In Bible

العنف في العهد الجديد

الأخت الدكتورة باسمة الخوري

  • الأخت الدكتورة باسمة الخوري، هي راهبة أنطونية، تحمل شهادة دكتوراه في اللاهوت الكتابي، اختصاص عهد جديد، من جامعة الروح القدس الكسليك. مارست تعليم الكتاب المقدس لسنوات عديدة في الجامعة نفسها، وحاضرت في جامعات أخرى وفي مؤتمرات متخصصة. ولها العديد من الكتب والمقالات والأبحاث والترجمات في حقل اختصاصها. هي حاليًا المدبرة العامة للراهبات الأنطونيات، ومديرة ثانوية الراهبات الأنطونيات في رومية وعضو في الرابطة الكتابيّة في لبنان.

(محاضرة قُدِّمت في مركز الدراسات الكتابية للشرق الأوسط وشمال أفريقيا التابع لجمعيّة الكتاب المقدس في لبنان بتاريخ 26/10/2018)

مقدّمة

بعد أن قام عدد من المؤمنين برفض إله الكتاب المقدّس في عهده القديم معتبرين أن الإله العنيف الذي أمر بالقتل ليس إله يسوع المسيح الذي نادى بالسلام وبعدم الثأر، برز العديد من الباحثين، في محاولة لإعادة الاعتبار للعهد القديم، وظنّوا أنّهم وجدوا في الإنجيل عنفًا يتخطّى، أو بالحد الأدنى يوازي ما نقرأ عنه في العهد القديم، وعلى أساس العنف هذا أكّدوا أنّ الله واحد في العهدين!

بين العهد القديم والعهد الجديد

تنقل بعض نصوص الكتاب المقدّس وبشكل خاص في عهده القديم، أحداثًا فيها الكثير من العنف، وتبدو أحيانًا بأمر من الله بالذات، ما يجعل التوفيق بين إله على هذه الصورة وإله المحبة في العهد الجديد أمرًا صعبًا. منذ سنة 160 حاول بعض المسيحيّين ومنهم ماركيون أن يجدوا الحلّ في رفض العهد القديم وعدم الاعتراف به، من دون الانتباه إلى أنّ هذا الحلّ البسيط لا يحترم كامل ما أراد الله إيصاله إلى شعبه.

فقد اختار الله منذ البدء آلاف السنين شعبًا متوسّطيًّا، وأراده أن يفهم كلّ المحبّة التي يحملها له. لكن هذا الشعب القبائلي غير المستقرّ كان محاطًا بأعداء قساة وعادات وحشيّة فلكي ينكشف لهم، كان على الله أولًا أن يفصلهم عن جيرانهم؛ فيسهّل على الشعب تطوّره، فلا يقع في عادات هذه الشعوب الوثنيّة، كما في ذبائح الأطفال التي كانت سائدة عند الكنعانيّين والتي وجد العبرانيّون صعوبة كبيرة في الامتناع عنها.

على مدى أجيال ظنّ العبرانيّون أنّ الطريقة الفضلى للابتعاد عن العيش مع جيرانهم هي في قتلهم. وبقي الله صبورًا عليهم لأنّه بطيء عن الغضب (خروج 34: 6). في قراءة متأنيّة نكتشف أنّ العديد من الشخصيّات البيبليّة الكبيرة اكتشفت في وقت من أوقات مسيرتهما مع الرّب أنّه لا يحبّ العنف، وأنّ الانفصال عن الشعوب الأخرى ليس سوى تدبير مؤقّت لأنّ الله يريد خلاص كلّ البشر؛ لوقت فيه يربّيهم، ويربّي حريّتهم، مرحلة تلو الأخرى عبر الأجيال. لذلك لا يمكن التوقّف عند مقطع واحد يبدو فيه الله وكأنّه يشنّ حربًا، للاستنتاج بأنّ الكتاب المقدّس يعلّم العنف. فشريعة الثأر مثلًا “عين بعين وسنّ بسنّ” التي تبدو لنا شريعة بربريّة وحشيّة، هي من الحقيقة تطوّر مهم في مجتمع كان الناس فيه يحقّقون العدالة بذاتهم من دون قانون ولا رادع، ما كان يخلق دوّامة من العنف لا تتوقّف ولا تُحدّ.

قبل الغوص في ما نجده من “عنف” في العهد الجديد، لنتوقّف أوّلًا عند ما نعرفه عن إلهنا كما عرّف عن نفسه في الكتاب المقدّس.

من هو الله؟

إنه الإله الذي يريد أن يخلّص البشر من عنفهم الذي ينفجر عند كلّ تخطٍ للحدود. علّ هذا ما يظهر منذ بدء سفر التكوين. فالكتاب المقدّس يأتي في بدايته وخاتمته، محاطًا بصورتين لعالم يخلو من العنف، وكأنّه يدلّ على أنّ هدف كلمة الله الأولى هو السلام والوداعة. فمنذ الصفحات الأولى يأتي النص الكهنوتي لسفر التكوين ليضع الخليقة في إطار مشروع على صورة لطف الخالق في سيادته على الكون الذي أوجده للحياة.

وفي خاتمة الكتاب، وبعد انتصار الحمل على قوى الشرّ والموت، يُقدِّم سفر الرؤيا صورة لعالم متصالح، عالم تخلّص نهائيًّا من كل عنف فلم يعد هناك من بكاء ولا ألم ولا دموع (رؤيا يوحنا 21). بين قطبي الوداعة واللطف هذين، تتوالى أحداث التاريخ البيبلي، وتجلّي إلهٍ “بطيءٍ عن الغضب”[1]، إله لا يستسلم أبدًا أمام عنف البشر الذين يضلّون خليقته ويعرّضونها، كما يعرّضون أنفسهم للخطر؛ إله جعل مشروعه أن “يزيل الحروب إلى أقاصي الأرض”[2][3]، ومع أنه يعامل البشر بحزم لدرجة ظهوره عنيفًا في عيونهم، فإنّ عدوى عنفهم لا تصله أبدًا لأنه الله الذي لا يعرف الثأر (هوشع 11: 9)؛ فيشرق شمسه على الأبرار والأشرار (متّى 5: 45).

هذا الله الأوحد هو من يوبّخ البشر على عنفهم ويشفق على ضحاياهم، ويستبدل ذبائح الأطفال بالحيوانات ثمّ يفتقد هذه الذبائح. في هذا الإطار، نجد في المزامير أقدم النصوص البشريّة التي تعطي الكلمة للضحيّة وليس للمضطهِد، وفي كتاب أيوب محاولة لتخليص الله من عنف المضطهِدين، فيظهر البطل الذي تردّد وتأرجح طويلًا، مقاومًا النظرة العامّة والفكر الرائج، ليعلن أنّ الله ليس المضطهِد بل هو إله الضحايا “أعرف أن شفيعي حيّ” (أيوب 19: 25). وللمرّة الأولى في التاريخ البشري تمّ الفصل بين الألوهة والعنف الجماعي.

قام مشروع الله التربوي على تحرير البشر من عنفهم وبالتالي تغيير الصورة التي رسموها عنه. فبعد فشل حلّ الطوفان  الجذري، يعلن سفر التكوين عن تدابير اتّخذها الله للحدّ من تداعيات العنف الذي صار واقعًا لا مفرّ منه (تكوين 6: 11، 13)[4].

بعد العودة من السبي، جاءت شريعة القداسة لتقضي على الرغبة بالثأر من جذورها[5]. وجاء يسوع ليقول إن قريبي هو الذي لا يُحدّ بعرق أو دين (لوقا 10: 29-37). إن كشف الله عن ذاته، منذ العهد القديم، قاد الشعب المؤمن لفهم، ولو غير واضح، أن العقاب والثأر ليسوا من صنع الله[6]. من غير المجدي إذًا رمي رغبات الثأر التي نحملها، على الله ولو كان ذلك من باب التواضع أمام عظمة الخالق. هذا ما أكّده يسوع بقوله “أحبّوا أعداءكم… لتكونوا أولاد أبيكم الذي في السماوات، فهو يُطلع شمسه على الأشرار والصالحين، ويمطر على الأبرار والظالمين” (متّى 5: 45).

من أقدم الأسماء التي أعطيت لله في العهد القديم هو اسم “رب الصباؤوت” أو “إله الجنود”[7].

ولكن من خلال خبرة السبي إلى بابل، فهم الشعب حقيقة جديدة من الله توصّلوا من خلالها أنّ الله هو “إله السلام”[8].

