو شيت. وبنهايةِ قايين تنتهي أيضًا قصّةُ المدينةِ التي بناها. فكما أنّ الكاتبَ قدّم الملكيّة مشوّهةً في اسم لامِك وفعله وكلامه الفارغ، سبق أيضًا وقدّم المدينةَ بكونِها بُنِيَت على يد قاتلِ أخيه ظلمًا وهو تائهٌ هاربٌ معاقبًا من الربّ.

وكأنّ الكاتبَ أرادَ أن يجعلَ في صورة لامِك القاتل بلا حدودٍ تشويهًا للملكيّة كما مارسها الانسان على مدى تاريخه. والأجيال السبعةُ التي من قايين، قاتلِ أخاه، إلى لامِك، قاتلِ كلّ من صادفه، اختصارٌ لتاريخ الناس، ولما في هذا التاريخ من قتل وظلم وإقصاء، عبّر الكاتبُ عن فظاعتها، تحديدًا، في قصّة قايينَ وهابيل، حيث يصير قتلُ القويّ للضعيف أساسًا لهذا التكاثر الذي ولّد البشرَ وصولًا إلى لامِك، أي إلى مَن يقتل ويظلم ويقصي ويستعبد ماضيًا وحاضرًا وإلى منتهى التاريخ.

وثمّ إلماح إلى الملكيّة أيضًا في اسم قايين ومعناه. فهذا الاسم مشتقّ من جذر “قناه” ويعني اقتنى تملّك، وفي قرائتي أنّ يشير إلى الملكيّة. ويتأكّد هذا في صنعته، فالزراعة أساسِ الحضارات المدنيّة، وهي تقف على طرف نقيض مع رعاية المواشي، صنعة هابيل، لكونها لا تحتاج إلى المدينة، ولا ملكيّة فيها للأرض، بل ترحال وتنقّل دائمين. في هذه الصورة المجازيّة، يرمزُ الكاتب إلى ما عندَ الناس من عنف متربّص ومتخلّل كلّ الحضارات البشريّة، ضحيّتُه الفقيرُ والمتروكُ والذي لا مكانَ له في الأرض، على ما يدلّ اسمُ هابيلَ، ومعناه، بخلاف اسم قايين، “غيرُ الموجود”، أو “المتلاشي”، ومنه “الباطلُ والهباء”[14]. غير أنَّ الربّ، كعقاب على القتل، يحكمُ على قايين بأن يكون تائهًا ومطرودًا في أرض التيه والغربةِ، أي ألاّ تكونَ الأرضُ له ملاذًا، بل مكان هربٍ مستمرّ، يُلاحقه فيه ذاك الدمُ الذي أراقه ظلمًا وحسدًا. وبحكمِه الذي قاله في قايين، شمَل الربّ أجيالَه السبعة، أي سائرَ القاتلين، والبشرُ كلُّهم كذلك في تاريخهم، كما قلنا.

هذه الملكيّة الحاضرةُ بشكلها المشوّه في قصّة قايين ونسله سبقَ الكاتبُ أنّ أشار إليها وحذّر منها في قصّة آدمَ، وذلك، بالتحديد، في أمره لآدَمَ، بعدَ أن أعطاه أن يأكلَ من شجر الحديقة التي غرسَها ووضعه فيها، ألاّ يمسّ شجرة معرفة الخير والشرّ ويأكلَ من ثمرها. رغم أنّ المفسّرين، ماضيًا وحاضرًا، يذهبون بهذه الآية وتفسيرها مذاهبَ كثيرة، إلاّ أنّها لا تُفهَم إلاّ ببساطتها: الفصلُ بين الخير والشرّ للربّ الإله وحده، لا لآدمَ، والطريقُ إلى شجرة الحياة، يسلكُه فقط سامعو وصايا الربّ والعاملون بها. هنا الربّ الإله يجلس على كرسيّ القضاء، وهو الذي يقضي بما هو شرّ وبما هو خيرٌ، وآدمُ، أي الانسانُ، ماثلٌ وجوبًا أمام الربّ القاضي يتعلّم منه ما هو خير وما هو شرّ ولا يقرّر هو في ذلك. حين يأكل آدمُ من الشجرة الممنوعة يكون قد أزاح الربّ عن عرش القضاء وجلس هو عليه، كما أشرنا أعلاه. وهذا بوضوحٍ إشارة إلى الملكيّة لكون القضاء يمثّل عمودها الفقريّ وقاعدتها. فما يتلفّظ به الملك من أحكام له قوّة الفصل، وفيه أمر بالموت أو أمرٌ بالبقاء في الحياة. وفي سفر التكوين أنّ الملك إنسانٌ، والانسانُ من غبارٍ وإلى الغبار. فلا قاضيَ حقيقيٌّ إلاّ الربّ الإله، ولا محيٍ ومميتٌ إلاّ مَن أعطى الانسانَ نسمةَ الحياة، ومن حَكَم عليه بالموت عقابًا بعد أن أهملَ الحياةَ التي أُعْطِيَهَا.

يستحيلُ الانسانُ بعد عصيانه هذا، من عريه الذي خلقه الله عليه، إلى كائن يحتاج إلى أقمصةٍ من جلد الحيوان ليحيا، وغدت “الأَدْمَةُ” أو “الأديمُ” (وهي الترجمة الأصحّ لعبارة أَدَمَاه العبريّة والتي تعرّب إلى “أرض” خطًا) التي أُخِذَ منها، وسُمّي على اسمها، منتجة للشوك والحسك، بعد أن كانت، كما يعني اسمها في اللغة، مفرِّعة للحياة ومنبتةً لها، بفعل المطر الذي يغدقه الربّ عليها.

مع آدمَ تستحيل الأَدْمَةُ موتًا، ومع قايين مكانًا للهروب والتيه، مسقيّة بدم البريء، وصارخة بالانتقام. ذلك هو السياق الذي يتحدّث فيه الكاتبُ عن الملك والملكيّة ومعناهما في تاريخ الناس. وما من شيء أشدّ تعبيرًا عن نظرته هذه ممّا يورده في تكوين 6: 1-5، حيث أقوياء الناس يرون أنفسهم ثمرة تزاوجِ الآلهة بالبشر، أي ينكرون أنّهم من غبارٍ أصلًا، وأنّهم لو لم يُعطَ آدم من الله ابنًا بدلَ هابيل، لما كانوا وُجِدوا. غير أنّ غيّهم هذا ملأ الأرض ظلمًا. هذا هو المشهد الذي يجعلنا الكاتب أمامه، ويجعلنا فيه أيضًا، فلا يُستثنى أحد، ولا حتّى القارئ أو السامع من أن يكونَ مشمولًا في كلام الكتاب عن الجبابرة الساقطين بأمر الربّ وحكمه، وبطوفانٍ أبديّ يرمزُ إلى أنّ البشرَ، ولو تعالوا، إلاّ أنّهم محكوم عليهم بالهلاك. هذا خيارهم حين ظَلَموا وسَحَقوا.

واللافتُ أنّ الكاتب، لكي ينشئَ هذا المسار، لا يبني على نسل قايين، فهذا ينتهي بلامِك ويتلاشى إلى غير رجعة في أوّل إصحاحات التكوين. بل يقول إنّ الله يقيمُ لآدمَ ابنًا بدل هابيل الذي قتله أخاه، واسمه “شيت” أي المـُقام” أو “الموضوع” من الله بدلًا عن أخيه. وحين يورد الكاتب ولادةَ ابنٍ لشيت، يقول “وحينئذٍ ابتُدِئَ أن يُدعى باسم الربّ” (تكوين 4: 26)، ليقيم بذلك تضادًا بين نسل قايين الساعي إلى إعلاء اسمه بالقتل والظلم، ونسل شيت الخاضعِ للربّ القاضي، وهذا ما تعنيه عبارة “الدعوة باسم الربّ”، أي بالاسم الوحيد ذي القيمة والحضور، فيما تغيب الأسماء كلّها وما تحملها من معاني القوّة والجبروت.

في هذا النسلِ المقام من الله لآدم، يأتي أخنوخ جديدٌ بدلَ أخنوخَ الذي بنى قايينُ المدينةَ وسمّاها باسمه. هذا هو الجيل السابع من آدم من خلال شيت، وعنه يقول الكتاب “إنّه سار مع الله ولم يوجد لأنّ الله أخذه” (تكوين 5: 24)، ويأتي أيضًا لامِك جديدٌ، يقرّ بخطيئة لامِك القديم وظلم أعمال يديه، “هذا يعزّينا من تعبنا وعمل أيدينا من قِبَل الأرض التي لعنها الربّ” (تكوين 5: 29). ويعيش هذا سبعماية وسبع وسبعين سنة في الاعتراف بالتمرّد ووعيه له، تقابلُ المرّات السبع التي يُنتَقَم فيها لقايين، والمرّات السبع والسبعين التي يُنتَقَم فيها للامِك (تكوين 4: 24). لامِكُ التائب إلى المنتهى يكون أبًا لنوح الذي به تأتي تعزية الربّ إذ يطيح في أيّامه بالبشر الذين ملأوا الأرض ظلمًا.

نفهم هذا حين ندرك أنّ نسل قايين هو اختصار لتاريخ الناس الحقيقيّ، ذلك التاريخ الذي يكتبه وقد كتبه فعلًا أقوياء الدهر، ليمجدّوا فيه قوّتهم، ويُعلون شأنهم، ويحفظون اسماءهم. أمّا نسل شيت فهو النسل غير الموجود في الواقع إلاّ في الكتاب. وفي الكتاب أيضًا أنّه لا يأتي إلاّ بكلمة الربّ. هو نتاج هذه الكلمة. وبه ستُستعلن.

“وخلق الله الانسانَ على صورته ومثاله”

نلاحظُ في الاصحاح الأوّل من سفر التكوين، وتحديدًا، في الفقرةِ الخاصّة بخلق الانسان (تكوين 1: 26-28)، أنّ كلام الكاتب عن خلق الله للانسان “على صورته، كمثاله” (تكوين 1: 26، 27) متّصلٌ، في موضعَين متوازيَين، بتسلّط الانسانِ “على سمك البحر وعلى طير السماء وعلى كلّ حيوان يدبّ على الأرض”.[15] ورغم التوازي بين آية 26 من جهة وآيات 27-28 من جهة أخرى، نلاحظُ أنّ ثمّة اختلافًا بين الصيغة التي يستعملها الكاتب في قرار الله بصنعِ الانسان (آية 26) والصيغة المستعملة في الكلام عن تنفيذ هذا القرار (آية 27). ويقومُ هذا الاختلاف على اختزال عبارة “مثال”[16] في الصيغة الثانية، والاكتفاء بتكرار عبارة “صورة” مرّتين في صيغة أدبيّة تضمينيّة تتوسّط فيها عبارة “صورة الله” التأليف، وتبدأ وتنتهي بخلق الله للانسان[17]، ما يضع توكيدًا كبيرًا على العنصر التأليفيّ الأوسط، أي أنّ الانسانَ إنّما خُلِق ليكون “صورةً”، أو “ظِلًا” – إذا ما شئنا الاستناد إلى اشتقاق الأصل العبريّ للعبارة[18] – لله الذي خلقه. هذا من جهة، أمّا التوازي ما بينَ آية 26 وآية 27-28، من حيث ورودُ القرار بخلق الانسان بتوازٍ مع تنفيذ هذا القرار متبوعًا في الحالتين بالكلام عن تسلّط الانسان على الطيور وما في البحار من كائناتٍ وعلى حيوان الأرض، فيوحي بارتباطٍ وثيقٍ ما بين الخلق على صورة الله، وبين هذا التسلّط. بناءً على صياغة هذه الآيات، وما سيرِدُ لاحقًا في الكتاب ممّا سوف نعرضه هنا، يمكن القولُ إنّ تحقّق كون الانسانِ صورةً أو ظلًا لله على الأرض، إنّما هو بالضبط في “إخضاع الانسان للأرض” وفي “تسلّطه على الحيوان”.

إنّ المصطلحات التي يستعملها الكاتب في كلامه هذا عن خلق الانسان هي مصطلحاتٌ ملكيّة: الصورة[19]، والمثال[20]، وكذلك فعلا “أخضع”[21] و”تسلّط”[22]، اللذين يُستعملان مرارًا في أسفار الكتاب ليفيدا سيطرةَ الملوكِ وسيادتهم على شعوبهم أو على الشعوب والأمم الأخرى.[23] إنّ الجمع، في هذه الفقرة، ما بين فعلين يتضمّنان مفهومَ القوّة واستعمالها في الحربِ مع عبارتين تدلّان على العلاقةَ ما بين الملك والإله، مقصودٌ، وله دلالاتُه الهامّة على مستوى فهم المنحى الذي سوف يتّخذه تأليفُ الرواية في أسفار الكتاب. فعلى المستوى المعنويّ، يفيدُ هذا الجمع ما بين هذه العبارات الأربع، أنّ تحقّق كونِ الملك هو صورة الإله، أو ظلّه، أو تمثاله، إنّما هو في فعلِ الحربِ واستعمال القوّة لكيما يبسط الملك سيطرته وحكمَه وسيادته على شعب أو شعوب. وعليه، فإنّ الكاتبَ لا يكتفي هنا باستعمال “الصورة” و”المثال”، اللتين تشيران إلى الملكِ، ولكنّه يربط ما بين استعمالهما، وتحقّق الملكيّة في الاخضاع والتسلّط بالحرب وبواسطة القوّة.[24] غير أنّ الكاتبَ يعطي هنا معنًى جديدًا خاصًّا به لـِ “التسلّط” و”الاخضاع” بالعلاقة مع “الصورة” و”المثال”، يختلف عن المعنى المعروف في السياقات الملكيّة.  ولاستشفاف هذا المعنى، لا بدّ من مواصلة قراءة الفقرة في آية 29-30، حيثُ الكلام عمّا يأمرُ الله الانسانَ بأن يأكله هو والحيوان.[25] بحسب هاتين الآيتين ينتفي قتل الانسان للحيوان بداعي الأكل، فهو لا يأكل إلاّ البقول والثمار. كما ينتفي افتراس الحيوان للانسان ولغيره من الحيوانات، وذلك لأنّه لا يأكل إلاّ عشب الأرض. وعليه، فإنّ تسلّط الانسان على الحيوان وإخضاعه ليس فيه عنف أو قتل، كما في مدلول العبارتين في استعمالهما في السياق الملكيّ، حيث ترتبطان، كما رأينا، بشكل وثيقٍ بالقتل في الحرب. تفسيري لهذا هو أنّ الكاتبَ يعبّر هنا، من خلال تغيير معنى العبارات وتوجيهها نحوَ مدلولات جديدة، عن موقف مناهض ليس فقط للملكيّة في مفهومها التاريخيّ، ولكن أيضًا، وبشكل خاصّ، لتجلّيها في القوّة والحرب، وتاليًا في أعمال العنف. في هذه المدلولاتِ الجديدة يتّخذ السلام بين الانسان والحيوانِ مكانةً هامّة.[26] يَتَماشى هذا التفسيرُ مع التوجّه العامّ لسائر روايات اللاحقة حيثُ تُدانُ الحربُ بصورة القتل وبذاتها، كما سوفَ نرى.