وقد توضّحت إرادة الله الحقّة بعمقها في تعليم يسوع المسيح المسالم. فقد رفض يسوع استعمال العنف، وعلّم المغفرة حتى للأعداء، فاستسلم، من دون سلاح، للمحاكمة والاستهزاء والتعذيب والصلب. فهم القديس بولس هذه الرسالة عندما كتب إلى الرومانيّين: “لا تجازوا أحدًا شرًّا بشّر مُعْتَنِينَ بِأُمُورٍ حَسَنَةٍ قُدَّامَ جَمِيعِ النَّاسِ. إِنْ كَانَ مُمْكِنًا فَحَسَبَ طَاقَتِكُمْ سَالِمُوا جَمِيعَ النَّاسِ. لاَ تَنْتَقِمُوا لأَنْفُسِكُمْ أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ بَلْ أَعْطُوا مَكَانًا لِلْغَضَبِ لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: «لِيَ النَّقْمَةُ أَنَا أُجَازِي يَقُولُ الرَّبُّ. فَإِنْ جَاعَ عَدُوُّكَ فَأَطْعِمْهُ. وَإِنْ عَطِشَ فَاسْقِهِ. لأَنَّكَ إِنْ فَعَلْتَ هَذَا تَجْمَعْ جَمْرَ نَارٍ عَلَى رَأْسِهِ» . لاَ يَغْلِبَنَّكَ الشَّرُّ بَلِ اغْلِبِ الشَّرَّ بِالْخَيْرِ. (رومة 12: 17-21)

لكن هذه المرحلة التي بدأت منذ مجيء الملكوت لن تكتمل إلاّ في نهاية الأزمنة على ما يصفها يوحنا في سفر الرؤيا[9].

فأين العهد في هذه التربية الإلهيّة؟

 

مشروع الله الخلاصيّ مشروع تربويّ

إنّ الله الذي حزن لصراخ الضحايا (خروج 3: 7، 9)، فكان إلى جانبهم في وجه عنف المضطهدين الظالمين[10]، أراد أن يخلّص الأشرار ايضًا من عنفهم. لتحقيق هذا الهدف أخذ العنف على عاتقه، ولو ظهر وكأنّه هو العنيف. هذا ما تحقّق بيسوع الذي “بصلبه قضى على العداواة”[11]. أمام موت البريء يعي الإنسان ثمار عنفه، فيتوب عنه ليأخذ مسيرة جديدة في حياته. بهذا غلب يسوع الموت يوم دخله فأرسل لكلّ عنيف على هذه الأرض رسالة تدعوه للشفاء من العنف. بيسوع انقلبت الصورة التي رسمها الإنسان عن الله، فصار الله العنيف معنَّفًا، مصلوبًا، إلهًا لا يمكن تصوّره عند اليهود ولا عند اليونانيّين (1 كورنثوس 1: 23)، ومع ذلك هو علامة لزمن جديد، زمن الرحمة التي تتبع زمن الغضب[12].

أيّ عنفٍ في العهد الجديد؟

أحبّ الله الإنسان جدًا[13]، ولكي يخلّصه استعمل أعظم الوسائل وانتظر من الذين تبعوه أكثر من طرق عاديّة وحلول وسط (متّى 5: 13). إن جذريّة الله لا تقبل أنصاف الحلول (رؤيا يوحنا 3: 16). والعديد من النصوص التي تضع على الله ومن يؤمنون به بعض أشكال العنف، يمكن فهمها على أساس التزام الله بالمظلومين من جهة، وبمحبّته العظيمة التي امتلكت شركاءه في العهد من جهة ثانية. هي نصوص تظهر التزام تلامذة الرب بمقاومة الشرّ وتجديد خيار المعموديّة الجذري (متّى 12: 30).

فالمسيح لم يأتِ حاملًا سلامًا خادعًا شجبه الأنبياء (إرميا 6: 14)، بل سيفًا (متّى 10: 34، لوقا 12: 51). بمجيئه زرع يسوع الانقسام حتى في العائلة، المؤسّسة الأقدس، فكان الانقسام بين الأهل والأولاد وبين الإخوة والأخوات، جرّاء الدعوة التي وجّهها (متّى 10: 35 وتابع) فبدا وكأنّه شخص عنيف يحمل المتاعب، وثورجيّ يحيد الناس عن الطريق التي رسمها المعلّمون ونصّت عليها التقاليد (لوقا 23: 2). الرسالة التي أعلنها يسوع لا تسمح للإنسان بأن يبقى على الحياد. ونجد عند الإنجيلي لوقا وصفًا للحالة على الشكل التالي: “بقيت الشريعة وتعاليم الأنبياء إلى أن جاء يوحنا، ثمّ بدأت البشارة بملكوت الله، فأخذ كل إنسان يجاهد ليدخله قسرًا” (لوقا 16: 16). وقد استعمل القديس بولس أيضًا صورة المعركة للدلالة على الحياة المسيحيّة في عودة إلى تعاليم يسوع بالذات[14].

لهذا لا يفاجئنا وجود تعابير عنيفة في النصّ البيبلي الذي يبدو وكأنّه معركة طويلة الأمد ضدّ الأوثان، وضدّ الخطيئة التي ترافقنا دومًا: “ما قاومتم أنتم بعد حتى بذل الدم في مصارعة الخطيئة” (عبرانيين 12: 4). إنّه العنف الأقسى!

وفي السياق عينه، لا بدّ من الإشارة إلى أنّ رحمة الله لا تمحي عدالته[15].

وعطفه يترك للإنسان مسؤوليّة أعماله[16]، فمسؤوليّة الإنسان الأخلاقيّة تأتي على قدر حريّته[17]. لا يمكن للمسيحيّين أن يتصرّفوا بحسب أهوائهم، لأن الحياة ليست لعبة بل عمل مسؤول أوكِل إليهم وسيؤدّي عنه الحساب كلٌ بمفرده (متّى 25: 14-30؛ لوقا 12: 40-48). فليس علينا اعتبار جهنّم عقابًا، لأنّ الله لا يعاقب أحدًا بل يحترم خياراتنا، لأنّه يأتي يوم يكون فيه الوقت قد فات لاختيار من نتبع وكيف نحيا. يومها تكون حياتنا قد عبّرت عن خياراتنا ولربما نكون قد استنتجنا بأنّ هوّة عظيمة قد صارت بيننا وبين الله. تعود الأناجيل إلى صور عنيفة من العهد القديم للدلالة عن هذا الابتعاد عن الله: “الظلمة البرّانيّة” (متّى 8: 12؛ 22: 13)؛ “البكاء وصريف الأسنان في أتون النار” (متّى 13: 42)؛ “جهنّم حيث الدود لا يموت والنار لا تنطفيء” (مرقس 9: 43) إلخ.

كلٌّ منا يحيا بحسب خياراته فيعطي حياته بُعدًا معيّنًا من الأبديّة. كلٌ منا يحضّر منذ الآن إمّا الجنّة مع الله أو جهنّم البعد عنه، ويتذوّق بداياتها منذ الآن. كرامة الإنسان تنبثق من كونها عمل يأخذه الله بجديّة كبرى، وتبحث النصوص الكتابيّة عن وصفه بأقوى العبارات.

أمام نصوص بيبليّة تذكر عنف الله تأتي ردّات فعل المؤمنين انطلاقًا من صورة رسموها عن إله يسوع المسيح منذ طفولتهم طبعًا، ولكن بالأحرى من كلّ ما يسمو إليه البشر ويطمحون للوصول إليه من غفران ولطف واحترام وعدالة وحق وصبر… لكنّنا فعليًّا لا نعرف الله حقًا، وهنا يأتي الله بالذات ليدعونا إلى الخروج من محاولة صنع الله على صورتنا فنعي أنّ الله محبّة وأنّ هذه المحبّة هي لطف، لكنّها ليست استقالة أمام الشرّ وقوى الشرّ التي يحاربها.

 

فهل هناك عنف في الكتاب المقدّس عامّة وفي العهد الجديد بشكل خاصّ؟ بالطبع نعم! ولكن هل يعلّم الكتاب المقدّس العنف ويشجّع عليه؟ بالطبع لا! لأن من يقول العكس يكون قد اكتفى بقراءة بعض المقاطع المستلّة من نصّ متكامل. إنّ العنف في الكتاب المقدس ليس سوى نقطة البداية، التي تظهر الميول الخاطئة في الطبيعة البشريّة. فأن ننفي وجودها هو أن ننفي الواقع البشريّ الضعيف. ولكن الكتاب المقدس دعوة إلى تخطّي هذا العنف باللاعنف لا بل بالمحبّة. فالإنسان غير محكوم بالعنف الذي جاء نتيجة للخطيئة، لأنّ البشريّة مدعوّة إلى التحرّر من كلّ عنف وخطيئة بقبولها خلاص الله بيسوع المسيح.

يسوع والعنف

في كلام يسوع وتصرّفاته، لطالما رأينا في العهد الجديد كلمة سلام، وتعزية؛ كلمة للودعاء والرحماء ولأصحاب القلوب النقيّة وللباكين، كلمة حول زنابق الحقل التي لا تتعب ولا تعزل… ولكن لا يمكن نسيان أحداث عنيفة لها مكانها في الإنجيل ابتداء من قتل أطفال بيت لحم (متّى 2: 16-18) إلى طرد التجّار من الهيكل (يوحنا 2)، إلى آلام يسوع وموته أبشع ميتة وأوحشها.

كان الوضع السياسي الاجتماعي في فلسطين في القرن الأوّل وضعًا يسوده العنف، وتأتي ردّات فعل يسوع العنيفة أحيانًا لتكشف عن عنف المؤسّسات الدينيّة والسياسيّة[18]. فعلى غرار أنبياء العهد القديم، قام يسوع بتصرّفات رمزيّة عنيفة كما في طرده للتجّار من الهيكل. أعلن بالأمثال الضرورة الطارئة لاختيار جذريّ، وبالتالي عنيف، كما في نص الكرّامين القتلة الذين يقتلون ابن المالك ليسرقوا ميراثه، بعد أن هدّدوا وضربوا وحقّروا مرسليه (متّى 21: 33-46). كذلك الأمر ينتهي الأمر في مثل الوزنات (متّى 25: 14-30) برمي الخائن الذي لم يتاجر بوزنته في الظلمات حيث البكاء وصريف الأسنان.

يضع العهد الجديد القرّاء أمام عنف يبلغ ذروته في اعتقال يسوع، ومهزلة محاكمته، وصلبه على الجلجلة ثمّ موته. عنف موت يسوع يشكّل صعوبة كبرى، أمام غير المؤمنين وأمام بعض المسيحيّين. فكيف يمكن فهم كيفيّة تمييز تعليٍم حول الحياة في موت يسوع مصلوبًا؟ وكيف أدّى تعليم يسوع وتصرّفاته إلى رفضه العنيف، حتى أعلن مرقس الانجيلي أنّ إرادة قتله بدأت منذ أيّام رسالته الأولى؟

فالإنجيلي متّى الذي ينسب إلى يسوع العديد من التنديدات، يشدّد على وداعته وحياته الخفيّة، وهو الوحيد الذي يدرج نبوءة إشعيا “لا يخاصم ولا يصيح، وفي الشوارع لا يسمع صوته. قصبة مرضوضة لا يكسر وشعلة ذابلة لا يطفيء. يثابر حتى تنتصر إرادتي وعلى اسمه رجاء الشعوب” (متّى 12: 19-21؛ راجع إشعيا 42: 1-4). بمجيئه فقط أطلق يسوع العنف ضدّه، حضوره بالذات كان الشرارة: “ما جئت لأحمل السلام إلى العالم، ما جئت لأحمل سلامًا بل سيفًا” (متّى 10: 34). ويشير الانجيليان متّى ومرقس أن المرّة الأولى التي بدأت فيها فكرة قتل يسوع كانت بعد شفائه رجل يوم السبت (متّى 12: 9-14؛ مرقس 3: 1-9)، ومعنى الحدث هو التالي:

  • أعاد يسوع الحياة لليد الميّتة
  • بذلك تحدّى الشريعة (ولو لم يكن إجماع على ذلك)
  • حدثٌ أثار الرغبة (الخفيّة) بالقتل.

فعطيّة الحياة أثارت إذًا إرادة الموت؛ وإرادة الموت هذه أخذت من الشريعة ذريعة لها.

وكلّ شيء يتمّ بصمت فلا يسوع يعطي رأيه بالسبت، ولا إرادة القتل تُعلن أمام الملأ.

ولكن ما كان موقف يسوع؟

يشير القديس مرقس أن مشروع قتل يسوع بدأ منذ بدايات رسالته؛ لكن القديس يوحنا يُعلن بأنّ القاتلين أنفسهم لم يكونوا واعين ماذا يريدون (يوحنا 7: 9 وتابع؛ 5: 18). لا تعود محاكمة يسوع إلى هذه الحادثة، بل تتوقّف فقط عند حدث الهيكل، لكن كلّ شيء أدّى إلى حقيقة واحدة “أبغضوني بلا سبب” (يوحنا 15: 25؛ راجع مزمور 69: 5).

في موت يسوع عنف مورس هذه المرّة على الله بالذات بقتل رسوله. يمكننا أن نظنّ أنّ يسوع أراد الثأر فمثل الكرّامين القتلة (لوقا 20: 9-16) ينتهي بتهديد قاس: “فماذا يفعل بهم صاحب الكرم؟ سيجيء ويقتل هؤلاء الكرّامين ويسلّم الكرم إلى غيرهم”.

لكن وللمفارقة فإنّ التهديد لم يتمّ بعد الصلب، فقد قَبل يسوع أن يتحمّل العنف ورَفَضَ الثأر الذي يؤدّي إلى عنف جديد. أمّا موقف يسوع الحقيقي يظهر في نصّ التجارب وأجوبته المسالمة أمام كلّ تجربة. لقد حقّق يسوع تغييرًا جذريًّا بين يسوع الديّان، ويسوع النبي الصامت الذي لا يردّ بالعنف.

غيّر الصليب الصورة التي رسمها البشر عن المسيح وعن الله. فبموت المسيح ماتت أيضًا كلّ تصوّراتنا عن الله. بالصليب مات نظام الذبائح القديم وهو ما رمز إليه تمزّق حجاب الهيكل، بحيث يمكننا أن نقول أن من مات على الصليب هو صورة عنف الله. وبالقيامة أعاد الله الكرامة للضحيّة. فالدم المسفوك يستدعي دمًا بالمقابل (متّى 23)، أمّا دم المسيح فسُفِك للمغفرة (متّى 26: 28) كي لا يكون القاتلون ضحيّة ثأر بالمقابل.

يزعجنا المسيح المصلوب فنحتار، لأنّه يُظهر لنا عنفنا؛ ورفضنا لإنسانيّتنا؛ ورغبتنا بأن نكون كالآلهة. في النهاية مارس يسوع العنف على العنف. فأن نظهر الوجه الآخر أمام من يلطمنا، هو أن نضع هذا الآخر أمام حقيقته، وهو أن نسير نحن نحو مفهوم جديد لله ولذواتنا. ليس موت المسيح ذبيحة بحسب نظام الذبائح، بل هو ذبيحة لصورة معيّنة عن الله. إنّ قدرة الله الكليّة هي ديناميّة حياة تتعارض مع قدرة العنف والقوّة. إنّها ديناميّة حياة تظهر في الضعف. بالحقيقة مع القوّة تُقفل الأبواب، القوّة تسيطر من دون أن تترك مساحة. أما بالصليب فقد ظهرت مساحة أخرى هي القيامة، عبّر عنها يوحنا الرّائي في سفر الرؤيا بصورة الحمل المذبوح وغالب كلّ قوى الشرّ.

في مَثَل الفعلة لماذا ينال الذين أتوا آخرًا وعملوا ساعة واحدة ما ناله الذين جاهدوا وتعبوا في العمل طيلة النهار (متّى 20: 1-16)؟ لماذا استُقبل الابن الأصغر الذي بدَّد ميراثه بالحفاوة والاحتفالات في حين لا ينال الأكبر العامل الأمين أيّة علامة تقدير (لوقا 15: 11-32)؟ هل ذلك يعني أنّ الأخوّة مرتبطة بنوع جديد من البنوّة ومعرفة الذات، لا نزال غير حاضرين لها؟ ولماذا من لم يربح وزنة واحدة رُمي خارجًا في حين أنّ الذين حصلوا على الأكثر نالوا المكافأة (متّى 25: 14-30)؟ لماذا أعطى يسوع القيمة لكلّ ما هو ضعيف وبلا قيمة على حساب الأصحّاء القادرين؟

هذا هو قلب الإنجيل وجوهره. فالإنجيل ليس نصًا أو مضمونًا بل هو كلّ ما يحدث عند الاحتكاك به. إنّه يخفي عنف الصليب ويضع على المحك كلّ أحكامنا المسبقة وكلّ عاداتنا وتصرّفاتنا وأفكارنا ونظراتنا المعتادة للأمور. أمام الإنجيل نعي أنّنا نرفض أن نتغيّر، فندخل في أزمة، في معارضة لما يحمله من معارضات لما اعتدناه. هذا ما يخبره النصّ الإنجيلي من خلال المعارضات العنيفة بين يسوع والفرّيسيّين التي أدّت إلى اعتقاله وقتله باسم شرح معيّن للشريعة. أمور عنيفة تقف بيننا وبين قبولنا كلمات يسوع وأعماله، تمامًا كما جرى مع الذين عارضوه، ويلوح في الأفق قرار يمكن أن نأخذه كما فعل الذين تركوه بعد أن كانوا قد تبعوه، بمجرّد تعرّضهم إلى خطرٍ ما.

ويبقى سؤال الإنجيل مفتوحًا: ما هو قرار القارئ؟

إن العنف الذي أدّى إلى قتل يسوع، يقود في العهد الجديد إلى دينونة إلهيّة هي القيامة. بهذا أكّد الله على كلمة يسوع وأعماله وكرازته. أقام المقتول مستجيبًا لطلبه “إغفر لهم يا أبتِ لأنّهم لا يدرون ماذا يفعلون” (لوقا 23: 34). يقدّم الإنجيل لقاء الله مع العالم عبر عنف الصليب، وكأنّه دينونة ذات طبيعة فريدة. صمت الله في موت يسوع هو غفران. فالإنجيل يدعو إلى الامتناع عن إسقاط صفات الغضب والثأر على الله، ويدعو في الوقت عينه إلى وضع كل الانتظارات الإنسانيّة العميقة في يسوع. فالعهد الجديد لا يسمح بأن نرسم صورة دقيقة عن شخصيّة يسوع، بل قدّم عنه صورًا متعدّدة من خلال إبرازه كمن تمّم نبؤات العهد القديم: فهو ابن داود، وعبد الرّب، وموسى الجديد، وابن الإنسان، والكلمة أو حكمة الله. إنّ الإنجيل الذي احتفظ بعنف الصليب يدعو في الوقت عينه إلى التخلّي عن كلّ صور القدرة الإلهيّة التي أخافوا بها البشر. في صمت الجلجلة والاستجابة بالقيامة، تجلّى الرّب ككلمة مغفرة ليصل بالإنسان إلى الحريّة والإيمان.