ولكن، يبقى السؤال، “ما الذي يعنيه إخضاعُ الحيوانات والتسلط عليها في هذا السياق، ولماذا تشديدُ الكاتب على العلاقة ما بين هذا وبين كونِ الانسان مخلوقًا على صورة الله ومثاله؟”. للاجابةِ على هذا السؤال لا بدّ من العودة إلى ثقافات الشرق القديم ومكانةِ الحيوان في الحضارات. لا مجال هنا للغوصٍ في هذا الموضوع تفصيلًا، غير أنّه يمكن القول إنّ الحيوان كان في الشرق القديم، ولا يزال إلى اليوم في كثير من السياقات، رمزًا للقوّة والبطش والبأس، وقد استُعمِلت صور حيوانات، ولا سيّما القويّة والمفترسة منها، لتمثيل هذه القوّة، وخصوصًا في تجلّيها الملكيّ والحربيّ.[27] بالمعنى المــُطلَق، نجدُ الانسانَ يصوّر بواسطةِ الحيوانات ما يَسعى إليه من قوّة كبيرة وسلطان، ليصير الحيوانُ هو المبتغى، وإنّ السعيَ إلى التمثّل به يراه الانسانُ سعيًا إلى سيطرته، وسلطانه، وتجسيدًا لقوّته وبأسه. يرفض كاتب التكوين هذا، ويقول إنّ الانسانَ لا يكونُ إنسانًا حينَ يصير مثالًا وصورةً لحيوانٍ، بل هو مثال الله وصورتُه متحقّقان، بالضبط، في إخضاع الحيوان والتسلّط عليه. وإذا صحّ أنّ الحيوان هنا هو ذاك الذي يسعى الانسان إلى تحقيقِه في ذاتِه في سعيه إلى القوّة بالحرب والقتل، فإنّ مفادَ ما يقولُه الكاتبُ، هو أن يُخضِع الانسانُ ذلك المسعى، تلك الحيوانيّة أو البهيميّة التي في ذاتِ الانسان فيحوّلها إلى سلام، ونظام، وتناغم، وحسن، على مثال خلقِ الله. على الانسان أن يقتحمَ العدائيّة في ذاتِه، وينتصر عليها، ويسحقها، ويحوّلها إلى سلامٍ. بهذا السلام، المتمثّل في تكوين 1: 29-30، في صورة اشتراك الانسان والحيوان معًا في تناول ما أنبته الله على الأرض طعامًا، بلا قتل ولا دم، تتحقّق ملكيّةُ الانسان، ويصير الانسان أهلًا لأن يمثّل الله في الحفاظ على حسنِ الخليقة وخيرها.

الاصحاح الأوّل من سفر التكوين، الذي يصوّر العالمَ كما يريدُه الله، وكما يراه حسنًا، خاليًا من الحرب، وخاليًا من العنف، وفيه الانسانُ يمثّل حضورَ الله في الكون، ولا يتحقّق هذا الحضور إلاّ إذا “تسلّط” و”أخضع” العدوانيّة التي فيه، وكلّ ميلٍ إلى اعتبار الآخرين فريسةً لكبريائه وتعظيمه لنفسه. هو صورة الله بقدر ما يحفظُ السلامَ الذي أودَعه الله في الكون في خلقه الحسن، وبقدر ما يشارِك المخلوقات الأخرى في نعم الحياة الممنوحة من الله، فلا يعتدي عليها، ولا تعتدي عليه.

غير أنّ هذه الدعوةَ الإلهيّة ليست من غير سندٍ وخلفيّة في النصّ نفسه. فقد سبق لله، في بداية خلقِه، أن هزمَ القوى العدوانيّة التي بسببها “كانت الأرض خربة خالية” (تكوين 1: 2)، والمتمثّلة بالظلمة المياه. لا يذكرُ النصّ الكثير عن فعل هذين العنصرَين المدّمر، ولكنْ ما يمكن قوله هو أنّهما معاديان للحياة. فالظلمة المتواصلة رمزٌ للموت، والمياه السحيقة صورة للدمار، لانعدام الحياة، واستحالتها. نحنُ إذًا أمام مشهد موتٍ ودمار ينسحبان على الأرض كلّها.

نجدُ أوضحَ تفسير لهذا الوضعُ في سفر إرميا 4: 23-31، حيث ترِدُ في مطلعه عبارة “تُوهُو وَبُوهو”[28] القليلة الاستعمال،[29] تمامًا كما ترد في تكوين 1: 2. يلفتنا في هذا المقطع من إرميا أنّه يعكسُ تمامًا رواية الخلق في تكوين 1؛ فيغيب النورُ (آية 23)، وينتفي الانسانُ والطير والحيوان (آية 25)، وتتحوّل الأرض النضرةُ إلى قفر (آية 6)، والأرض الحسنةُ تتحوّل إلى خراب (آية 27)، واللهُ الذي خلق النور في تكوين 1: 3، يأمر في نصّ إرميا بأن تنوحَ الأرضُ وتظلم السماوات (آية 28).

ما الذي أعاد الأرض إلى خرابها والسماوات إلى ظلمتها؟ هذا سؤال يسأله إرميا على لسان الربّ في السياق نفسه الذي يورِد فيه كلامه هذا (إرميا 5: 19-24)، “ويكون حين تقولون لماذا صنع الربّ إلهنا بنا كلّ هذا، تقول لهم…”، ويأتي الجواب في مقطع طويل يذكر فيه الربّ أنّه لعدم خشيته وتمرّد البشر عليه، وكبرياءهم، وعصيانَهم. ثمّ يوضح أعمالهم الناتجة عن عصيانهم وعدم خشيتهم للربّ، فيقول، “آثامكم عكست هذه، وخطاياكم منعت الخير عنكم. لأنّه وجِد في شعبي أشرار يرصدون كمنحنٍ من القانصين ينصبون أشراكًا، يمسكون الناس…، من أجل ذلك عظموا، استغنوا، سمِنوا، لمعوا، أيضًا تجاوزوا في أمور الشرّ، لم يقضوا في الدعوى، دعوى اليتيم، وقد نجحوا. وفي حقّ المساكين لم يقضوا. أفلأجل هذا لا أعاقب يقول الربّ…” (إرميا 5: 25-29). واضحٌ في هذا النصّ، أنّ الكاتبَ قصَد أن يبرز الخلقَ “معكوسًا”، وقد أشار قبل ذلك مباشرة إلى الخلقِ بصورة المياه التي جعل الله لها حدودًا حتّى لا تعودَ فتغطّي الأرض.[30] وواضحٌ أيضًا أنّ ما سبّب هذا هو آثام وخطايا الناس، وعلى رأسها إيذاء الآخرين، والعنف، وغياب العدل، وكلّ هذا متأصّلٌ في تعاظم البشر وكبريائهم، في أنانيّتهم، ووهمهم بأنّه بقوّتهم يحيون إلى الأبد. يسمّي الكاتبُ هذا “تجاوزًا في الشرّ”، أي فعلَ الشرّ إلى أقصى الحدود. ثمّ يعود إرميا فيعطي مزيدًا من الشرح لهذا مشدّدًا على القتل والعنف، وذلك في 7: 1-16، حيث يأتي سفك الدماء والظلم والعدوانيّة والقتل في مقدّمة الآثام التي يعدّدها إرميا على لسان الله، والتي لأجلها رفض الله أن يقدّم له الناس العبادة، ورفض الهياكل المبنيّة على اسمه.[31]

إنّ الاشارات في نصوص إرميا إلى تكوين 1، وخصوصًا إلى يومَي الخلق الأوّل والثاني اللذين فيهما غلب الله الظلمة، وسيطر على عدوانية المياه، لا يمكن أن تكون من قبيل المصادفة. بل على العكس، قصد الكاتب أن يدعو القارئ إلى فهم ما يقوله على أساس هذا الترابط بين كلامه وبين نصّ التكوين. وعلى هذا الأساس يمكن القول إنّ الظلمة التي غلبها الله بالنور هي عدم معرفته، وجهل كلمته، هي ما أسماه إرميا “الجهل وعدم الفهم” (إرميا 5: 21). أمّا المياه السحيقة فهي أعمال الشرّ الناتجة عن هذين الجهل وعدم الفهم، وعلى رأسها القتل وإراقة الدماء، وذلك لأنّ القتل والعنف والحرب هي التعابير الأوضح عن تعاظم الناس وكيفَ يعيشون كبرياءهم.

وهكذا تكونُ الظلمة والمياه هي صورة لهذه البهيميّة التي غلبها الله في الانسان وعلى الأرض، حتى تكونَ الأرض حسنة، ويعدّها لاستقبال الحياة التي لا يمكن لشيء أن يفنيها. وبهذا تتحقّق صورة الله في الانسان، إذ يصير الانسانُ، كالله، غالبًا لظلام الجهل بتعلّم الكلمة الإلهيّة، وعاملًا بها أعمال الخير والحُسن.

المدينة والحرب

لا تكتمل الصورة فيما يتعلّق بالنظرة التي تقدّمها الاصحاحات 1- 11 إلى العنف البشريّ من دونِ فهم المكانةِ التي تُعطى للمدينة باعتبارها الغايةَ التي يسعى البشرُ إلى تحقيقها، وتحقيق وجودهم من خلالها. في هذا الموضوع، تجدر الإشارة إلى ما يذكره نصّ إرميا الذي تحدّثنا عنه أعلاه في موضوع المدينة. في موضعَين يأتي الكاتب على ذكر المدنِ وهي منكوبة ومهدّمة (إرميا 4: 26 و29). في الموضع الأوّل[32] يَذكر النصّ أنّ “حمو غضب الربّ” هو الذي جعلَ المدن خرابًا. أمّا قوله “كلّ مدنها نُقِضَت من وجه الربّ”، فيوحي بصورة الله جالسًا على عرش القضاء، يقضي للمدن بالخراب، أو بصورةٍ مأخوذة من سياق الحرب، حيث الله يواجه المدن وينقضها، يتغلّب عليها. أمّا الموضع الثاني[33] ففيه يعلن الله إخلاء المدن من السكّان الذين يتركونها ويهربون إلى الغابات وصخور الجبال خوفًا من الحرب الآتية عليها، والتي الربّ محرّكها. بعد ذلك يُخاطبُ الربّ أورشليم فيدعوها “خربة”[34] باطلًا تجمّل نفسَها. فلن يكون حالُ أورشليم أفضل من أحوال المدن الأخرى، “تبسط يديها قائلة، ويلٌ لي لأنّ نفسي قد أُغمي عليها بسبب القاتلين” (إرميا 4: 31). في المقطع التالي مباشرةً، يوضح إرميا سببَ غضب الربّ وحكمه على مدينة أورشليم – ومن خلالها المدن الأخرى – بالخراب. غياب العدل والحق هو السبب،[35] وهذا يعيدنا إلى ما ذكرناه بتفصيل أعلاه.

ثمّة جوانب مهمّة في هذا الكلام تستحقّ التعمّق فيه للاحاطة بموضوع العنف كما يطرحه الكتاب المقدّس. من ناحية أولى، السبب الذي يعطيه إرميا لخراب المدن هو غياب العدل والحقّ فيها. ومن ناحية ثانية، تُخرَب المدن بالحرب التي جلبها الربّ عليها. ومن ناحية ثالثة هناك العلاقة بين المدينة والحرب. تقدّم الاصحاحات 1- 11 من سفر التكوين أساسًا لفهم هذا الجانب، وذلك من خلال ما تُلمِح إليه من جهة المدينة، بالعلاقة مع ما أوضحناه أعلاه في موضوع العنف والقتل. سأحاول فيما يلي أن أبيّن نظرة هذه الاصحاحات إلى موضوعنا، وذلك بالعودة إلى نصوص ناقشتها أعلاه، وأُعيد هنا قراءتها على ضوءٍ جديد متّصل.