هنا فقط يمكننا أن نفهم كلمة يسوع لفيلبّس الذي سأله أن يريه الآب فأجابه: “أنا معكم كلّ هذا الوقت وما عرفتني بعد يا فيلبس؟ من رآني رأى الآب” (يوحنا 14: 9). في عنف الصليب والإمّحاء الذي سبّبه يتماهى يسوع بأبيه أمام تعجّب الجميع. قوّة صورة يسوع الإنجيليّة التي تخطّى تصوّراتنا تثير ردّات فعل شديدة العمق. فكلّ تصرّفاتنا المثاليّة أو توقّعاتنا الوهميّة تصطدم بالصليب حيث تختفي كل العلامات الإلهيّة “إلهي إلهي لماذا تركتني؟” عندها تولد حريّة لا تخلط الله لا بأحلام القدرة الكليّة ولا بلذّة الاضطهاد.

مات يسوع لأنّه ادّعى مساواته بالله. فقد فهم معادوه ذلك على أنّه كفر أكيد، ومطالبة بعرش هو لله الواحد منذ الأزل؛ فهموا في كلامه مسّ بوحدانيّة الله. لكن في موت الابن “المولود غير المخلوق”، انكشاف لبنوّة لا يمكن حصرها في صورة بسيطة. يعطي الإنجيل صورًا متعدّدة عن علاقة يسوع بالله لتساعد المؤمنين في الخروج من المظاهر الوثنيّة والوهميّة والجامدة. فآلام المسيح وموته هي فصح، عبور يجب أن يتحقّق بشكل دائم. وكلمة المسيح التي يسمعها الإنسان في الإنجيل تخلق فيه اضطرابًا لأنّها تمسّ ما لا يمتلكه وما لن يصله أبدًا أي أصل بنوّته، وبالتالي ما يرفض أن يسمعه عن تصوّراته الخاطئة لله ولعلاقته البنويّة معه. تؤكّد العديد من النصوص الإنجيليّة تساؤلات مفخّخة يطرحها معادو يسوع منتظرين أجوبة تؤكّد تصوّراتهم، لكنّها أسئلة تُعاد إليهم: “ذهب الفرّيسيّون وتشاوروا لكي يصطادوه بكلمة فأرسلوا إليه تلاميذهم مع الهيرودسيّين” (متّى 22: 15). حتى أنّ الإنجيل يخبر عن الشيطان الذي يجرّب المسيح بكلام الله بالذات. إنّه فخّ يقود إلى الضلال؛ فخّ نُصب ليسوع ليقتلوه صلبًا، ميتة العبد، فلا يكون من مبرّر لا لولادته ولا لحياته ولا لموته. كلّ ما في الإنجيل يقود تدريجيًّا إلى محو يسوع وإظهار عدم أهميّته: المجادلات العنيفة مع الفرّيسيّين، عدم فهم أعضاء عائلته، رفض الرؤساء شعبه، ترك تلاميذه له. في الإنجيل نجد كلّ الرغبة في السعي للحماية من الصدمة التي تتسبّب بها كلمة المسيح. في تخطّي الشريعة التي تحكم عليه، والحكمة العائليّة التي نعتته بفاقد الرشد، وحذر التلاميذ الذين تركوه وصولًا إلى لقاء هذا الواقع الذي يدعو إليه يسوع في المرور بالموت، واقع كلّ نبوّة. على الصليب أظهر الله بالإنسانيّة أنّه الحياة، ولكنّه اتّصل بهذه الإنسانيّة بالمحنة لأنّ عنف الصليب صَلَب الصور التي رسمناها عن الله. هنا يبدأ فجر القيامة وبدء الحياة الجديدة لكلّ من يقبل بمحنة الحقيقة والعبور إلى الحريّة.

قراءة لبعض نصوص العهد الجديد

1. طرد التجّار من الهيكل (يوحنا 2: 13-15)

عنف أولًا عنف في خبر طرد التجّار من الهيكل (يوحنا 2: 13-15)؟

 أخذ الشرح اللاعنفي للخبر مكانًا كبيرًا منذ القدم كما نقرأ عند أوريجانس (184-254) الذي رأى أنّ النصّ مجازيّ روحيّ بحيث يمثّل الهيكل قلب المؤمنين في حين يمثّل التجّار محبّة المال. ويؤكّد يوحنا فم الذهب (371) أنّ يسوع يتوجّه في كلامه إلى الأشرار وفي استعماله للسوط إظهار لألوهيّته فلا يجوز للمسيحي أن يقوم بذلك. وخلال مجمع القسطنطينيّة سنة 394  قام بارولّا أحد الأساقفة بضرب كهنة مبرِّرًا فعله بأن هذا ما فعله يسوع عندما جلد التجّار في الهيكل، فما كان من ثيودورس المبسوسطي بحسب ما نقل بارحدبشابو سنة 598، إلا أن انتقده بشدّة قائلًا: للبشر وجّه الرب كلامًا قائلًا: “إرفعوا هذا من هنا”، وقلب المناضد، لكنّه أخرج بالسوط الغنم والبقر ليحثّهم على التحرّك.

أما الذين قالوا بتفسير عنيف لتصرّف يسوع فمنهم القديس أغسطينوس (354-430) في جداله مع Pétilian le donatiste حول موضوع العنف، وكان هذا الأخير قد اتّهم المسيحيّين بمخالفة تعاليم يسوع حول اللاعنف بقوله: هل اضطهد الرسل أحدًا؟ هل خان يسوع أيًّا كان؟ إنّ المسيح لم يضطهد أحدًا فأين تعاليم الرّب القائل: من ضربك على خدّك الأيمن أظهر له الآخر؟ أين شريعة الله؟ أين مسيحيّتكم أنتم الذين تقتلون وتقومون بأكثر؟ على هذه الاتّهامات يجيب أغسطينوس بالعودة إلى حدث الهيكل وطرد يسوع للباعة بالسوط  ذاكرًا عبارة “غيرة بيتك أكلتني” وكأن هذه الغيرة هي التي دفعته إلى هذا التصرّف العنيف.

لكن الفعل لا يرد في النص اليوحنوي بصيغة الماضي كما هي في نصّ المزمور 69: 10، بل بصيغة المضارع “غيرة بيتك ستأكلني” وكأنّه يرمي إلى موت يسوع القريب، وليس إلى أي غضب مقدّس.

وفي مجمع رومة سنة 1075 يعود البابا غريغوريوس السابع إلى حدث الهيكل لتبرير الاصلاحات التي تحارب بشدّة كهنة السيمونيّة.

وفي كتاباته وعظاته لمصلحة الحملات الصليبيّة، اعتبر برناردوس (1090-1153) أنّ محاربة أعداء المسيحيّة هي طريق خلاصيّة، داعيًا إلى التشبّه بغيرة المسيح في طرده للباعة.

وعلى مثال أغسطينوس اعتبر كالفان حدث الهيكل مثلًا يُحتذى في طريقة محاربة الهرطقة. كان لكالفان دور في الحكم على مايكل سرفتوس Michael Servetus بالموت على المحرقة مبرِّرًا ذلك بالعودة إلى أعمال 4-5 ومؤكِّدًا بأنّ الله أمات حننيا وسفيرة لأنّهما احتقرا الروح القدس. لكن المؤكّد بأنّ هناك فرقًا شاسعًا بين التأكيد بأن يسوع روّج للعنف وبين التأكيد بأنّ المسيحيّين اعتقدوا ذلك.

فماذا يقول النّص اليوحنوي 2: 13-15 بالتحديد؟

يوحنا 2: 15-22 في إطاره الضيّق

ينقل الإزائيّون أيضًا الخبر فنقرأه في متّى 21: 12-17؛ مرقس 11: 15-19، ولوقا 19: 45-49؛ لكن الثلاثة لا يذكرون السوط الذي نقرأ عنه في يوحنا، ممّا يخلق إشكاليّة أمام المسيحيّين الذين آمنوا بأنّ المسيح يسوع علّم اللاعنف…  والسؤال الأول هو: لماذا “جدل يسوع سوطًا من حبال”؟ وهل كان ذلك سلاحًا يضرب به الناس؟

يذكر النصّ أشكالًا ثلاثة من الناس الذين أراد يسوع إخراجهم من الهيكل:

  • باعة البقر والغنم
  • باعة الحمام
  • الصرّافون

ونقرأ في الآيات 15-16 كيف أخرجهم:

  • لباعة البقر والغنم: جدل سوطًا، ليحث الحيوانات على التحرّك والخروج من الهيكل، فخرج الباعة يلحقون بهم لئلا يخسرون ممتلكاتهم. فتأتي الآية في اليونانيّة على الشكل التالي: “طردهم جميعًا، الغنم والبقر.
  • لباعة الحمام: أمرهم يسوع برفع الأقفاص لئلاّ يقلبها ما يدلّ على غضب منضبط.
  • للصيارفة: بعثر نقودهم وقلب مناضدهم.