المدينة وقايين

تُذكر المدينة للمرّة الأولى في الكتاب المقدّس في رواية قايين وهابيل. وشيئًا فشيئًا يتقدّم الكاتب في تأليفه نحو ما يرمي إليه. يشكّل نسب قايين (تكوين 4: 17-24)، في هذا السياق، محطّةً أساسيّةً في صوغ الإصحاحات 1- 11. ففيه يبرز الكاتبُ الاختلاف، لا بل التناقض بين ما أراده الله للإنسان وما يسعى إليه الإنسانُ نفسُه. فالسبيل الذي اختاره الإنسان يقوده بعيدًا عن الحديقة التي وضعه فيها الربّ الإله، حيث كلّ شيء مؤمّن له من دون اضطراره إلى العمل. في قصّة قايين نقرأ أنّه كان “عاملًا في الأرض”[36] (تكوين 4: 3)، تمامًا كما كانَ يُفتَرَض أن يكون أبوهُ قبلَه (تكوين 2: 5، 15). في هذا، قصدُ الكاتبِ أن يقولَ إنّ شغلَ الانسانِ الأوحدَ على وجه الأرض أن يزرع ويحصد، أي أن يسير في خطّ الحياة نفسه الذي رسَمَه الله في خلقه، حين جعل اليابسةَ تنبت ثمارًا وعشبًا للأكل للبشر والحيوان معًا، فيعمل للحياة لا للموت. غيرَ أنّ قايينَ توقّف عن أن يكونَ “عبدًا” في الأرضِ، أي عاملًا فيها مزارعًا، ليزرع فيها دمَ أخيه البريءَ. ولذا قالَ له الربّ، “ملعونٌ أنتَ من الأرض التي فتحت فاها لتأخذ دمَ أخيكَ من يدك” (تكوين 4: 11)، فيما كان قد قال لآدمَ، “ملعونةٌ الأرضُ بسببك” (تكوين 3: 17). وإذا كانت الأرض لم تعد تنبتُ لآدمَ إلاّ “الشوكَ والحسك”، فقايينُ طُرِد عن وجهها نهائيًّا، ومضى إلى أرض التيه والهروب. غيرَ أنّ قايين الهاربَ، يحاولُ هذه المرّة أن يهربَ من هروبِه، ويفرّ من عقابِه. يبني مدينةً (تكوين 4: 17) ظانًا أنّها ستكون المطرحَ الذي يجد فيه اطمئنانَه. هي غير الأرض التي طرده الربّ إليها. من صُنعه. عالمـُه كما يريده.

سبيل قايين العنفيّ يقوده إذًا إلى “المدينة” التي سوف تصير رمزًا لكبرياء الإنسان وتعاليه وسعيه إلى عزل الله عن عرشه والجلوس مكانه. إنّها المدينة الملكيّة، رمزُ النصرة والغلبة. هي التعبير الأكثر وضوحًا عن الانتصار في الحرب. هذه يبنيها قايين القاتل أخاه. وليس بالأمر العابر أن يقول الكاتب إنّ أوّل مدينة على الأرض بناها قاتل أخيه. هذا نقد للمدن التي قامت على جثث الناس المقتولين في الحروب، على مظلوميّة المساكين والضعفاء. فالكاتب يعرف أنّ المدينة لا يبنيها إلاّ الأقوياء، وفي ذهنه بابلُ، وقد قال عنها لاحقًا في هذه الإصحاحات، في تكوين 10: 9-10، إنّها ابتداء مملكة “الجبّار نمرود”، أي المحارب القويّ المتمرّد على الربّ والقاتل،[37] واسم “نمرود” يعني “نتمرّد” بصيغة المتكلّم الجمع، إشارةً إلى تمرّد الناس جميعهم على أمر الربّ بألاّ يتحاربوا.

المدينةُ في الكتاب، إذًا، منشأها وأصلُها القتلُ، قتلُ البريء. هكذا أراد الكاتبُ أن يقدّمها لنا في روايته، وما اعتدنا أن نراها هكذا فيما كتبه أسلافنا عن مدنهم، وفيما نكتبه نحن البشرَ، وفيما نقوله ونحياه. المدينةُ قمّة الإنجازات البشريّة. ومنها المدنيّة، أي العيش في المدينة في مختلف جوانبِه، وهي، في نظر الناس، مبتغى الوجود البشريّ. والمدينة مرتبطة بالملكيّة في الشرق القديم، وهي العالمُ الذي يخلقه الملكُ، أو كما تقولُ قصصُ الشعوب، هي العالم الذي يُخلَق للملك. فيها قصرُ الملك مركزًا للقوّة والسيادة، وهيكلُ الإله، علامةً على المصادقة الإلهيّة على سيادة الملك وقوّته. ما يلفتنا في كتاب التكوين، أنّ ما كتبه الشرقُ القديمُ تمجيدًا للمدينة وسيّدها، وما كتبه الأقوياء ولا يزالون عن مُدُنهم وسياساتها ومجدها ورسوخها وقوّتها وتسلّطها، يأتي في الكتاب تعبيرًا يبلغُ أوجَه في رواية بناء بابلَ وبرجها، وذلك في النهاية التي يضعها الكاتبُ لما بدأه قايين إذ “كان يبني مدينةً”، حيث يقول، “فكفّوا عن بنيان المدينة” (تكوين 11: 8). والمدينةُ التي كَفّوا عن بنيانها هي بابلُ، أي القوّة العظمى التي حكمت وتسلّطت على الأرض، وهكذا يراها قرّاء الكِتاب الأوائلِ. أمّا الكاتبُ فحوّلها في نظرهم إلى ذكرى لكبرياء فارغة، وعقاب الله بأن أعاد الناس الذين لجأوا إليها طلبًا “للاسم” والقوّة (تكوين 11: 4)، إلى مطارح الهروبِ، أي إلى حيث كان قايين قَبِلَ بناء مدينته. فما يجمع مدينة قايين ومدينة بابل أن الاثنتين بُنيَتا ليهرَب إليها بانوها من الارتحال، من الهروب. ويجمعهما أيضًا أنّ بانيهما يريدون منهما أن تكونا معبَرهم إلى السماء، أي إلى رفعتهم.

نرى هذا أيضًا في رغبة الناسِ الذين بنوا بابل في أن يبنوا برجًا “رأسُه في السماء” وأن يكون لهم في بنائها “إسم”ٌ. ويجمعهما، على الوجه الخصوص، أنهما تسقطان، في نهاية المطاف. تُبْطَل مدينةُ قايينَ، أخنوخُ، في أخنوخَ الجديد الذي يأتي هذه المرّة، لا من قايين، بل من شيت الذي أعطاه الله آدم (تكوين 5: 21-24). من جهة أخنوخ الثاني، يقول سفرُ التكوين عنه مرّتين إنّه “كان يسير مع الله” (تكوين 5: 22 و24)، أي يتنقّل معه كما تتنقّل الشاة مع الراعي. فحيث يكون الله هناك يكون أخنوخ، ولذلك “لم يوجد لأنّ الله أخذه” (تكوين 5: 24)، أي أنّك لا تجد أخنوخ في مكان معيّن. ليس له عنوان في مدينة، ولا بيت أو مسكن، أو متّكأ يسند إليه رأسه. مكانُه هو الله. وهو حيث الله. والله ليس في مكانٍ محدّد. والمقصود هنا أنّ الله ليس في مدينة، فما هو إله مدينةٍ كغيره من الآلهة. فلو كان كذلك، لما تحدّث الكاتب عن “سيرانه” أو “تنقّله”، وتنقّل أخنوخ معه.

أمّا بابلُ التي بناها الناسُ ليكونَ لهم “اسم” بها، أي صيت، ووجود أبديّ، فتتحوّل إلى بناءٍ هشّ، فيُبطِل الله بسببها اللغة ويبطِل، تاليًا، الأسماء. نفهم معنى هذا وعمق مدلولِه، إذا ما أخذنا في الاعتبار ما للاسم من أهمّية للمدن. لا مدينة من غير اسمٍ. ولا بانٍ أو بناةٍ لها من غير اسم. وغالبًا ما يرتبط اسم المدينة باسم بُناتها. قايين يُسمّي مدينته باسم أخنوخَ ابنه، غير أن الله يأخذ أخنوخ، ويعيد صنعَه، ويخرجه من المدينة ليسير معَه أنّى مضى. أمّا بابلُ فأرادَ بانوها أن يطلقوا عليها أسماءهم، وما استطاعوا، لأنّ الله أوقفَ بناءها، وأطلق عليها اسمًا للتعيير: بابلُ من الفعل العبريّ “بلال” ومعناه “بلّ”، أي رشّ الماء على الشيّ، أو وضعَه في الماء، ومدلولها في هذه الرواية أنّ الله سكب الماء على المدينة فتبلّل لَبِنُها الذي كان قد صنعه بانوها، وانهار. ومعناه أيضًا “بلبل” أي نشر الفوضى، وهذا المدلول هو الذي يبرزه الكاتبُ في نهاية القصّة.

لدينا إذا، في هذا السياق، حركتان: حركةٌ إلى المدينة يقومُ بها قايينُ وأهلُ بابلَ، وحركةٌ خارجَها، في الأرض التي خلَقها الربّ، يقومُ بها أخنوخ. وتختصر هاتان الحركتان ما يعلّمه الكتابُ. فمقابلَ قايين وأهل بابلَ، نجد أخنوخَ السائر مع الله أنّى ذهب. وقبلَه هابيلُ الراعي، أي المتنقّل، وبعد سقوط بابلَ يأتي نسلُ “سام” ابن نوح المكوّن كلّه من رعاة، وعلى رأسهم إبراهيم الذي تختصرُ قصّتـه تلك الحركة التي رأيناها في قصص البداية. هابيلُ راعٍ مكانه الحقلُ، أرض الله. معنى اسمه الهباء والباطل، أي اللاموجود. يختارُ الله تقدمته. وفي قبول الله تقدمة هابيلَ يكشف لنا كاتب التكوين أنّ تفضيله إنّما هو للتنقّل ولعدم الثبات في مكان لئلّا تكونَ المدينةُ ويكونَ فكرُها وأساليبها. أمّا إبراهيمُ فيُخرجه الله من المدينة، إلى أرض سوف يعيش فيها راعيًا، هو وابنه، وابن ابنه، ونسله إلى المنتهى. ومن هناك يدين الله مصرَ، ويسقط سادوم وعامورة، وبعد ذلك مدن الكنعانيين، وفي نهاية المطاف يُسقِط أورشليم نفسها، المدينة التي جُعِلَت على اسمه.

إذا ما نظرنا، في هذا السياق نفسه، إلى نوحَ وأبنائه، ومدلولات قصّتهم، نجد أنّها واحدٌ من المداميك الأساسيّة للقصّة الكتابيّة، وتأتي في الخطّ عينه الذي أحاول أن أبرزَه هنا. يافث هو الأصغرُ، واسمه مشتقّ من فعل “فَتَح” في العبريّة، وهذا الاشتقاق يُشار إليه في قوله، “ليفتحِ الله ليافث فيسكن في مساكن سام” (تكوين 9: 27). أمّا اسم الابن الأوسطِ فهو حام، ويعني “الغضب” و”السخط”. والابنُ الأكبرُ اسمه “سام” ومعناه في العبريّة “اسم”، وتاليًا لا اسمَ لسام، بل ينتظر اسمًا من الله. لعبةُ الأسماء هذه نراها بوضوح في مواليد كلّ من الثلاثة. ففي حين يضعُ الكاتبُ في خانة يافث أسماءَ غريبة، هي أسماء مناطق بعيدة غير معروفة، ولا تلعب دورًا يُذكَر في رواية الكتاب، نرى أنّ مواليد حام هم الأمم المعروفة والتي سيكون لها دورٌ محوريّ في القصّة، ومنها كوش، وبابل، وأشّور، ومصرَ، ونينوى المدينة الكبيرة، ومصر، وفلستيا، وكنعان، وصيدون، وسادوم، وعاموره. كلّ هذه الأسماء من حام الغضوب والساخط، الذي يرى عورة أبيه، والذي تأتي على ابنه كنعانَ لعنةُ أبيه (تكوين 9: 25). بين مواليد يافث ومواليد حام تختلف مدلولات الأسماء. فإذا كانت الأسماء تشير إلى البعد والغرابة في يافث، نراها تشير في حام إلى مدنٍ معروفة وحضارات في التاريخ. ولا يأتي ذكرُ المدينة إلاّ في نسل حام، وهذا مهمّ إذا ما أخذنا في الاعتبار ما أوردته أعلاه عن المدينة.

أمّا مواليد سام، فتتّصل أسماؤهم كلّها بمعانٍ من حياة الرعي والتنقّل والبداوة. واللافتُ أنّه لا يبقى من أبناء نوح بعد سقوط بابل وتبديد الناس على وجه الأرض، إلاّ سام ونسله. فيُدرِج الكاتب، مرّة أخرى، سام ومواليدَه بتفصيل بعد قصّة بابل، ويعدّد أبناءه ليصل إلى إبراهيم، ومن هناك تنطلق القصّة الأطول التي سوف تأخذ إبراهيم من المدينة إلى برّية الله وكذلك نسله، إلى أن يستعلن الربّ بكلمته في البرّية ويجعلها مكانًا لظهوره وحضوره.

تسقط إذًا المدينة التي على أسماء الناس، وترتفع البرّية، برّية الله. والساكنون في المدن، أي الملتجئون إليها، وتاليًا، إلى قوّة وكبرياء وتعالٍ، يتبدّدون، أمّا المتنقّلون على وجه الأرض بمعيّة الله فيأتي عليهم الوعد بالبركات. لا نفهم هذا إلاّ إذا عرفنا أنّ الأصل العبريّ لعبارة “البرّية” هو “مِدبار” وهو مشتقّ من عبارة “دبار” وتعني “الكلمة”، كلمة الله. في البريّة “مِدْبَار” يعلن الله كلمته “دَبَار”.

مدلولات كلّ هذه الروايات إذًا تصبّ في مكانٍ واحد: اللجوء إلى المدينة يعني الابتعاد عن الله الذي خلق السماوات والأرض، وهذا الابتعاد يُترجَم في آدم اغتصابًا للسلطان، وفي قايين ونسله قتلًا بلا حدود. أمّا المضيّ معه إلى البرّية فهو لاتّباع كلمته، وتحديدًا لبصق ثمرة معرفة الخير والشرّ التي كان آدم قد ابتلعها، وابتلاع كلمات الله الداعية لا إلى قتلِ الأخ، بل إلى محبّته حتى الموت.