في تصرّفاته غضب واضح، لكن ليس مِن ضربٍ للناس، ولا من جرحى أو قتلى. استعمل القوّة على الأشياء فقط (المال والمناضد)

فلو أنّ يسوع استعمل العنف تجاه الناس لكان تسبّب ذلك بردّة فعل عنيفة من قبل اليهود، ولكانت القوّات الرومانيّة تدخّلت لفرض الأمن ومنع الفوضى من موقعها في قلعة أنطونيا المشرفة على الهيكل. فماذا نفهم إذًا؟

يأتي النص في إطار “فصح اليهود”، وهو الوقت الأهمّ للتجارة والحجّ في أورشليم والهيكل، لذلك كان الجيش الروماني يستدعي عددًا أكبر من الجنود الحاضرين للتدخّل ضدّ أيّ انتفاضة ممكنة بين الجموع الغفيرة. فكيف في هذه الأجواء أن يكون السوط سلاحًا منطقيًّا؟ (راجع أعمال الرسل 21). وبدلًا من اعتقاله، نرى السلطات تأتي لمحاورته (آية 18)، ليس حول ما فعل، بل حول وضعه الخفيّ الذي يعطيه سلطة تخوّله القيام بما فعل.

فإن كان يوحنا هو الوحيد الذي ذكر السوط، فهو أيضًا الوحيد الذي ذكر البقر والغنم ما يعني ربطهما ببعضهما.

تطهير الهيكل كعمل نبوي

بعد أن زرع الفوضى في أعمال الباعة الذين طردهم، نرى السلطات اليهوديّة تطلب من يسوع “آية” تؤكّد سلطته الإلهيّة الخاصّة التي تؤهّله لذلك. والآية لا تعني أعجوبة وحسب، بل تتميمًا لنبؤات من العهد القديم. إنّ تطهير الهيكل هو تتميم لنبوءة ملاخي 3: 1-3 “ها أنا أرسل رسولي فيهيّئ الطريق أمامي، وسرعان ما يأتي إلى هيكله، الرب الذي تطلبونه، رسول العهد الذي به تسرّون، ها هو آتٍ… ويجلس كمن يمحّص الفضّة وينقّيها، فينقّي بني لاوي ويصفّيهم كالذهب والفضّة ليقرّبوا التقدمة للرّب صادقين”. إنّها آية ليسوع السلطة على تقديمها، إضافةً إلى ما سيعطيه لسلطات الهيكل: ” إِهْدِمُوا هذا الهَيكَلَ، وأنا أبْنِـيهِ في ثلاثةِ أيّامٍ». فقالَ اليَهودُ: «بُنِـيَ هذا الهَيكَلُ في سِتٍّ وأربعينَ سنَةً، فكيفَ تَبنيهِ أنتَ في ثلاثَةِ أيّامٍ؟» وكانَ يَسوعُ يَعني بِالهَيكَلِ جسَدَهُ”. (يوحنا 2: 19-21). بعد القيامة، تذكّر تلاميذه هذا الكلام. بذلك لم يُعلن يسوع فقط قيامته بعد ثلاثة أيّام من قتل رؤساء الهيكل له، بل أعلن أيضًا أنّه هو الهيكل الجديد، وهو مركز لقاء الله بالبشر، والسماء بالأرض بدلًا من هيكل أورشليم.

2. “من لا سيف عنده ليبع ثوبه ويشتري سيفًا” (لوقا 22: 36)

“ثُمَّ قالَ لِتلاميذِهِ: “عِندَما أرسَلتُكُم بِلا مالٍ ولا كِيسٍ ولا حِذاءٍ هل اَحتَجْتُم إلى شيءٍ؟” قالوا: “لا”. فقالَ لهُم: “أمَّا الآنَ، فمَنْ عِندَهُ مالٌ فَلْيأخُذْهُ، أو كِيسٌ فَلْيَحمِلْهُ. ومَنْ لا سيفَ عِندَهُ، فَلْيبِــــــعْ ثوبَهُ ويَشتَرِ سَيفًا. أقولُ لكُم: يَجبُ أنْ تَتِمَّ فيَّ هذِهِ الآيةُ: وأحصَوهُ معَ المُجرِمينَ. وما جاءَ عنِّي لا بُدَّ أنْ يَتِمَّ”.  فقالوا: “يا رَبُّ! مَعَنا هُنا سَيفانِ”. فأجابَهُم: “كفى!” (لوقا 22: 35-38)

لنبدأ بالإشارة إلى أنّه بعد آيات قليلة من الآية 36، يؤكّد الرسل ليسوع أنّ عندهم سيفان ليجيبهم “كفى” (لوقا 22: 38) ما يمكن فهمه على شكلين:

أولًا: “هذا يكفي، بسيفين يمكننا أن نصدّ الهجمات التي نتعرّض لها”، ولكن هل كان يسوع يظنّ فعلًا أن سيفين يكفيان لمواجهة مجموعة من الرؤساء الدينيّين الآتين مع جنود مسلّحين بالسيوف (لوقا 22: 47، 52)؟ أو يكفيان لانتفاضة ضدّ رومة ومجموعات جنودها؟ بالطبع لا.

ثانيًا: “هذا يكفي” عبارة تنهي الحديث بطريقة صارمة لا تقبل الجدل “هذا يكفي، أنتم لا تفهمون شيئًا”، وهو ما نقرأه في التثنية 3: 26 في كلام الله لموسى: “كفى، لا تزد في الكلام معي في هذا الأمر”. بهذا المعنى علينا أن نفهم كلام الرب للرسل. وفي الحقيقة لا يبدو عدم فهم الرسل جديدًا في الإنجيل (لوقا 9: 45؛ 18: 34)، فهم لن يفهموا إلاّ بعد القيامة وقبول الروح القدس، جوهر ما رمى إليه يسوع في كلامه معهم.

ثانيًا، تجدر الإشارة إلى أن قراءة حرفيّة للآية 36 تناقض الآية 51ب: “لمس أذن الرجل فشفاها”، وهو ما تؤكّده الأناجيل الأخرى بإبرازها معارضة يسوع الجذريّة لاستعمال العنف:

  • متّى 26: 52 “فقال له يسوع: ردّ سيفك إلى مكانه. فمن يأخذ بالسيف بالسيف يهلك”.
  • يوحنا 18: 11 “فقال يسوع لبطرس: ردّ سيفك إلى غمده! ألا أشرب كأس الآلام التي جعلها لي الآب؟”

علمًا بأنّ تعليم يسوع الذي يسبق هذه الآية يتمحور حول المحبّة وعدم السيطرة على مثال ما يفعل “أصحاب السلطة” (لوقا 22: 24-27).

 

فما هي الرّمزيّة التي أرادها يسوع؟

تبدأ الآية 36 بالتالي: “أما الآن فعلى العكس، من عنده…” فأي عكس أراد يسوع إظهاره؟ هذا ما نعرفه في الآية التي تسبق:

“عندما أرسلتكم بلا مال ولا كيس ولا حذاء. هل احتجتم إلى شيء؟ قالوا: لا” (لوقا 22: 35). تأتي الآية 36 إذًا في معرض مقابلة عامّة يقوم بها يسوع بين الرسالة ما قبل وما بعد اعتقاله. من الواضح أنّ سؤاله بلاغيّ يتطلّب جوابًا بالنفي (كان يمكن أن يكون الجواب: أنّنا لم نقدر أن ننام جيدًا مرة، ولم نحصل على الترويقة مرة ثانية…” لكن الأمر لا يتعلّق بالتفاصيل بل بالوضع عامّة حيث كانوا يُستقبلون من قبل مؤمنين متحمّسين لسماع البشارة، فلم يحتاجوا شيئًا؛ أو يُقابلوا في الحالات الأصعب بعدم مبالاة. أمّا الآن فالأمور ستتغيّر، ولوصفها يعطي يسوع صورة تفاجئ السامعين. وكما يدور السؤال الأوّل حول نقطة أساسيّة واحدة: لم يعوزهم شيء؛ فإن ما لم يحتاجوه قبلًا (مال وكيس وحذاء وسيف) في إطار مسالم منفتح لرسالتهم، سينقصهم من الآن فصاعدًا ما يدلّ على ضرورة التحضّر للعداوة التي سيقابلونها والتي ستميّز وضعهم الاجتماعيّ بعد موت يسوع. المطلوب إذًا التحضّر لأحوال جديدة ترتبط برسالتهم، في مجتمع سيقابلهم بالكراهية. سيكونون أمام محنٍ لا تسمح لهم بالحصول على موارد خارجيّة لهم، وتضعهم في حالة الخطر.

هذا ما سيظهر في أقلّ من ساعة أو ساعتين على كلامه، عند وصول يهوذا مع الرؤساء والحراس والجنود… وهذا ما سيحدث للرسل. فالمطلوب الاستعداد الإيماني والروحيّ والجماعي (وليس الفهم الحرفيّ للأمور).

بعد الآية 36 واعتقال يسوع ستتغيّر الأحوال الاجتماعيّة لكن ذلك يندرج في مشروع الله الخلاصيّ: “يجب أن تتمّ فيّ هذه الآية: “وأحصوه مع المجرمين” (إشعيا 53: 12). “وما جاء عنيّ لا بدّ أن يتمّ” (لوقا 22: 37).