في هذا السياق يقدّم الكاتبُ المدينة الأولى، وفي السياق عينه يأتي إلى بابل، كبرى المدائن. المدينتان بناهما قاتلون، محاربون. والمدينتان أسقطهما الله. واحدةٌ أسقطها بعدم استجابته لسؤالها، وما أبقى على ما أنجزته، فلا نعرف عنها شيئًا سوى أنّ اكتمال تاريخها كان في لامِك القاتل أضعافًا. وتسقط الثانية في أنّ الله بدّل معناها. فمن “باب الله”[38] تغدو صورةً للبلبلة، أو للابتلال بالماء،[39] أي للسقوط والانهيار والزوال.

المدينة والطوفان

هذا الزوال بالماء، بالابتلال، يتناوله الكاتب في المقطع الأطول في تكوين 1- 11، حيث يعالجُ موضوَعه من زاوية أخرى في رواية أبناء الآلهة وبنات الناس والطوفان (تكوين 6: 1- 9: 28)، وفي هذه الرواية، كما سوف نرى، تأخذ الحرب مكانة مركزيّة. في هذا المقطع الطويل تلعب الآيات 6: 1-6 دورًا أساسيًّا. إنّها قراءة للكاتب في فكر الانسان. أبناءُ الآلهة هم الذين يتحدّثون عن ذواتهم أنّهم من الآلهة، لا من البشر. أولئك الذين وضعوا قصصهم وتاريخهم وأساطيرهم على نحو يمجّدهم، ويجعلهم أرفع من سائر الناس. من بنات الناس، أي ممّن تسلّطوا عليهم، وظلموهم، وسادوا عليهم، ينجبون “الجبابرة”، أي المحاربين، هم الذين يدّعون أنّهم “أبناء الله”[40]. بهذه الآيات القليلة يقول الكاتب إنّ الاحتراب بين الناس مردّه ادّعاؤهم أنّهم آلهة، ظلمُهم، قهرُهم، تسلّطهم على بعضهم بعضًا. ويسمّي هذا شرًّا، زيغانًا، ويسمّي منجبي الجبابرة “نيفيليم”، أي “ساقطين” (تكوين 6: 4). وبسبب هذا يقرّر الله أن يمحو عن الأرض الانسان الذي خلقه (تكوين 6: 5-6). لا يستأهل الانسانُ الأرضَ وحسنَها. أساء إلى خلق الله بكبريائه الذي أوصله إلى الاحتراب، وبما في قلبه من عداوة تجاه الآخرين مهما كانوا.

ولا يبقى في الأرض إلاّ مَن اختارَ أن يكون بارًّا، أي أن يسلك بحسب ما أراده الربّ. هذا يمثّله نوح، ومعنى اسمه الراحة. إنّها راحة الإنسان التي منحها الربّ له وهو بعد لم يتمرّد: راحته من تاريخه الذي صنعه بالموت والقتل، وراحته من الشرّ الذي صنع. به أيضًا يخلّص الله الحيوانات، وبهذا تتساوى مع نوح وأبنائه[41].

تنتهي قصّة الطوفان في تكوين 9: 1-6 بعهد وكلام لله مبنيّ على ما أعدّ له الكاتبُ في الإصحاحات السابقة؛ القتلُ ممنوع. ممنوعٌ أن يقتل الحيوانُ الانسانَ، وممنوع أن يقتل الانسانُ الانسانَ، “وأنا أطلب دمكم لأنفسكم فقط. من يد كلّ حيوان أطلبه. من يد الإنسان أطلب نفس الإنسان. من يد الإنسان أخيه. سافك دم الإنسان بالإنسان يُسفَك دمُه”. إنّ الربط في هذا الكلام بين قتل الحيوان للإنسان وقتل الإنسان للإنسان يعني أنّ القتل إنّما هو حيوانيّ الطبيعة. يُعاقَب عليه الإنسان بسبب الحيوان الذي فيه، والذي أخضع نفسَه له. غير أنّ الإنسان بما فعله في آدم، وقايين، ولامِك، وأبناء الآلهة، ونمرود، وغيرهم، أساء إلى أمر الله بالتسلّط على الحيوان بسلام ورعاية. ولذا سيبقى قتلُ الحيوان (تكوين 9: 3)، تمامًا، كما أقمصة الجلد في قصّة آدم، علامةً على الخطيئة التي ارتكبها الإنسان، إلى أن يتحقّق خلاص الله، فينجّي الأرضَ من القتل، ويعمّ فيها سلامُه الأبديّ.

في المواضع التي حاولنا الاضاءة عليها أعلاه يأتي القتل والعنف في صورة الحرب أو الحرب في صورة القتل والعنف في صميم نظرة الكتاب إلى معنى الوجود البشريّ. وأساسُ هذه النظرة أنّ الإنسانَ خلَقه الله ليحفظَ الأرض وما فيها ويبقيها على الحسن والنظام اللذين جعلها الله عليهما. وإنّ حفظ الخليقة يكون بأن تبقى الأرض للإنسان مصدرًا للطعام، أي للحياة، ويبقى الحيوان رفيقًا. غير أنّ الأرض إذا ما تحوّلت من مطارح للزرع إلى ميادين للاحتراب، والحيوان من رفيق إلى عدوّ مرهوب وصورة للكبرياء والقوّة، يكون الإنسان قد خالف الدعوة الأولى، وهذا ما يقول الكاتب، ابتداءً من تكوين 3، إنّه واقعُ الحال. ولكنّه، بموازاة تصويره لتاريخ الناس الدمويّ، يتركُ خطًّا مفتوحًا في اتّجاه الفعل الإلهيّ الخلاصيّ. فبالإبن الذي يُحلّه محلّ هابيل الذي قتله أخاه[42] يفتتح الكتاب سبيلًا بديلًا عن تاريخ البشر المصنوع بالقتل والحرب (تكوين 4: 25-26). بداية هذا الطريق هي الدعوة باسم الربّ (تكوين 4: 26)، والتي بها وحدها يصير الإنسان صورةً أمينةً للربّ. وهذا السبيل هو الوحيد الذي يعطي الرجاءَ في أن يتحوّل تاريخ الناس من تاريخ على صورة لامِك القاتل إلى تاريخ على صورة أخنوخ السائر مع الله، ولامِك التائب، ونوح البارّ (تكوين 5).

يوسفُ الذي على صورة الله ومثاله

قصّة يوسف هي الأطولُ بين قصص التكوين. بدايتها غريبةٌ ومفاجِئة، لكونها تُستَهَلّ بعنوان يوحي للقارئ (أو السامعِ) بأنّها تعداد لمواليد يعقوب، وتختصّ، من ثَمَّ، بيعقوب. يبدأُها الكاتب بقوله “هذه مواليد يعقوب”، وهي الصيغةُ التي يكرّرها في غير موقع في سفر التكوين ليقدّم لائحة بمواليد الأشخاص الذين تحمل أسماءهم (آدم، نوح، سام، إبراهيم، إسماعيل، عيسو، وخصوصًا “السماوات والأرض” في تكوين 2: 4). ولئن كانت هذه الصيغة تأتي، في هذه المواقعِ كلّها، متبُوعةً بتعداد للمواليد، إلاّ أنّها، في حالة يعقوب، تقتصر على اسم واحد فقط، هو يوسف، الذي تبدأ قصّته كالآتي: “هذه مواليد يعقوب: كان ابنُه يوسفُ ابنَ سبع عشرة سنة، وكان يرعى الغنم مع إخوته” (تكوين 37: 2). وتفسير هذا أنّ الكاتبَ أرادَ أن يجعل من قصّة يوسف، بدءًا من محاولة إخوتِه قتلَه، إلى بيعه إلى الاسماعيليّين فالمصريّين، فالمجاعة وذهاب إخوته وأبيه إلى مصر وما يتلو هذا، المضمونَ الحقيقيّ لقصّة يعقوب. بمعنى أنّ قصّة يوسف تأتي تحقيقًا لقصّة يعقوب وتكميلًا لها. ولهذا الأمر ما يدعمُه، وله تبعاتٌ أساسيّة على فهمِنا لمسار الرواية الكتابيّة وموقعِ كلّ من أجزائها ووظيفة شخصيّاتها.

وتأتي رواية اضطهاد يوسفَ على يد إخوته الذين يمثّلون الأسباط التي سوف تلعب، في ما بعد، في سفر الخروج وما يليه، دورًا محوريًّا، لتجعل من يوسفَ وجهًا يتميّز عن إخوته. ويعبّر الكاتبُ عن هذا التمييز الواضح، قبيل نهاية سفر التكوين، حين يجعل على لسان يعقوب كلامًا نبويًّا، يختصّ بكلّ من أبنائه (تكوين 49). ففي حين أنّ معظم الكلام الذي يتفوّه به يعقوب على أبنائه الآخرين يأتي سلبيًّا، بحيث لا يُترَك أيّ منهم من غير نقد وتوبيخ، يتميّز كلامُه على يوسفَ بأنّه يجعل منه الوحيدَ بينهم الذي ينال البركة الإلهيّة، بركةَ الاثمار ونجاح الزرعِ، “يوسفُ غصن شجرة مثمرة على عينٍ، أغصان قد ارتفعت فوق سور. فمرّرته ورمته واضطهدته أرباب السهام. ولكن ثبتت بمتانة قوسُه، وتشدّدت سواعدُ يديه. من يدَي عزيز يعقوب، من هناك، من الراعي، صخرِ إسرائيل. من إله أبيك الذين يعينك، ومن القادرِ على كلّ شيء الذي يباركك. بركاتُ السماء من فوق، وبركات الغمر الرابض تحت…” (تكوين 49: 22-26).

نلاحظُ في هذا المقطع عدّة أمور تشير إلى أهمّية يوسفَ بالنسبة إلى الكاتب. أوّلها أنّه يُبرِزه بكونه المضطَهَد والمرذول الذي يقومُ عليه أهل السلاح، أي الذين يشنّون الحروبَ ويَقتلون، والمتمرّسون في إراقة الدماء والقضاء على الضعفاء. غير أنّ هؤلاء لا يقدرون عليه، لأنّ “عزيز يعقوب، وصخر إسرائيل” هو الذي شدّده. هذا موضوع في غاية الأهمّية، وخطّ أساسيّ في الكتاب، يبدأ مع قايين القويّ الذي يقتل أخاه الضعيفَ، ونراه بارزًا في غير موقعٍ، لا سيّما في وجه “عبد الربّ” في إشعيا، ليبلغَ أوجَ تعبيره في يسوعَ المصلوب. غير أنّ قوّة الربّ، في هذا كلّه، هي التي ترفعُ الضعيفَ، ليسقطَ القويّ سقوطًا كبيرًا. وتجدرُ الاشارة في هذا السياق إلى أنّ سفرَ المزامير مبنيّ على هذه الفكرةِ، فمسيحُ الله فيه، هو الذي قامت عليه ملوك الأرض وأممها. غير أنّ الله يرفعه وينتصر له، ويجعله رئيسًا على جميع الأمم، وعلى الأرض كلّها، لتصير الشعوب التي نصبت العداء له، شعوبًا تسير وراءه، وتسعى مسعاه، وتتّجه معه نحوَ هيكل الربّ حيث الخليقة كلّها ترفع ترنيمها مجتمعةً وهو في وسطها، إلى الله خالق الكلّ. وعليه، قناعتي أنّ هذه الفكرة التي تشكّل الخيطَ الأحمر في الكتاب، أي التي تتخلّله وتعطي روايته معناها، تبدأ هنا، في سفر التكوين، وتتبلور في رواية يوسف.

والشموليّة التي نجدها في كلامِ بولس عن يسوعَ الذي مات على الصليب لأجل الخليقة كلّها، والذي أقامَه الله من الأموات مبرزًا إيّاه سيّدًا على الجميع، والشموليّة التي نستشفّها في سفر المزامير، في الإطار عينه، نجدها أيضًا هنا، في كلام يعقوب على يوسف. فالذين يسمّيهم الكاتبُ “أرباب السهام” أي مضطهديه، لا يحدّدهم بأيّ فئة معيّنة من الناس؛ يمثّلون كلَّ مَن يحمل سلاحًا ليقتل. يسمّيهم في الأصل العبريّ “بَعَليم”، مستعملًا الاسمَ الذي يشير إلى الآلهة في الشرق الأدنى القديم. هذا الربطُ بين “البعليم” وبين السلاح نجده أيضًا في صورة قوّية لدى هوشع النبيّ، في الكلام الإلهيّ حولَ الخلاص الذي سيعطيه الله في آخر الأيّام حيث يقول، “وأنزع أسماء البعليم من فمها [الزوجة التي تمثّل الشعب] فلا تُذكر أيضًا بأسمائها، وأقطع لهم عهدًا، في ذلك اليوم، مع حيوان البرّية وطيور السماء ودبّابات الأرض، وأكسر القوس والسيف والحرب من الأرض، وأجعلهم يضطجعون آمنين” (هوشع 2: 17-18). بحسب هذا النصّ، فإنّ يومَ خلاص الربّ يشهد على سقوط “البعليم”، أي السادة أو الأرباب، وسقوط السلاح والحرب معهم. ونلاحظ هنا أيضًا، عند هوشع النبيّ، هذه الشموليّة التي يتميّز بها هذا اليوم، والمعبّر عنها باستعمال عبارات تأتي في رواية الخلق في تكوين 1، “حيوان البرّية وطيور السماء ودبّابات الأرض”، الذين سيقطع الله معهم عهدًا للناس، يعيدُ إلى الخليقة حسنها المذكور في تكوين 1، حيث لا يكون تسلّط الانسان على هذه الحيوانات بالدم والقتل، بل باشتراكه معها في طعام واحد، وهو ما أعطاه له ولها الإله الخالق (تكوين 1: 28-29).

 بالإضافة إلى موضوع المضطَهَد والمرذول الذي يخلّصه الله، ويُسقِط مضطهِديه أمامَه، يتميّز هذا النصّ من سفر التكوين، والذي يلقي أضواء كثيرة على قصّة يوسفَ مرشِدًا إلى كيفيّة فهمها وقراءتها، بكونِه يذكر مفرداتٍ وينسبها إلى يوسف، تأتي في سياق الكلام عن خلقِ الانسان في تكوين 1. أهمّ هذه المفردات، إلى جانبِ عبارتي “السماوات” و”الغمر” (تكوين 49: 25)، المستعملتين في تكوين 1: 1-4، والمتّصلتين بالمطر والمياه التي يحوّلها الله بخلقه من قوّة قاتلة إلى مكان يعجّ بالحياة، نشير، بشكل خاصّ، إلى مفردتي “الاثمار” (تكوين 49: 22)، و”البركة” (تكوين 49: 25). تجتمع هاتان المفردتان في آيتين ترِدان في قصّة الخلق، تأتي أولاهُما بعد خلق الأسماك والطيور في اليوم الخامس، “وباركها الله قائلًا اثمري واكثري…” (تكوين 1: 22)، وتأتي الثانية بعد خلق الحيوانات والانسان في اليوم السادس، “وباركهم الله وقال اثمروا واكثروا واملأوا الأرض…” (تكوين 1: 28). في حين أنّ الأولى تخاطِب الأسماك والطيور، يخاطب الله في الآية الثانية الانسان الذي يقول النصّ إنّه خلقه “على صورته” (تكوين 1: 27). نلاحظُ أنّه، في ما يلي من روايات، لا يأتي الكلام عن البركة والاثمار إلاّ في وعد الله لإبراهيم بأن يباركه (تكوين 12: 2-3) ويثمره (تكوين 17: 6)، وفي كلام إسحق إلى ابنه يعقوب (تكوين 28: 1-4)، وفي كلام يعقوب على ابنه يوسف موضوع حديثنا.

والحقيقة أنّ صورة الاثمار حاضرة بقوّة في قصّة يوسف. فالجذر العبريّ لعبارة الاثمار (فَ رَ ا) متّصل بشكل وثيق بيوسف، من خلال أمّه التي تُدفَن، بعد موتها، على الطريق المؤدّية إلى “إفراتا” المشتقّة من الجذر عينه (تكوين 35: 16-20)، وابنه الذي يسمّيه “إفرايم” وهو اسم يعني “أثمر مرّتين” (تكوين 41: 52)، ويشير يوسفُ، عندما أطلق هذا الاسم على ابنه الثاني، إلى الاثمار الذي منحه إيّاه الله، “ودعا اسم الثاني إفرايم، لأنّ الله جعلني مثمرًا في أرض مذلّتي”.

وتأتي قناعتي بأنّ الكاتبَ قصَد أن يقيم هذا الربطَ اللفظيّ بين الاثمار، واسم ابن يوسفَ ومكان دفن أمّه راحيل، من كونِه يجمع بين هذه العناصر كلّها في فقرةٍ واحدة، يتحدّث فيها عن طلب يعقوب له أن يتبنّى ابنيه (تكوين 48: 3-7). ففيها يخبرُ يعقوبُ يوسفَ عن ظهور الرب له، ووعده له بالبركة والاثمار، جامعًا في كلامه هذا بين ما قاله له أبوه إسحق (تكوين 28: 1-4)، وبين كلام الربّ إليه في لُوز (تكوين 35: 9-15). المهمّ في هذه الفقرة أنّ الكاتبَ يصوغ روايته على نحوٍ يوحي بأنّ وعدَ الله ليعقوب بالاثمارِ، يتحقّق بتبنّي ابنَي يوسف، منسّى وإفرايم. ويتّخذ إفرايم في هذا السياق أهمّية أكبر لكونِه، مع أنّه ثاني الابنين، ينال من يعقوب بركة البكر، ليصير هو بكرَ يعقوب متقدّمًا حتّى على ابنه البكر رأوبين. إذا أخذنا هذا التفصيل المهمّ في الاعتبار، يمكننا القول إنّ ما قصد الكاتبُ أن يقوله هو أنّ الوعدَ ليعقوب بالبركة وبأنّه سوف يثمر، يتحقّق هنا بتبنّيه ابنَي يوسفَ، وبجعله الابن الثاني الذي يرتبط اسمه بالاثمار الذي منحه الله ليوسفَ في “أرض المذلّة”، أي في الأرض التي أتى إليها مضطهَدًا ومرذولًا وعبدًا، ابنًا له بكرًا يتقدّم على جميع الابناء. وما الاشارة في الفقرة عينها إلى رواية دفن راحيل، أمّ يوسفَ التي أحبّها يعقوب، على طريق إفراتا، سوى تأكيد على أنّها أتمّت وظيفتها، وأنّ يعقوب، من خلال الابن المولود منها، أي يوسف، بلغ وعدَ الله بالاثمار، عن طريق تبنّي ابنه “أفرايم” بكرًا له.

بهذا يكون يوسفُ هو الذي تحقّق فيه وعدُ الله لإبراهيم وإسحقَ ويعقوب بالكثرة والاثمار والبركة. وعليه، تكون قصّة يوسفَ، على هذا الأساس، فريدةً في معناها ومضمونها. ويعبّر عن هذه الفرادة أنّ يوسفَ غير محسوب ضمن الأسباط، بل يحلّ ابناه مكانَه في تعداد الأسباط الاثني عشر. مع هذا، لا يُثمر يعقوب إلاّ به، ما يجعله رديفًا لابناء يعقوبَ جميعًا. وهذا ما عبّر عنه الكاتب في رواية حسدهم وغيرتهم منه، إذ قصدوا أن يقصوه لأنّ أباه أحبّه أكثر من الجميع. غير أنّ إقصاءهم له كان هو الطريق إلى تحقّق فرادته. إذ جعل الله من المقصيّ المحبوب مثالًا لبنوّة يعقوب، لا بل تحقيقًا لهذه البنوّة. وفي رواية يوسفَ تفاصيل كثيرة تشير جميعها في هذا الاتّجاه. أذكر منها، بشكل خاصّ، قلبَ الرواية المتمثّل في أنّ يوسفَ استطاع أن يقهر سني الجوع السبع بكونه عمل على أن تثمرَ الأرض على نحو تمكّن به، ليس فقط سكّان مصرَ، ولكن سكّان الأرض كلها، أن يحيوا.

في موقع في غاية الأهمّية، يقول الكاتبُ عن يوسفَ إنّه، للتغلّب على سني الجوع، أعطى الناس بذارًا للزرع، قائلًا لهم، “هوذا لكم بذار فتزرعون الأرض. ويكون عند الغلّة أنّكم تعطون خمسًا لفرعون. والأربعة الأجزاء تكون لكم بذارًا للحقل، وطعامًا لكم ولكلّ ما في بيتكم، وطعامًا لأولادكم. فقالوا أحييتنا” (تكوين 47: 24-25). يذكّر هذا النصّ بقصّة الخلق، وبتكاثر النبات من خلال البذور، بأمر الله، لاستمرار الحياة. يوسف هنا يحقّق في ما فعلَ دعوة الله للعشب والشجر بأن يخرج بذرًا وأن تكون في البذور دورات حياة دائمة، لكونه سيكون هو طعام الانسان والحيوان، كما في تكوين 1: 28-29، وكما في كلام يوسف إلى الناس هنا. يأمرهم أن يزرعوا الأرض كلّها، وأن يأكلوا منها ويطعموا ما في بيوتهم، أي حيواناتهم. قول الناس “إنّك أحييتنا”، اعتراف منهم، وتأكيد من الكاتب أنّ يوسفَ هو الذي به جعل الله الحياة للناس ممكنةً، ليعقوب أبيه وإخوته، وللمصرييّن، ولسكّان الأرض.

هذه الشموليّة التي تطبع هذه الفقرة تتّفق والشموليّة التي أشرنا إليها أعلاه في كلام يعقوب عليه، وتتناغم مع شموليّة قصّة الخلق في سبعة أيّام. هل يمكننا القولُ إنّ يوسف هو الانسان الذي هو على صورة الله؟ كونُه جعل من توزيع البذور على سكّان الأرض ليزرعوا ويأكلوا هم وحيواناتهم، وكونُ سفرِ التكوين ينتهي به، وبالبركة والاثمار الممنوحين من الله من وسع سماواته وبحاره، يجعل من هذا التفسير ممكنًا، لا بل ضروريًّا؛ يبدأ الكتاب بخلق الله للأرض والحياة عليها على نحو منسّقٍ ومنظّم، وينتهي بيوسف الذي كان أساسًا في عودة الانتظام إلى الأرض وبانبعاث الحياة فيها من جديد. تنتهي القصّة ويوسف من غير أولاد ومن غير زوجة وقد مات. ولكنّ الاثمار الذي يحمله والبركات التي فاقت بركات إبراهيم وإسحق ويعقوب تبقى له.

ليس من قبيل المصادفة أن يبني متّى بدايةَ إنجيله على نحوٍ يبرز يوسف. فالانجيل الذي يبدأ بعبارة أساسيّة مأخوذة من سفر التكوين “كتاب مواليد يسوع المسيح ابن إبراهيم…” (متّى 1: 1)، الشبيهة بتكوين 5: 1، “كتاب مواليد آدم…”، في تعداد نسب يسوع، يكرّر ذكر اسم يعقوبَ مرّتين: مرّةً مع يهوذا وإخوته (متى 1: 2)، أي مع مَن قصدوا أن يقتلوا يوسف وينبذوه مقصين إيّاه، ومرّة مع يوسف (متّى 1: 16)، مباشرةً قبل الكلام عن ولادة يسوع المسيح من مريم. يصل متّى بشكل رائعٍ ما بين يوسفَ ويسوع. يحلّه محلّ يهوذا وإخوته، ويجعله رجل المرأة التي وُلِد منها يسوع. من جهة يكسر متّى اتّصال يسوع بالنسب، ومن جهة أخرى يجعل من يوسف ذاك الذي يحيط بيسوع وأمّه، وينطلق بهما إلى مصر إحياءً لهما، كما انطلق يوسف بإخوته وأبيه إلى مصر نفسها إحياءً لهم. يختفي يوسف كلّيًّا في إنجيل متّى بعد هذا، ليبرز يسوعُ، الثمرة التي بها كان الخلاص للعالم. هذه الصلة تأتي لتحقّق كلام يعقوب على يوسف. يوسف المثمر، والحامل كلّ البركات إلى الأمم والشعوب، يتحقّق في وجه يسوع المسيح، الثمرة والبركة المعطاة لجميع الشعوب.

في نهاية سفر التكوين يعود بنا الكاتب مع أبناء يعقوب، أسباط إسرائيل، إلى بداية التكوين وموضوعه هذا. في مقطع يروي ما يتنبّأ به يعقوب عن أبنائه قبل موته،[43] يلفتنا كيف أنّه لا يستثني من توبيخه إلاّ يوسف بلغة تستعيد ما أضأنا عليه أعلاه. فعن شمعون ولاوي يقول إنّهما مكروهان لأنّهما قاتلان وظالمان (تكوين 49: 5). ويشبّه يهوذا بـِ”أسد رابض” (آية 9)، ويسّاكر بالحمار (آية 14)، ودانًا بالحيّة (آية 17)، وجادًا بالثور (آية 19)، ونفتالي بالأيّلة المسيّبة (آية 20)، وبنيامين بالذئب المفترس (آية 27). من بين هذه التشبيهات نشير إلى يهوذا والكلام عنه كأسد رابض، ذلك أنّ يهوذا هو السبط الملكيّ، والذي سيحمل المتحدّرون منه ذنبَ عقاب الربّ على تمرّدهم وخيانتهم له.[44] يبقى يوسف الذي يشبّهه الكاتب على لسان يعقوب بالشجرة المثمرة،[45] وبالراعي،[46] وبمَن قام عليه أقوياء الأرض ليضربوه ويسحقوه. هذا الذي اضطهده الأقوياء هو الوحيد بين أبناء يعقوب الذي تأتي عليه بركات الله (آيات 22- 26). وما مِن شكّ في أنّ هذا مردّه محبّة يوسف وتسامحه والخلاص الذي أعطاه للعالم، لا بالحرب والمركبات، بل بزراعة الأرض وتوزيع خيراتها على مَن يحتاجون إليها، أي كونه حقّق أمر الله الأوّل للإنسان بحفظ الأرض. يتسلّط يوسف على الحيوان الرابض ويدوس عليه،[47] ولا يتسلّط عليه الحيوان، فلا يفعل بإخوته ما فعله قايين بأخيه انتقامًا، بل يرى في ما حدث تدبيرًا من الله.

مسيح الربّ

قلنا في بداية هذه المقالة إنّ الغوص في موضوعنا يفتح آفاقًا كثيرة لاتّساع المادّة. وإذا ما شئنا التفصيل يمكننا متابعة القراءة في الأسفار الأخرى. غير أنّي لضيق المساحة، ولفائدة القارئ، لن أتناول هذه النصوص، باستثناء الاشارة إلى وجه مسيح الربّ في إشعيا، وذلك لكي أوضح لقرّائي، كيف ترجمَ الكاتبُ ما ورد في تكوين 1- 11 وفي قصة يوسفَ في الأسفار اللاحقة. يأتي في إشعيا في القانون العبريّ مباشرة بعد أسفار الملوك. والسبب في رأي إبراز فشل الملوك الذين شاءهم الناسُ في إِجراء الحقّ والعدل وإتمام البرّ. هذا ما كان قد حذّر الربّ منه لمـّا قبِل أن يجعلَ على إسرائيل ملكًا (1 صموئيل 8)، إذ طلب من صموئيل أن يعرِض على مسامع الشعب “قضاءَ” ظُلم الملك الذي طلبوه (1 صموئيل 8: 10-22). تسرد أسفارُ صموئيل والملوك قصص ملوك إسرائيل ويهوذا على نحو يبيّن أنّهم خالفوا وصيّة الربّ كآدم، وقتلوا كقايين، واستكبروا مثل لامِك، فكثر الشرّ في الأرض. وكما محا الله عن وجه الأرضِ فاعلي الشرّ بالطوفان، هكذا أيضًا تنتهي مملكتا إسرائيل ويهوذا، بحسب الرواية الكتابيّة، بسقوط الملكيّة والمملكة. إنّها النتيجة الحتميّة لاختيار الشعب مملكةً وملكًا عليها كسائر الشعوب. نسوا أنّ تلكَ الشعوب اجتمعت لتبنيَ بابلَ وبرجًا لها رأسُه في السماء لتتمرّد على الربّ، وأنّ أباهم إبراهيمَ أخذه الربّ من غوغاءِ الأمم المستكبرة والحروب والعداوات إلى مطارح يكون له فيها سيّدًا وحيدًا، ويعطيه من بركاته إلى منتهى الدهور، مقيمًا من عقمه وعجزه نسلًا تتبارك الأرض به، وذلك لأنّه لا يشبه من عرفته الأرض وستعرفه من شعوب مارقة، لا ترى إلاّ في الاحتراب تتويجًا لوجودها وتاريخها.