ستتغيّر الأمور إذًا، لأنّ الاعتقال وشيك، وسيبدو يسوع وكأنّه من المجرمين، وهكذا سيبدو تلاميذه. إذًا “استعدّوا”! بعودته إلى النبي إشعيا أكّد يسوع نقاطًا عديدة:

هذا يندرج في مشروع الله الذي ضبط التاريخ بكلّ تفاصيله، ولو لم يظهر ذلك جليًّا للبشر. فالتماهي مع عبد الله المتألّم (إشعيا 53) يبرز:

  • أنّ يسوع علّم اللاعنف وعاش بموجبه: “وُضِع مع الأشرار قبره ومع الأغنياء لحده، مع أنّه لم يمارس العنف ولا كان في فمه غش” (إشعيا 53: 9)
  • أنّ يسوع قدّم حياته لشفاء العالم، وليس ليكون عنيفًا: “بجراحه شُفينا”.
  • أنّ يسوع قدّم حياته عن خطايا الناس: “بذل للموت نفسه وأُحصي مع العصاة، وهو الذي شفع فيهم وحمل خطايا كثيرين” (إشعيا 53: 12).

3. “أقتلوهم أمامي”(لوقا 19: 27)

“أَمَّا أَعْدَائِي، أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِيدُوا أَنْ أَمْلِكَ عَلَيْهِمْ، فَأْتُوا بِهِمْ إِلَى هُنَا وَاذْبَحُوهُمْ قُدَّامِي”.

غنيّ عن القول أنّه يجدر بنا وضع النصّ في إطاره. بعد لقائه بزكّا الذي استقبله بفرح في منزله، ومباشرة قبل دخوله أورشليم، ينقل القديس لوقا عن يسوع مَثَل الوزنات حيث يختلط خبران:

الأوّل يتعلّق بسيّد، ليس يسوع ولا الله، ذهب بعيدًا ليُتوّج ملكًا، بما معناه أنّ هذا السيّد يتعلّق بسلطة أعلى منه وأهمّ، هي ربّما رومة؛ نراه قبل ذهابه، يعطي وزنةً لكلٍّ من ثلاثة من خدّامه، أي نصف كيلو من الذهب أو الفضّة، طالبًا منهم استثمارها.

المثَل شبيه بمثَل نقرأه عند الإنجيلي متّى، ولكن بنظرة مختلفة. ففي حين يذهب السيّد للحصول على مُلْكه، يذهب خلفه وفدًا من مواطنيه للعمل على عدم حصوله على الملْك، رافضين أن يكون سيدًا وملكًا. ويقول يسوع، عاد هذا السيّد ملكًا، وفي القسم الأول من القصّة نراه يستدعي كلًّا من الخدام الثلاثة للمساءلة. الأوّل يعلن له أنّ الوزنة التي أوكلت إليه أثمرت عشرة فنرى السيّد يكافئه بإعطائه السلطة على عشر مدن؛ وكذلك يحضر الثاني ليقول بأن وزنته أعطت خمسة، فينال السلطة على خمس مدن. أما الثالث فيقول:

“خفت منك. فأنت رجل صارم تأخذ ما لا تودع، فها هي وزنتك خبأتها في منديل، فقال له السيّد: بكلامك أدينك، أيّها الخادم الشرّير. عرفت أنّي رجل صارم آخذ ما لا أودع وأحصد ما لا أزرع، فلماذا ما وضعت مالي عند الصيارفة وكنت في عودتي أستردّه مع الفائدة؟”؛ وأمر بأن يأخذوا منه الوزنة وأن يعطوها لمن له الوزنات العشر… لأن “من كان له شيء يُزاد ومن لا شيء له، يؤخذ منه حتى الذي له”.

فلا بدّ لنا من الانتباه إلى أنّ كلًّا من الخدام نال من السيّد وزنةَ مماثلة لما ناله غيره؛ وأن هذا السيّد يعطي ولا يستردّ شيئًا حتى من الذي لم يعمل شيئًا. وأنّه أعطى لمن عرفوا كيف يضاعفوا المال الذي أوكِل إليهم، السلطة على مدنٍ، بمعنى أنّه شاركهم سلطته. إنّه سيّد كريم، يعطي، ويُسائل، ويحكم بناء على الثقة وليس على قانون محدَّد. لم يكن عند الخادم الثالث أيّة ثقة، فأُخذ منه ما ناله، لكنّه لم يُقتل، ولم يُرمَ في جهنّم. بل أُدين “على كلامه”.

عند متّى يقول الخادم “عرفتك رجلًا قاسيًا”، ما يختلف تمامًا عن “صارم” التي يستعملها لوقا. فصارم يعني: أنت رجل متملّك تستثمر أملاكك وتحصد ما زرعه من يعملون عندك. أي أنّه اعتبر نفسه مجرّد عاملٍ، واعتبر سيّده مجرّد ملاّك، ولم يرَ في خلفيّة عمله الرجل الكريم الذي أعطاه ووثق به.

ولكن في القسم الثاني من المثَلَ تأتي قصّة ثانية. المشكلة أنّ هناك من يعتقد بأن يسوع يتكلّم عن نفسه، وفي ذلك خطأ جسيم. يسوع يتحضّر لدخول أورشليم، فلو كان هو السيّد المقصود فهو سيّد لا قدرة له إلاّ على الكلام من دون أيّة مقدرة على الفعل. ففي أورشليم هو من سوف يُقتل، وعلى الصليب لم يقل: يا أبتِ أرسل قوّاتك لتفني من صلبوني، بل قال: يا ابتِ اغفر لهم لأنّهم لا يدرون ماذا يفعلون.

فماذا أراد إذًا من هذه القصّة؟

أراد إبراز مسؤوليّة العاملين في ملكوت الله. أعطى الرب الجميع خيراتٍ ومميّزات. بعضهم قبلها، والبعض الآخر رفضها، ولكن هناك من أداروا ظهورهم لعطاياه وراحوا يتآمرون، فكان أنّهم عملوا لهلاكهم. عنف المتآمرين انقلب عليهم. لكن لا يجب أن ننسى أنّه مَثَل في حين أنّ الحقيقة كانت: الغفران.

في كلّ الأحوال العنف كان من قِبَل المتآمرين الذي أرادوا إزالة السيّد، في حين أنّ المطلوب هو المسؤوليّة الواعية والثقة.

4. الدينونة الأخيرة (متّى 25: 31-46) ومعنى جهنّم

يعلن الكتاب المقدّس أنّ آخر عمل إلهي في الحياة البشريّة ستكون الدينونة. وقد أخذت مسألة الدينونة عند المؤمنين عبر الزمن مسارات عديدة ومفاهيم متعدّدة حتى كانت في العصور الوسطى شبيهة بلاهوت هو أشبه ما يكون بلاهوت رعب تفنّن من خلاله الواعظون بوصف المُدانين وعذابهم الأبدي. استند العديدون عادةً على مَثَل الغني ولعازر (لوقا 16: 19-31) ليؤكّدوا عذاب الهالكين، متناسين طابعه الرّمزي كمَثَل. ولكن هل يتماشى ذلك مع كامل الوحي البيبلي وظهور الله المحبّة بيسوع المسيح؟”

فهل علينا أن نختار بين مسيح ديّان، ومسيح مخلّص؟ القديس يوحنا يقول “أرسل الله ابنه لا ليدين بل ليخلّص العالم” (يوحنا 3: 17) لكنه يضيف في 5: 22 “الآب لا يدين أحدًا لكنّه وضع كلّ دينونة بين يديّ الابن”. يعلن العهد الجديد أولويّة الحب، لكن الدينونة لا تنفي الخلاص المجاني بيسوع المسيح. فالمحبّة تتطلّب الحقيقة التي تقود إلى الحبّ. لذلك لم يخْفِ العهد الجديد الدينونة النهائيّة بين كتب العهد الجديد السبعة والعشرون، وحدها الرسالة إلى فيلمون لا تذكر الدينونة، في حين تتطرّق إليه الكتب الأخرى بشكل موسّع كما يفعل الإنجيلي متّى 25: 31-46، أو مقتضب (أعمال الرسل 17: 31).

في الحقيقة، يمكن اعتبار فكرة الدينونة إرثًا يهوديًّا على ما نقرأ في ملاخي 3: 18 “فيميّزون من جديد بين الصّديق والشرّير، بين الذي يعبد الله والذي لا يعبده” حيث ساعة الدينونة النّهائيّة هي ساعة التوضيح بعد التمييز. في الأناجيل تتزامن الدينونة غالبًا مع عنصر المفاجأة (متّى 7: 22-23؛ 25: 37-40)، وتبدو المحبّة وكأنّها أساس برنامج الحياة الأبديّة. وقبول مفهوم الدينونة هو اعتراف بأنّ الله هو السيّد على تاريخ البشر. في هذا وحده يستطيع المؤمنون أن يقاوموا كل تعليم خارج الرّب، وكلّ من يسعى للسيطرة على مستقبل العالم.

القبول بمفهوم الدينونة هو انتفاضة ضدّ الشرّ، ومقاومة له في العالم من خلال رفضهم التخلّي عن قيم العدالة والسلام واحترام الإنسان. إنه رفض لاستبعاد العالم من قِبل من يهيمون عليه… إنّه مقاومة (Daniel Marguerat)، وأول مقاومة تأتي على صورة:

“لا تدينوا لئلا تُدانوا” (متّى 7: 1) فليس لأحد أن يضع نفسه ديّانًا، لأنّ هذه السلطة تعود لله وحده. هذا لا يعني التخلّي عن موهبة التمييز، لكن فهمنا للحقيقة لا يرقى أبدًا إلى الموضوعيّة التامّة.