يستعيدُ سِفر إشعيا المسارّ التاريخيّ الذي أرادَه الشعبُ، والذي أثبت فشله، لينطلقَ منه نحوَ ما ينبغي أن يكون. يختصرُ، في بدايته، المشهد الذي آلت إليه المملكة، “بلادكم خربة، مدنكم محرقة بالنار، أرضكم تأكلها غرباء قدّامكم، خربة كانقلاب الغرباء” (إشعيا 1: 7). أن تسير في فكر الشعوب يأخذك لا محالة إلى هذا الوضع. لم يعرف التاريخُ أيّ استثناء، ولن يعرف. هذه حالُ مدن الناس حينَ تخلو، كما يقول إشعيا (إشعيا 1: 21) من الحقّ والعدل، ويسكنها القاتلون وأصحابُ الأيادي الملآنة دمًا (إشعيا 1: 15). لا قوامَ لمدينة إلاّ بالعدل والحقّ والبرّ (إشعيا 1: 26-27)، أي بالتوبةِ إلى الله، إلى الدعوةِ الأولى، ذلك لأنّ العدل هو عدل الله والحقّ كلمتُه، والبرّ إنّما هو أن يَسير الناسُ في ما كان أوصاه لآدمَ، وحذّر منه قايين، أي السير في طريق الخير والحسن.

ولذلك يبدأ إشعيا سِفره، بعد أن أوجز في بعض آيات حالَ الناس في تعرّجات تاريخهم. يبدأ بالكلام عن سيادة الله على الأرض والأمم “في آخر الأيّام” (إشعيا 2: 2 وما يليها). لا تُفهَم هذه العبارة بكونها تشير إلى لحظة أخيرة في الزمن الذي يحتسبه الناس. بل معناها مزدوج: تفيد من جهة أنّ للأيّام نهاية، وأنّ سيادة الله، من جهةٍ ثانية، باقية لا تنتهي عندما تأفلُ أزمنة البشر. يقول إشعيا إنّ ممالك الأمم ستنتهي، أمّا مملكة الله فثابتة مرتفعة. إليها تسير الشعوب لكي تأتي إلى الربّ وتتعلّم طرقَه. ليست مملكة الربّ كممالك الناس، ليست جيوشًا وحروبًا وقتلًا واستبدادًا وطغيانًا، بل هي كلمة الربّ وشريعته، التي هي وحدها قادرةٌ على أن تقيم العدلَ بين الأمم والانصاف، فتنتهي الحرب، “فيطبعون سيوفهم سككًا ورماحهم مناجل، ولا ترفع أمّة على أمّة سيفًا ولا يتعلّمون الحربَ في ما بعد” (إشعيا 2: 3-4).

ويعبّر إشعيا عن إمساك الربّ بزمام الأمور بعد فشل المملكة، في صورة الربّ جالسًا على العرش في الهيكل، بعد موت الملك (إشعيا 6: 1). موتُ الملك رمز لسقوط ما طلبه الشعب من صموئيل قبلًا، وتأكيد على أنّ الله كان على حقّ، أي أنّ لا خلاص للناس إلاّ إذا قبلوا كلمته الداعية إلى الحياة، لا إلى الموت. يجلسُ الربُّ على كرسيّه ويتكلّم، وكلمته هي التي تدين وتخلّص في آن. لا يسمعها إلاّ مَن كان أمينًا للربّ.

في هذه المرحلةِ يُدخِل إشعيا إلى كلامه وجهًا جديدًا (إشعيا 9: 6-7). وهذا الوجه هو “ولدٌ يولد لنا وتكون الرئاسة على كتفه”. يدعوه إشعيا “عجيبًا مشيرًا إلهًا قديرًا أبّا أبديًّا أمير السلام”. هذا يجلِس على كرسيّ داود، “ويثبّت المملكة إلى الأبد، بالحقّ والبرّ”. يلفت في كلام إشعيا هذا أنّه يستعمل مصطلحات ملكيّة للكلام عن هذا الوجه، ولكنّه يعطي هذه المصطلحات معانٍ جديدة. فهذا الذي سيُعطى المـُلكَ “قدير/جبّار/محارب”. ولئن كانت العبارة المستعملة في الأصل العبريّ (غِبُّور) تعني المحارب، إلاّ أنّ إشعيا يربطها بالسلام، لا بالحرب. وذلك لأنّ قوّته وقدرته هذه لن تتحقّق في الحرب، بل في إقامة السلام والحقّ والبرّ. وفي موضع آخر (إشعيا 11)، يعلّمنا إشعيا أنّ الحقّ والبرّ اللذين سيحقّقهما “مسيحُ الربّ” سيتجسدّان عدلًا للمساكين، وإنصافًا لبائسي الأرض (إشعيا 11: 4أ). أمّا سلاحه فهو فمه وكلمته وبرّه وأمانته (إشعيا 11: 4ب-5). هذا يعيدُ الأرض إلى حالتها الأولى، إلى حسنها الذي كانَ لها حينَ خلقها الربّ وجعل كلّ شيء فيها وأسكنها. والسلامُ الذي كان عليها حين لم يكن من عداوة بين الانسان والحيوان يعود. فلا يقتلُ الانسانُ حيوانًا، ولا يقتل الحيوان إنسانًا، ولا يفترسُ حيوانٌ حيوانًا (إشعيا 11: 6-8). وكما في أوّل الخلق، حين كان كلّ شيءٍ حسنًا، يأكل الانسانُ والحيوانُ ما تنبته الأرض. ما هذا إلاّ تعبير عن انتفاء الدماء. الدماء التي أراقها قايين على الأرض التي خلقها الله تتوقّف عن أن تسيل. فتعود الأرض لتعطي الانسانَ والحيوان خيرها.

يوضح إشعيا مغذى كلامه هذا حين يكتب “لا يسوؤون ولا يفسدون في كلّ جبل قدسي، لأنّ الأرض تمتلئ من معرفة الربّ كما تغطّي المياه البحر” (إشعيا 11: 9). يعيدنا هذا القول إلى كلّ ما قرأناه قبلًا في سفر التكوين عن أنّ أصل الشرّ هو في كبرياء الانسان، واستقلاله برأيه عن الله، وشهوة السلطة التي توصله، في نهاية المطاف، إلى قتل الآخر. ولا خلاص من هذه الحالة إلاّ معرفة الربّ، أي معرفة كلمته. وتتحقّق هذه المعرفةُ حين يرى الناس أنّ مَن يستأهل الجلوس على العرش، أي مَن يستأهل أن تكون له الرئاسة، إنّما هو المحبّ للمساكين والبائسين، والمقيم السلامَ، والصانع العدل، والسائر في البرّ. وحده هذا يكون راية مرفوعة أمام الشعوب، لتسير في إثره.

بعد هذا، تأتي في سفر إشعيا مقاطع طويلة هي نبوءات ضدّ الأمم (إشعيا 13-27)، وكلام ويل على المستكبرين والمتمرّدين (إشعيا 28-34)، تنتهي بعودةٍ إلى موضوع المسيح (إشعيا 35) كما تحدّث عنه في الاصحاح 11 المشار إليه أعلاه، يليه موجَز لتاريخ إسرائيل الذي ينتهي بالخراب (إشعيا 36- 39). إنّ الغاية من هذه المقاطع الطويلة أن تعيدَ التذكير بالتعليم الكتابيّ حولَ معنى الوجود البشريّ، وبقراءة الكتاب لتاريخ الأمم، وتاريخ إسرائيل نموذجًا. ويُبرِز هذا المقطع العنفَ المتأتّي عن استكبار البشر واستقوائهم وتعظيمهم لأنفسهم. ويقيم تضادًا بين السلام الأبديّ الذي يحقّقه مسيحُ الربّ والحقِّ والعدل اللذين يجريهما، وبينَ الرعب والظلم اللذين يُظلمان حياة البشر.

وعلى أساس هذا التعليم والتضادّ المشار إليه، يحدِث إشعيا ثورةً حقيقيّة في الفكر المتعلّق بالملكيّة ومدلولاتها، هي، في الحقيقة، ثورة الكتاب المقدّس نفسه. وصلبُ هذا التعليمِ الجديد على فكر الناس هو أنّ المسيحَ الذي سيجلس على الكرسيّ إلى الأبد، بالإضافة إلى برّه وعمله بالحقّ والعدل، هو ضعيفٌ ومسكين ومرذول من الناس. ويأتي هذا الكلام عنه في سياق الوعد بالخلاص الذي سيعطيه الربّ للملكة الساقطة، لأورشليم التي يعزّيها برحمة الربّ، ويعزّي من خلالها جميع المدائن وأمم الأرض (إشعيا 40- 55). في إشعيا 42: 1-4، يسمّي الربّ مَن سيجلسه على الكرسيّ عبدَه ومختارَه. بروحه الذي يضعه عليه، سيُعلّم الأمم جميعها الحقّ. والحقّ الذي سينقله إلى الأمم، لن يكونَ حقّه هو، بل حقّ الله، والشريعة التي سيأتي بها إلى الأرض كلّها هي شريعة الله. إنّ هذا الكلامَ في غاية الأهمّية، وذلك لأنّ هذا الشخص الذي أسميته مسيحًا، سيفعل بالتمام عكسَ ما فعله آدم. فإذا كان آدم قد أكل من شجرة معرفة الخير والشرّ لكي يكون له حقّه هو وقضاؤه هو وشريعته هو، فإنّ مسيحَ الربّ الجديدَ، يأبى أن يخالِف الوصيّة، ولن يأكل من شجرة المعرفة، لأنّه يستمدّ من الله وحده، قاضي الأرض، المعرفة الحقّة، وسيسمع منه شريعته، أي ما هو خيرٌ وما هو شرّ، وسيحمِل هذه الشريعة إلى الأمم حتّى أقاصي الأرض.

أمّا الأمر الثاني في هذا المقطع الإشعيائيّ فهو حديث النبيّ عن مسالمة مسيح الربّ، “لا يصيح، ولا يرفع، ولا يُسمَع في الشارع صوته، قصبةً مرضوضةً لا يقصف، وفتيلة خامدة لا يطفئ” (إشعيا 42: 2-3). إنّ الصياح والصراخ، عدا عن كونِهما يعبّران عن الغضب، فهما أيضًا عنصران أساسيّان من عناصر الحرب، وذلك لأنّ الصراخَ كانت لو وظيفة في المعركة وهي إخافة الخصم. أمّا فعل “يرفع” المستعمل بصيغة اللازم، فيشير في هذا السياق إلى رفع السيف والسلاح في وجه العدوّ، أو إلى رفع الذات استكبارًا. إذا صحّ تفسيرنا هذا، فإنّ المعنى المتضمّن في هذه الآية هو أنّ مسيح الربّ لا يُحارِب، ولا معرفة له بفنون القتال. وتؤكّد الآية التالية هذه القراءة، حيث يقول النبيّ إنّه لا يقصف حتّى قصبة يابسة، ولا يطفئ فتيلًا خامدًا. صورتان عن الضعف تفيدان بأنّ مسيح الربّ الجديد لن يقوى حتّى على الضعفاء من خصومه. ولكنْ، رغمَ مسالمته، سيفتحُ الأرض كلّها حتّى أقاصيها. لن ينكسر أمام أحدٍ، ولن يغلبه أحد. وذلك لأنّ سلاحه هو كلمته، وعضده هو الربّ. لن يغلب الأرض ليبسط سلطانه كما ملوكُ مصر وأشور وبابل وغيرها من قوى هذا العالم، بل ليبسط معرفة الله بالسلام والعدل.

في إشعيا 49: 1-7، يتكلّم مسيحُ الربّ، ويجيبه الله. يتحدّث إلى “الأمم والجزائر” (آية 1)، أي إلى القريبين والبعيدين. يقولُ لهم إنّ الربّ أوجده ليتكلّم بحقّه. فمُه هو سلاح الربّ الذي به سيقضي على المتمرّدين. جبله الربّ لكي يعيد إليه إسرائيل. يتوقّف المسيحُ عن الكلام هنا، ليجيبه الربّ إنّه لن يكونَ فقط فمًا لله لمخاطبة إسرائيل، بل دعوة جميع الأمم التي على الأرض إلى التوبة. يسمّيه “نور الأمم” (آية 6). لعلّه كالنور الذي قال له الله في التكوين كن فكانَ وفضح الظلمة التي كانت تلفّ الكون؟ إنّ أفعال إسرائيل والأمم البعيدة عن مشيئة الله هي الظلمة التي جعلت الأرض خربة خالية (إرميا 4: 23-31)، وها المسيح الجديد يأتي ليكون هو النور الذي يزيلها. يسمّيه أيضًا “خلاصًا” لجميع الناس، أي حاملًا لهم نموذجَ الحياة الحقيقيّة. وفي هذه المرحلةِ يتحدّث إشعيا عن ألمه فيقول عنه، “إنّه مهان النفس، مكروه من الأمّة، عبد المتسلّطين” (آية 7). وسيكون هذا القول مقدّمة للنصّ الأطول اللاحق الذي سيتحدّث فيه عن آلام عبده المسيح المختار (إشعيا 52:13- 53: 12)، لتكتمل الصورة التي يريد إشعيا أن يعرِضها على القارئ: إنّ آلام مسيح الربّ ومظلوميّته ورذل الناس له واعتداءهم عليه هي التعبير الأكمل عن منتهى ملكيّته، وتاليًا، عن مضمون كلامه.