هذا ما يظهر جليًا في نصّ الدينونة الشاملة بحسب متّى 25: 31-46، حيث يبدو واضحًا أننا لا نعرف كيف نقرأ حياتنا الخاصّة وتاريخنا. عند الإنسان أحيانًا فكرة خاطئة عمّا يحياه، لذلك فإنّ الدينونة الأخيرة تأتي لتكشف الحقيقة عن ذواتنا فتظهر وكأنّها مفاجأة. حذّر يسوع سامعيه من الإدانة التي فُطر عليها الإنسان، ومقاومة ذلك تعني الثقة بالله القادر وحده على سبر أغوار الإنسان وحقيقته، بحسب ما قال القديس بولس “ما نراه اليوم هو صورة باهتة في مرآة وأما في ذلك اليوم فسنرى وجهًا لوجه. اليوم أعرف بعض المعرفة، وأما في ذلك اليوم فستكون معرفتي كاملة كمعرفة الله لي” (1 كورنثوس 13: 12).

ليست الدينونة الأخيرة فعلًا تعسّفيًّا عنيفًا يقوم به الله في آخر حياة الإنسان. إنّه فعل توضيحي، فعل حماية يفتح نافذة للوصول إلى الحقيقة، ويكسر الانغلاق الوقح على الذات من قِبل العالم، والفرد.

أراد العالم أن يضع الله جانبًا وأن يضع نفسه مرجعيّة عليا مغتصبًا السلطة الإلهيّة الأبويّة. الدينونة الأخيرة دعوة منذ الآن لعيش كلمة الله التي تتقدّم الإنسان، وتقدّم له أساس حياته، لكنّها تمنعه من أن يعتبر نفسه مالكًا للقيم قادرًا على التحكّم بها. فدواء التعصّب الأعمى هو الإيمان بدينونة شاملة، تضع كلّ إنسان أمام محدوديّته الواضحة ليعمل على قبولها.

لا يقدّم العهد الجديد الدينونة أبدًا دافعًا للإيمان. فحريّة الإيمان واضحة بحيث يختار كلّ إنسان مصيره. لا وجود للثأر في كلام يسوع، بل دعوة إلى الوعي إلى كوننا محبوبون من الله: “أُورُشليمُ، أُورُشليمُ! يا قاتِلَةَ الأنبـياءِ وراجِمةَ المُرسَلينَ إلَيها. كَم مَرَّةٍ أرَدتُ أنْ أجمَعَ أبناءَكِ، مِثلَما تَجمَعُ الدَّجاجةُ فِراخَها تَحتَ جَناحَيْها، فما أردتُم. وها هوَ بَيتُكُم مَتروكٌ لكُم خَرابًا. أقولُ لكُم: لَن تَرَوْني إلاّ يومَ تهتِفونَ: تَبارَكَ الآتي بِاَسمِ الرَّبِّ”. (متّى 23: 37-39). تأتي هذه النبوءة عن دمار أورشليم على يد الرومان في 26 آب/ أغسطس سنة 70، وكأنها استباق للدينونة الأخيرة؛ وهي في الحقيقة تضعنا أمام استنتاج يقود إلى مأساة مؤلمة: إن كان البيت “سيترك خرابًا” فذلك لأنّكم “ما أردتم”. برفضهم أماتوا محبّة المسيح.

لكن المشكلة تكمن في عدم وعي البشر حقيقة أنهم في علاقة مع الله. نحن نكتفي بسبر ما نظنّه صحيحًا في علاقتنا مع البشر في حين أنّ الله يتماهى مع كلّ إنسان ليرتبط بالبشريّة: “الحقّ أقول لكم كلّ مرّة عملتم هذا لأحد إخوتي هؤلاء الصغار فلي عملتموه” (متّى 25: 40).

هنا تكمن المفاجأة: من تلقّى من الله سلطة الدينونة (يوحنا 5: 22)، من جاء ليخلّص لا ليدين (يوحنا 3: 17)، ويترأس في المجد جلسة التوضيح، يتماهى مع الأضعف بيننا.

ما يوضحه متّى في نصّ الدينونة نقطتان:

  • إنّ مقياس الدينونة الأخيرة هو حضورنا الفاعل لإخوتنا وأخواتنا في البشريّة.
  • المحك في التوضيح (الدينونة) هو موقفنا من الحاجات الأساسيّة للإخوة والأخوات (جوع، عطش، غربة، مرض، سجن) وليس المعرفة المبدعة والنجاح.

“ها أني أجعل كلّ شيء جديدًا” (رؤيا يوحنا 21: 5) ربما لم نعرف حتى الآن مقدار جديدها.

مع الرب، نحن في العكس تمامًا من موقع إله متسلّط مستبدّ، لأن إلهنا هو إله الحياة، إله أب وإن لم نفهم ذلك نكون بعيدين كلّ البعد عن الإيمان الحقّ والعلاقة الحقّة بالرّب.

جهنم والعنف الأبدي

هل على المسيحي أن يؤمن بجهنّم؟

لم تظهر كلمة “جهنم” إلا في العهد الجديد. فالعهد القديم يتكلّم عن الشيول “مثوى الأموات” ومكانه تحت الأرض. هو مكان مظلم، حيث النسيان والذي لا يخرج منه أحد (أيوب 7: 9؛ مزمور 88: 9-13). وكأنّه توصيف للموت. إنّه “ميعاد كلّ شيء” (أيوب 30: 23). وبالنظر إلى غياب الله عنه فإنّه يعني ارتباطه بالخطيئة.

إن كان الله هو إله الحياة فكيف نقبل بأن يكون للموت الكلمة الأخيرة؟ صرخ المؤمنون مطالبينه… لا تتركني في عالم الأموات يا الله لئلا يرى تقيّك الفساد” (مزمور 16: 10). وقد قاد رجاؤهم هذا الذي يأتي ضدّ كلّ رجاء إلى انتظار بعض اليهود لقيامة تحدث في نهاية الأزمنة، فدخل هذا الانتظار تاريخ يسوع المسيح “بكر من قام من بين الأموات” (كولسي 1: 18) وبالتالي “بكرًا لإخوة كثيرين” (رومة 8: 29).

يعطي الإيمان بالمسيح القائم من الموت، الثقة بأنّ الموت ليس المصير الحتمي للإنسانيّة. فمحبّة الله أقوى. بالمقابل، فإنّ “مكان الهلاك” تغيّر جوهريًّا، فلم يعد المكان الذي يبدو الله فيه غائبًا، بل هو ما يُظهر حقيقة الخطيئة على ضوء المسيح. إنّه ترجمة “مكانيّة” للموت الثاني (رؤيا يوحنا 20: 6) أي للرفض المتعنّت لقبول المحبّة التي يقدّمها الله دائمًا وللجميع. تكشف نظريّة “جهنم” وجهين لمحبّة الله غير المشروطة: إنّه يحترم الحريّة البشريّة ويبقى حاضرًا لكلّ إنسان حتى رفضه الجازم. ولكن هل ذلك نهائيّ. بالعمق يبدو جهنّمنا بلا مخراجع ولكن هل من خليقة يمكنها برفضها أن تغلب صبر الله؟ لم يفرض يسوع نفسه أبدًا لكنّه “لا يلوي ولا ينكسر” إلى إحقاق السلام للجميع (إشعيا 42: 2-4) فضعفه أقوى من قوّة البشر (راجع 1كورنثوس 1: 25). في كلامه عن جهنّم ابتعد يسوع عن التوصيفات الأدبيّة والموضوعيّة للحقائق الروحيّة، بل هدف إلى إدخال سامعيه في حقيقة الله والذات. لم يتكلّم يسوع ولم يتصرّف إلا لإيصال البشرى السارّة للناس مؤكّدًا لهم ما يتمّمه الله في العالم ويدعوهم إلى المشاركة بالتزامهم باتّباعه بحريّتهم. من هنا فإنّ كل تعاليم يسوع ليست سوى توسيعًا لكلماته الأولى في إنجيل مرقس: “تمّ الزمان واقترب ملكوت الله فتوبوا وآمنوا بالإنجيل” (مرقس 1: 15).

وقد كيّف يسوع رسالته هذه بحسب سامعيه، فلم يتكلّم اللغة عينها للجميع. لكي يفهمه الناس استعمل عبارات ومفاهيم اعتادوها، وهو ما فعله بولس من بعده فأراد أن يكون “كلًا للكلّ، لكي يخلّص البعض بأيّ ثمن” (1 كورنثوس 9: 22). ففي مواجهة من يرفضون أن يأخذوه على محمل الجدّ بخاصّة من كانوا يظنّون أنّهم يعرفون كلّ شيء عن الله ومخطّطاته، استعمل يسوع عبارات قاسية على طريقة الأنبياء، محاولًا زعزعة وهم غرورهم؛ حتى أنّه هدّد المسؤولين الدينيّين، الذين كانوا يظنّون أنّ لا عيب فيهم في حين يحجبون طريق الله، “بجهنّم النار” (متّى 23: 33؛ راجع 5: 29). وجهنّم أو وادي هنّوم كان مكانًا بالقرب من أورشليم تُحرق فيه النفايات، وقد كان قديمًا مركز عبادة للإله مولوخ تجري فيه تقدمة ذبائح بشريّة.