في موضعَين يقول إشعيا ما لا يُعقَل في تاريخ الناس. في 49: 7ب نقرأ، “ينظر ملوك فيقومون، رؤساء فيسجدون”، وفي 52: 15، “من أجله يسدّ ملوكٌ أفواههم”. الصورةُ التي يستعملها إشعيا هنا، هي صورة ملك عظيم قويّ يفتح الممالك بقوّته، وتخضع له الملوك، وتبايعه سيّدًا لها، وتقدّم له طاعتَها. غيرَ أنّ هذين القولَين يأتيان هنا في سياق الكلام عن مسيح الربّ متألّمًا ومرذولًا ومسحوقًا. ما يريدُ إشعيا أن يقولَه هو أنّ هذا المسيحَ سيتغلّب على الملوك والأقوياء والرؤساء لا بقوّته وجبروته، بل بانسحاقه، بآلامه، وأخيرًا، بموته. وفي آخر المطاف “ما لم يسمعوا به يفهمونه” (إشعيا 52: 15ب). يفهم الناس وأقوياؤهم أنّ العظمة الحقيقيّة التي أرادَها الله للناس هي في الحق والعدل والسلام إلى المنتهى، هي في أن تكسِر الشرّ بالانسحاق، والعنف بالسلام، والغضب باللين، والظلم بالرحمة.

الخاتمة

بين تكوين 1- 11 ويوسف، وفي الروايات التي تلي رواية يوسف، يروي الكاتب قصّة إبراهيم الخارج من أور الكلدانيّين، المدينة العاصمة، إلى المطارح التي يدعوه الربّ إليها، ويروي السلام الذي حقّقه الله لإسحق مع الساكنين معه في الأرض.[48] وفي محطّات كثيرة يحكم الكاتب على الحرب بوصفها سبيلًا قد يختاره الناس. فيُخجِل يعقوبَ المستعدّ للحرب ضدّ أخيه عيسو ظانًّا أنّه يكرهه، يُخجِله أمام عيسو الذي يستقبله بالسلام والسجود (تكوين 32: 6-12). ويقهَر جليات الماردَ المحارب الجبّار بولدٍ راعٍ (1 ملوك 17). ويُسقِط شاول الملك المتمرّد (1 صموئيل 31). وحين يتحوّل داود، أو يحوّل نفسَه، من ولدٍ راعٍ إلى ملكٍ محارب، يُسقِطه الله، ويرفضه، ويموت عجوزًا ضعيفًا.[49] وتتوالى الروايات على هذا النحو إلى أن يصل بنا الكاتب إلى انتظار رحمة الله في أن يخلّصنا من الحرب، ويقضي على الحرب فينا، في وجه مَن سحقه عنف الناس، أي عبده المتألّم المرذول، الصامت في إشعيا (إشعيا 52: 13- 53: 12)، والمتكلّم في سفر المزامير، شاكيًا إلى الربّ ضيقه. هذا المرذول والمتألّم هو الذي يدعونا الكتاب إلى أن نجعلَه ربًّا لنا في صورة المسيح المصلوب. فإذا آمنّا بقوّة صلبه، نُدرِك أنّ الطريق الحقيقيّ إلى الحياة لا يكونُ إلاّ بصلب حيوانيّتنا من الداخل. حينئذٍ يكون الربّ قد داس على رأس الوحش وقتله. ولكن، إلى أن تصير الأرض وملؤها خاضعةً لصورة الحمل المذبوح، سيبقى جرح العنف مفتوحًا، والناس في احتراب، ولن يتحقّق السلام، بسقوط الحرب، إلاّ في آخر الأيّام. هذا ما تعلّمناه من إشعيا وهوشع.

في آخرِ الأيّام، عندما ينقضي تاريخ الناس، تنتفي الحرب. هذا ما قاله إشعيا حين تحدّث، في مستهلّ كتابه، عن تدفّق الشعوبِ نحو جبل الربّ المرتفع، لتتعلّم مِن ساكنِه، بعد ضلال، طرقَه، وتسلك في سبله، مصغيةً إلى شريعته وخاضعةً لقضائِه. حينئذٍ، يقولُ إشعيا، “يطبعونَ سيوفَهم سككًا، ورماحَهم مناجلَ، ولا ترفع أمّة على أمّة سيفًا، ولا يتعلّمون الحرب في ما بعد” (إشعيا 2: 4). إذا كان سماعُ كلمة الربّ يجعلُ الناسَ يتوبون عن الحرب وآلاتِها لأجل الحياة، فذلك لأنّ إشعيا يُصوّر مسيرتهم في أيّامهم مسيرةَ قتلة “ملآنةٍ أيديهم دمًا” (إشعيا 1: 15، 21)، وقد نقضوا “الحقّ والعدل” وباتوا “أشرارًا” (1: 16-17)  وظالمين لمساكين الأرض (إشعيا 1: 23). وفي كتاب هوشع، يقول النبيّ في كلامه عن “ذلك اليوم”، يومَ يُسقِط الله شرَّ القاتلين والظالمين: “أقطعُ لهم عهدًا مع حيوان الحقل وطيور السماء ودابّات الأرض، وأكسِر القوسَ والسيفَ والحربَ من الأرض، وأجعلهم يضطجعون آمنين” (هوشع 2: 18). قبل هذا، كان النبيّ قد تحدّث عن الحربِ وإراقةِ الدماء سببًا لعقاب الربّ لإسرائيل (هوشع 1: 4-5)، وذلك في قالب أدبيّ مجازيّ يغرِف من مدلولات “الزرعِ” بكونِه أُعطي من الله رحمةً للناس، غير أنّ هؤلاء حوّلوا بقاع الأرض ووديانها من مساحات للزراعة إلى ميادين للحروب والقتل. يكسر الله آلاتِ حروبهم في المكان الذي شاؤوا فيه أن يتحاربوا، يقول هوشع، لأنّ “الرحمة والحقّ” أساسُ حياة الناس، لا “القوس والسيف والحرب والخيل والفرسان” (هوشع 1: 7). برحمة الربّ يتحوّل وادي “يزرعيل” (ومعنى الاسم “الله يزرعُ”) من ميدان احتراب إلى أرضٍ تفيض بالنعم، وتنادي الشعوبَ لتأتي وتنعم بها وبالسلام والطمأنينة اللذين من الله (هوشع 2: 23).

يسمّي النبيّان تلكَ الحالة من الحرب والقتل وإراقة الدماء “زنًى” (إشعيا 1: 21؛ هوشع 1: 2؛ 3: 2-13)، أي خيانة للأمانة التي كان من المفترض أن يحيوها منذ البدء، منذ اليوم الذي فيه خلقَ الله الأرض ومَن عليها ليحيوا ويتآلفوا، ولم يخلقهم ليُميت واحدُهم الأخر ويظلم قويٌّ مسكينًا. ثمّة إشارةٌ واضحة إلى بداياتِ التكوين في كلام إشعيا وهوشع، وهي، في قراءتي، دلالةٌ على أنّ النبيّين لا يريان في امتداد تاريخِ الناس سوى استمرارًا للاحترابِ، منذ بداية هذا التاريخ وحتّى آخر لحظة من الزمان الذي يحكمه هؤلاء. ففي كلام إشعيا عن “عمل الأرض”[50] في صورتَي الحراثة (السكك) والحصاد (المناجل)، وفي كلام هوشع عن “الزرع” و”إمطار الله على الأرض” (هوشع 2: 21-23)،[51] وعن “حيوان الحقل وطيور السماء ودابّات الأرض”[52] (هوشع 2: 18)، إشارة إلى أنّ سقوط الحرب إنّما هو عودة إلى البدايات، إلى ما شاءه الله للانسان عندما خلقه، أي أن يتسلّط من دون عنف على الحيوان (تكوين 1: 29-30)، وأن يكون “حارثًا للأرض وحافظًا لها” (تكوين 2: 15). يَعرِف النبيّان حقّ المعرفة أنّ الإنسانَ قد خالفَ هذا عندما شاءَ أن يزيحَ خالقَه عن كرسيّ القضاء، ويجلس هو عليه، ساعيًا إلى “معرفة الخير والشرّ” بمعزلٍ عن وصيّة الله (تكوين 3: 1-7). ثمّ عاد واستلّ سلاحَه وقتل أخاه (تكوين 4: 1-16)، واستكبر واستعظم إلى أنّ ملأ الظلمُ الأرضَ كلّها (تكوين 6: 1-6). غير أنّ العودة بالقارئ، في كلام إشعيا وهوشع، على هذا النحوِ إلى لحظات التاريخ الأولى، غايتُها ليس فقط أن يَعيَ أنّ الحربَ وتاريخ الناس متلازمان، بل أن يفهم أيضًا أنّ تاريخَ البشر هذا، ولئن كان من أَلفه إلى يَائِه تاريخَ حروب، إلاّ أنّ كلمة الله ودعوتَه تبقى سابقةً له ولاحقةً، ثابتةً من الأزل وإلى الأبد، ليغدوَ ما خطّه البشرُ في تعرّجاتِ تواريخهم شذوذًا عن هذِه الكلمة وخروجًا عليها، وما الحربُ والعنف إلاّ التعبير الأوضح عن هذين الشذوذ والخروج.

ممّا عرضنا أعلاه، يمكن الخلوص إلى أنّ لبّ الاصحاحات 1- 11 من سفر التكوين هو القضاء على العدوان في فكر الانسان وتصرّفه وانعكاس هذا العنف في بنائه لحضاراته، ونظرته إلى آلهته. الله الذي خلق الكونَ سيطر على قوى الموت وحوّلها إلى قوى للحياة. أمّا الانسان فعمل للقتل، للموت، للتسلّط الغاشم، ولفعل الشرّ والظلم حتى امتلأت الأرض سوءًا. يقول لنا الكتابُ إنّ الله رفض هذا، غير أنّه، كما قال لنوح، لن يقتل الانسان، ولن يمحوه ثانيةً عن وجه الأرض. ولكن، لكي يخلّص هذا الانسانَ من العنف والموت، يتنازل هو إلى عنفه وموته، كما تنازل خالقًا إلى طغيان المياه والظلمة، ليحوّلهما إلى لطف ورحمة. ولهذا كان لا بدّ لسيف العنف أن يجرح هذا الإله، أن يجرحَ صورته وقصّته. فكما قبل أن يفعل ما لم يشأ فعله قبلًا، فقتل حيوانًا ليلبس آدم وحوّاء أقمصة مصنوعة من جلده لينقذهما من الورطة التي أوقعا نفسيهما فيها، هكذا سيكون حاضرًا في قصص قتل وحروب لينقذ فاعليها منها، ويحملهم إلى السلام الأبديّ المتحقّق في صورة يوسف المحيي من الموت، وحقيقة المسيح، الذي بموته جلب الحياة الحقّة. فتغدو “الحربُ” التي يشنّها الله على الممالك والبشر، بشارةً بكلمة تحمل إليهم وجه الإله مقتولًا كحمل، لكي يتعلّموا أنّ الحياة الحسنة التي خلقها الله، هي التخلّي عن كلّ عنف وظلم وقهر، والسجود أمام الضعفاء والمساكين في هذه الدنيا، وهكذا يأتي السلام الذي لا ينتهي.

[1] كثيرون لا يقرأون العهد القديم ولا يهتمّون بالتعرّف إليه، ويكتفون بقراءة العهد الجديد، بسبب نظرتهم إليه ككتاب يتضمّن عنفًا وقتلًا.

[2]  النصوص البيبلية الواردة في هذه المقالة هي بحسب الترجمة الانجيلية العربية للكتاب المقدس (فاندايك)، بشكل عام.

[3]  يتكلّم لامِك إلى امرأتيه بلغة متعالية، ويتباهى بما فعله من قتل: “اسمعا قولي يا امرأتَي لامك، وأصغيا لكلامي. فإنّي قتلتُ رجلًا لجرحي، وفتًى لشدخي. إنّه يُنتقَم لقايين سبعة أضعاف، وأمّا للامِك فسبعةً وسبعين” (تكوين 4: 23-24).

[4]  الفعل العبريّ “تِطِيب” مشتقّ من جذر “طُوب”، ومعناه “خير”.

[5]  قصدت وضع النعت في المذكّر مع أنّ “الخطيئة” كلمة مؤنّثة، وذلك أمانةً للأصل العبريّ حيث نجد الأمر الصيغة ذاتها (اسم مؤنّث “حَطَات” ونعت مذكّر “روبيص”).

[6] وَرَدت هذه العبارةُ حرفيًّا قبلًا في كلام الربّ إلى المرأة بعد السقوط، حين قال لها عن آدمَ، “إلى رجُلِك يكون اشتياقُك وهو يسود عليك” (تكوين 3: 16). في هذا الموضع تشير العبارة إلى معاقبةِ الربّ للمرأة بأن تخضع للرجل وأن يكون هو سيّدها.

[7] لاحظ أنّ الحيوانات تسمّى في هذه الاصحاحات من سفر التكوين “حيوانات الحقل” (تكوين 2: 19، 20؛ 3: 1، 14).

[8] نشير إلى الحيّة مذكّر في عبريّة الكتاب المقدّس، وتُسمّى “نَحَاش”، وتعني هذه الكلمة أيضًا “النَحس، الفأل”. ومن جذرها في العبريّة فعلُ “نَحَاش” ويعني مارس السحر. ومن الجذر نفسه “نِحوشِت”، أي النحاس والمال. و”نِحوشْتان”، مصنوع من النحاس، وهو اسم الحيّة النحاسيّة التي صنعها موسى لشفاء بني إسرائيل من لدغة الأفاعي (عدد 21: 4-9). وفي قراءتي أنّ جميع هذه العبارات مترابطة.

[9]  قال الربّ الإله لآدم، إنّ أكلت من الشجرتين “موتًا تموت” (تكوين 2: 17)؛ أمّا الحيّة فقالت: “لن تموتا” (تكوين 3: 4).

[10]  في قراءتي أنّ مشهد خلع الرداء في رواية يوسف وزوجة رئيس شرطة فرعون (تكوين 39: 11-15)، ومشهد الصلب حيثّ يُعرّى يسوع (متى 27: 27-38؛ مرقس 15: 24؛ لوقا 23: 34؛ يوحنا 19: 24)، مرتبطان بعري آدم وخجله منه، فيما لم يخجل يوسف ويسوع من العري وقتَ الاساءة إليهما.

[11] يشتقّ الأصل العبريّ لفعل “أحسَن” من جذر “طُوب”، وهو يفيدُ ما هو خير، حسَن، جيّد.

[12] من نفس الجذر “طُوب”.

[13]  يفيد الأصل العبريّ لهذه العبارة “كِ نِغْدُو” إلى وقوف المرأة مقابِل آدم، أي ندًّا له.

[14] يستعمل كاتب سفر الجامعة عبارة “هِيبِل” ( ومعناها “باطل” وهي اسم هابيل في العبريّة) في قوله “باطل الأباطيل، كلّ شيء باطل” (جامعة 1: 2).

[15]وقال الله، نصنعُ الانسانَ على صورتنا، كمثالنا، فيتسلّطون على سمك البحر وعلى طير السماء وعلى البهائم وعلى كلّ الأرض وعلى جميع الدبّابات التي تدبّ على الأرض (آية 26) // فخلق الله الانسان على صورته، على صورة الله خلقه، ذكرًا وأنثى خلقهم (آية 27). وباركهم وقال لهم، اثمروا واكثروا واملأوا الأرض، وأخضعوها، وتسلّطوا على سمك البحر وعلى طير السماء وعلى كلّ حيوان يدبّ على الأرض (آية 28)” (أبرزتُ التوازي ما بين آية 26 وآية 27-28 بالحرف الأسود وبما تحته خطّ، الكاتب).

[16] الأصل العبريّ لهذه العبارة هو “دِيِموت” من فعل “دماه” ويعني مثّل، شابه، ماثل. واشتقاقها قريب من اشتقاق الكلمة العربيّة “دُمْية”. والدمية بحسب قاموس لسان العرب هي التمثال الصغير أو الصورة.

[17]  “وخلق الله الانسان على صورته، على صورة الله خلقه” (آية 27)، لاحظ أنّ الجملة تبدأ وتنتهي بفعل “خلق”، ويتوسّطها تكرار لعبارة “صورة الله”. هذا أسلوب رائج في الكتاب المقدّس، يُسمّى التوازي المقلوب (inverted parallelism)، أو التضمين (inclusion)، وظيفته أن يضع التوكيد على العنصر الوسطيّ في البنية، وهو هنا أنّ “الانسان” على صورة الله مخلوقٌ.

[18]  عبارة “صِلِم” (صورة) المستعملة تتضمّن في حرفين من أحرفها الثلاثة عبارة “صِل” في العبريّة، والتي تعني “ظلّ”.  ومفادُ هذا أنّ فكرة “الظلّ” أي حضور الشخصِ لا بكيانه هو، بل بما يذكّر به، أو يدلّ عليه، أو يمثّله، متضمّنة في معنى الأصل العبريّ.

[19]  عاموس 5: 26 حيث تشير عبارة “صِلِم” إلى تمثال الملك أو الإله.

[20]راجع استعمال عبارة “ديموت” (تمثال) بالعلاقة مع الملك والآلهة في إشعيا 40: 12-31، و46: 1-7، وحزقيال 31.

[21]  “رَدَاه” في الأصل العبريّ، وهو مشتقّ من نفس جذر “ردى أو ردّى” العربيّ ومعناه، وطئ بقدمه، داسَ على، أهلك. ومنه “أردى” أي أهلكَ (الأعداء، الخصوم). والردى هو الموت والهلاك.

[22]  “كَبَاش” في الأصل العبريّ، وهي تقابل “كَبَسَ” في العربيّة، أي ضغط على الشيء، وكبس على فلانٍ يعني هجم عليه واحتاط به، واقتحم.

[23]  راجع مثلًا إشعيا 14: 6، وإرميا 34: 11-16، وحزقيال 34: 4؛ و2 صموئيل 29: 15.

[24] ثمّة في هذا اختلاف كبير مع كلامِ الكاتبِ لاحقًا عن آدمَ بكونِه “أبًا” لا ملكًا (تكوين 5: 1-5)، حيث نلاحِظ أنّ الكاتب يربِط عبارتي “الصورة والمثال” بأبوّة آدم لابنه، لا بالتسلّط والاخضاع.

[25] “وقال الله إنّي أعطيتكم كلّ بقل يبزر بزرًا على وجه كلّ الأرض، وكلّ شجر فيه ثمر شجرٍ يبزر بزرًا. لكم يكون طعامًا. ولكلّ حيوان الأرض وكلّ طير السماء وكلّ دابّة على الأرض فيها نفس حيّة، أعطيت كلّ عشب أخضر طعامًا، وكان كذلك”. في هذه الآية ترد عبارتا “قال الله”، و”وكان كذلك”، للمرّة العاشرة والأخيرة في تكوين 1. ولمـّا كان العدد عشرة يشير إلى الكمال الإلهيّ، فإنّ كلام الله هذا يتّخذ مكانةً أساسيّة بكونه موازيًا لأيّ خلق آخر، لا بل هو اكتمال لهذا الخلق.

[26]  يأتي السلام بين الانسان والحيوان علامةً على السلام الذي يعطيه الله في يومه الأخير في مواضع عديدة منها هوشع 2: 18؛ إشعيا 65: 25؛ مزمور 148. لاحظ في تكوين 9: 1-6 انتفاء السلام ما بين الانسان والحيوان والذي يأتي كنتيجة للظلم الذي عمّ الأرض بسبب كبرياء الانسان (تكوين 6: 1-6).

[27]  الحيّة في مصر خصوصًا، والأسد والثور في بابل وما بين النهرين خصوصًا، وكذلك النسرُ في حضارات عدّة في الشرق القديم.

[28] تعبير يعني الفوضى والخراب، ويُوحي بمشهد مدينة منكوبة، موحشة، أو بيت مهجور متداع غير قابل للسكن، أو قفر خاو يعمّه الموت. معرّب في نصّ فاندايك بـ “خربة وخالية”.

[29] ترد عبارة “تُوهُو” وحدها في تثنية 32: 10؛ إشعيا 24: 10 و45: 18، لتشير إلى صورة مدينة منكوبة، موحشة، ولا يمكن السكن فيها. ولا ترد العبارة مركّبة إلاّ في تكوين 1: 2 وإرميا 4: 27، ما يؤكّد ترابط النصّين.

[30] “أنا الذي وضعت الرمل تخومًا للبحر فريضة أبديّة لا يتعدّاها فتتلاطم أمواجه ولا تستطيع، وتعجّ ولا تتجاوزها” (إرميا 5: 22).

[31] “إن لم تظلموا الغريب واليتيم والأرملة، ولم تسفكوا دمًا زكيًّا في هذا الموضع، ولم تسيروا وراء آلهة أخرى لإذائكم، فإنيّ أسكنكم في هذا الموضع، في الأرض التي أعطيت لآبائكم من الأزل وإلى الأبد. ولكن، ها إنّكم متّكلون على كلام الكذب الذي لا ينفع: أتسرقون وتقتلون وتزنون وتحلفون كذبًا وتبخّرون للبعل وتسيرون وراء آلهة أخرى لا تعرفوها، ثمّ تأتون وتقفون أمامي في هذا البيت الذي دُعي باسمي عليه وتقولون قد أُنقِذنا، حتّى تعملوا مثل هذه الرجاسات؟” (إرميا 7: 6-10).

[32] “نظرت وإذا الكرمل برّية، وكلّ مدنها نُقِضت من وجه الربّ، من وجه حمو غضبه” (إرميا 4: 26).

[33] “من صوت الفارس ورامي القوس كلّ المدينة هاربةٌ، دخلوا الغابات، وصعدوا إلى الصخور، كلّ المدن متروكة ولا إنسان فيها” (إرميا 4: 29).

[34] “وأنت أيّتها الخربة ماذا تعملين؟ إذا لبست قرمزًا، إذا تزيّنت بزينة من ذهب، إذا كحّلت عينيك بالاثمد، فباطلًا تحسّنين ذاتك، فقد رذلك العاشقون، يطلبون نفسك” (إرميا 4: 30).

[35] “طوفوا في شوارع أورشليم وانظروا واعرفوا وفتّشوا في ساحاتها، هل تجدون إنسانًا أو يوجَد عامل بالعدل، طالب بالحقّ فأصفح عنها؟” (إرميا 5: 1).

[36] في الأصلِ العبريّ “عابدٌ الأرضَ”، “خادم لها”.

[37] يقول النصّ عن نمرود إنّه كان “جبّار صيدٍ في وجه الربّ” (تكوين 10: 9)، أي إنّه كان يمتهن قتلَ الحيوانات، مخالفًا أمرَ الله في تكوين 1: 29-30، حيث القتل ممنوع، وفي تكوين 9: 3، حيث يقتصر السماح بقتل الحيوان على الأكل فقط. ويذكّرنا الكلام عن نمرود بما يقوله الكاتب عن بنيامين في تكوين 49: 27، حيث يشبّه بنيامين بذئب مفترس (“بنيامين ذئب يفترس. في الصباح يأكل غنيمة، وعند المساء يقسم نهبًا”). والعلاقة ما بين نمرود، مؤسّس بابل والمحارب الجبّار، وبين بنيامين تأتي أيضًا من كون بنيامين هو السبط الذي إليه ينتمي شاول، أوّل ملكٍ على إسرائيل، والذي يتباهى بكبر قامته وقوّته وكونه محاربًا، وهو يخالف كلام الله، الأمر الذي يؤدّي إلى رفضه وسقوطه.

[38] اسم “بابل” يعني باب الإله، واسم المدينة أيضًا “بابليون” أي باب عليون، باب الإله المتعالي.

[39]  فعل “بلال” في العبريّة يعني “بلبل” و”بلّل”.

[40] “وحدث لـمّا ابتدأ الناس يكثرون على الأرض وولد لهم بنات، أنّ أبناء الله رأوا بنات الناس أنّهنّ حسنات” (تكوين 6: 1-2). يذكّرنا هذا النصّ والطريقة التي يقدّم بها الكاتب كبرياء “أبناء الله” واستساغتهم احتقار بنات الناس، واستعمالهنّ لغايتهم في التوالد والكثرة، بقصّة داود وبتشبع (2 صموئيل 11). حين تملّك داود وبدأ يتصرّف كملك بكبرياء، قتل زوج المرأة التي اشتهاها لحسنها. وكان أن أمات الله الإبن المولود له منها، كما سيميت الأبناء الذين سيولدون لأبناء الله من بنات الناس في 6: 1 وما يليها.

[41]  من اللافت جدًّا في رواية الطوفان أنّ الكاتب يعامل الحيوانات على قدم المساواة مع الإنسان سواءٌ في الموت أو في الخلاص. راجع مثلًا تكوين 7؛ و8: 15-19. لاحظ أيضًا المساواة بين الإنسان والحيوان في المسؤوليّة عن القتل في تكوين 9: 5-6.

[42] “وعرف آدم امرأته أيضًا. فولدت ابنًا ودعت اسمه شيتًا، لأنّ الله قد وضع لي نسلًا آخر عوضًا عن هابيل، لأنّ قايين كان قد قتله” (تكوين 4: 25).

[43]  تكوين 49.

[44]  هذا هو الموضوع الرئيسيّ في 2 صموئيل و1 و2 ملوك.

[45]  تذكيرًا بدعوة الله الإنسان إلى الإثمار (تكوين 1: 27).

[46]  تذكيرًا بهابيل الراعي المقتول.

[47] في الكلام على يوسف يقول يعقوب في تكوين 49 إنّ بركات السماء تأتي عليه، و”بركات الغمر الرابض تحت” (آية 25). لاحظ كيف يصوَّر الغمر كحيوان مفترس رابض على مثال “الخطيئة الرابض” مع قايين، و”الأسد الرابض” مع يهوذا. غير أنّ هذا الوحش الرابض هو “تحت”، أي إنّه مدوس عليه، لا تأتي منه الشرور، بل البركات. هذا الغمر نفسه هو الذي حوّله الله في تكوين 1: 2-10 من قوّة خوائيّة مميتة إلى جزء من مشهد حياة نابضة بالحسن. هذا التقاطع بين قصّة يوسف وتكوين 1 ليس مصادفة.

[48] تكوين 26: 26-33.

[49]  راجع 2 صموئيل 7 حيث يعاقب الله داود على الكبرياء التي أظهرها حين أراد أن يبني بيتًا للرب على مثال قصره، و2 صموئيل 11 حيث يعاقبه على قتله أوريّا زوجة بتشبع التي اشتهاها واغتصبها لنفسه.

[50]  في تكوين 2: 5، 15 أنّ الله صنعَ الانسان لكي يحرث الأرض ويحفظها.

[51]  أنظر تكوين 2: 5.

[52]  ترِد هذه الجملة على هذا النحو في تكوين 1: 26-28. أنظر أيضًا تكوين 2: 19.

Recommended Posts
Contact Us

We're not around right now. But you can send us an email and we'll get back to you, asap.

Not readable? Change text. captcha txt

Start typing and press Enter to search

×