إن كان يسوع قد تكلّم هكذا فذلك بهدف خرق القلوب القاسية المستعصية عند بعض الفرق. لكنّه أمام من يظنّون أنّهم بعيدون عن الله، كما في حالة المرأة التي أُخذت في زنى (يوحنا 8)؛ وزكا الغني العشّار (لوقا 19) فلم يكن عنده سوى كلام التشجيع والقبول، وقد اتّهمه المعادون بأنّه “صديق الخطأة” (متّى 11: 19).

فالاستناد إلى كلمات يسوع القاسية لإخافة الناس هو تفسير خاطئ لها، حتى ولو كان المقصود خوف يؤدّي إلى ثمار روحيّة. إن في ذلك صورة هزليّة لله تبعد عن الإيمان الصحيح، ولهؤلاء الناس وجّه يسوع أقسى العبارات (متّى 18: 6). فإن كان يسوع قد ذكر أحيانًا إمكانيّة هلاك الإنسان، فذلك نابع من رغبته الحارّة في إعطاء ماء الروح الحيّ لكلّ إنسان، واثق بأنّ السعادة الحقّة غير موجودة إلاّ في الشراكة مع الآب.

ولكن كيف يمكن أن نفهم العذابات الأبديّة وإيماننا يقوم على أن الله هو محبّة؟

من هذا المنطلق تبدو جهنّم فكرة جائرة بحقّ الله والإنسان.

في الحقيقة نجد في العهد الجديد مجموعتين من التأكيدات:

  • الأولى تتكلّم عن جهنّم النار، والظلمة البرّانيّة، والعقاب الأبدي، والنار التي لا تُطفأ.
  • والثانية تبدو وكأنّها تأكيد عن خلاص للجميع.

وقد تقلّب التقليد المسيحي تارة مع الأولى وتارة أخرى مع الثانية. فماذا علينا أن نفهم من ذلك؟

أولًا أنّ جهنّم ليس موازيًا للسماء، وليس حقيقة على المستوى عينه. إنّ جهنّم هو اللامعنى. ولكن كيف نفهم ذلك؟

لا يمكننا أن نتكلّم عن جهنّم إلا على ضوء المسيح على الصليب. بادئ ذي بدء علينا أن نؤمن ونضع أمام عيوننا دومًا أن المسيح خلّصنا وافتدانا. “جعل من نفسه خطيئة من أجلنا” (2 كورنثوس 5: 21)، فعاش بذاته ما يعني ذلك أي الصليب. أمام يسوع المصلوب نفهم معنى البعد عن الله، وأنّ هذا البعد ممكن لأنّنا نرى إلى أين أدّى بالمسيح يسوع. فالصليب يؤكّد في الوقت عينه حقيقة جهنّم والانتصار عليه. إنّ جهنّم ليس أوّلًا ما يهدّدنا، بل ما خلّصنا منه الرّب يسوع.

ولكن يبقى سؤال مقلق: هل في جهنّم بشر محكومون بالعذاب أبديًّا؟ والجواب لا نعلم؟ نحن لم نُعطَ معرفة إلا بما يتعلّق بالخلاص. كل علاقة مع الآخر، كائنًا من كان، مع الله يبقى في سرّ الله. من العبث طرح السؤال النظري، والسؤال حول “من يمكن أن يعاقب بشكل أبدي؟” أن ذلك هو دور الديّان الإلهي وحده. فالكنيسة عبر تاريخها لم تعلن أحدًا محكومًا في جهنّم، ونصوص العهد الجديد التي فيها كلام عن الدينونة لا تهدف إلى إعطائنا علمًا عامًا عن الموضوع، بل هي دعوة إلى التوبة. إنّ الله لا يفرض نفسه على الإنسان. لذلك تبقى جهنّم “إمكانيّة حقيقيّة” من دون أن ننسى أن ديّاننا هو الذي لكي يخلّصنا من الهوّة حمل خطيئتنا. وعلى ما قال الأب اليسوعي كزافيه ليون دوفور: إيماني يؤكّد إمكانيّة وجود جهنّم، ورجائي يرفضها لنفسي؛ ومحبّتي تبعدها عن أيّ كان “Jésus et Paul devant la mort p. 49-50”. إنّ جهنّم هي إذًا الرفض الأبديّ لمحبّة الله الأبديّة اللامتناهية. فكلّما تذوّقنا محبّة الله لنا، كلّما فهمنا طابعه الأبديّ على الرغم من كلّ أخطائنا وخطايانا. ولن نفهم معنى جهنّم إلا عندما نكتشف محبّة من مات لأجلنا.

تؤكّد الكنيسة وجود جهنّم لكنّها لم تعلن يومًا وجود أحد ما فيه، في حين أنّها تعيّد لجميع القدّيسين أعدادًا لا متناهية من الذين اتّحدوا بالله أبديًّا.

ولكن لماذا يتكلّم يسوع عن جهنّم. كما في كلامه في إنجيل متّى في إطار الكلام عن الزنى: “سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ: لاَ تَزْنِ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى امْرَأَةٍ لِيَشْتَهِيَهَا ، فَقَدْ زَنَى بِهَا فِي قَلْبِهِ. فَإِنْ كَانَتْ عَيْنُكَ الْيُمْنَى تُعْثِرُكَ فَاقْلَعْهَا وَأَلْقِهَا عَنْكَ ، لأَنَّهُ خَيْرٌ لَكَ أَنْ يَهْلِكَ أَحَدُ أَعْضَائِكَ وَلاَ يُلْقَى جَسَدُكَ كُلُّهُ فِي جَهَنَّمَ. وَإِنْ كَانَتْ يَدُكَ الْيُمْنَى تُعْثِرُكَ فَاقْطَعْهَا وَأَلْقِهَا عَنْكَ، لأَنَّهُ خَيْرٌ لَكَ أَنْ يَهْلِكَ أَحَدُ أَعْضَائِكَ وَلاَ يُلْقَى جَسَدُكَ كُلُّهُ فِي جَهَنَّمَ” (متّى 5: 27-30). فكيف نفهم ذلك؟ لم يطلب منّا المسيح أن نقلع عيوننا بالمعنى الماديّ، بل اراد الطلب من السامعين / القارئين قرارات جذريّة إن على صعيد العفّة، أو على صعيد محبّة الفقراء، أو التغلّب على الغضب، أو محبّة الأعداء… ولذلك لا بدّ من الفهم العميق لمذاق الطريقين المفتوحين أمامنا: إمّا اتّباع طريق المسيح أو رفضها. إنّ جهنّم هي خبرة عميقة لمأساة الحريّة عندما ترفض الله.

خــاتـمة

يبدو عمل الله في الكتاب المقدّس وكأنّه ذو قطبين: الخلاص والهلاك. ففي العهد القديم بكامله لا يمكننا أن نرى الله المخلّص من دون الانتباه إلى كونه ديّانًا يدمّر. وقد أخذ العهد الجديد العبارات عينها، واللاهوت عينه بما أنّه ملء تحقيق العهد القديم. ففعلَي خلّص وهلك (appolumi, sozo) يترافقان في الكثير من النصوص “خلّصنا فقد هلكنا” (متّى 8: 25)؛ هل يجوز يوم السبت تخليص نفس أم هلاكها” (لوقا 6: 9) وكأن العبارتين إعلان لبرنامج يسوع فكرًا وعملًا، وفي الوقت عينه تعبير عن سرّ الإنجيل: “من أراد أن يخلّص نفسه يهلكها، ومن أراد أن يهلك نفسه لأجلي ولأجل الإنجيل يخلّصها” (مرقس 8: 35). وفي الإطار عينه جاء يسوع “ليبحث عن الهالكين ويخلّصهم” (لوقا 19: 10).

يمكننا التمييز بين نوعين من البشر: المخلّصين أو الهالكين وذلك بحسب موقفهم من يسوع. هذا ما نجده عند بولس الرسول في 2 كورنثوس 5: 15 “نحن رائحة المسيح الزكيّة بين الذين يخلصون أو الذين يهلكون” وفي 2 كورنثوس 4: 3 حيث الكلام عن الذين “في طريق الهلاك” (appolumenois)، وهي مقابلة نجدها في 1 كورنثوس 1: 18 وفي فيلبي 1: 28 حيث المؤمنون معدّون للخلاص söteria وأعدائهم المعدّين للهلاك (appolumenos) هم الذين خدعهم ابن الهلاك في آية 3 (ho huios tës aplöeias) في حين أنّ المخلّصين هم الذين اختارهم الله للخلاص (eis sotërian) (آية 13). لكن يبدو أنّ يسوع وبولس يغيّران نظرة العهد القديم. ففي العهد القديم يدين الله ويُهلِك. أمّا في العهد الجديد فيعلن يسوع أنّه ما جاء ليُهلك بل ليخلّص، ويؤكّد يوحنا الإنجيلي أنّ يسوع لم يأتِ ليدين بل ليخلّص العالم لكي لا يَهلك كل من يؤمن به (يوحنا 3: 15-17). ويستعمل بولس صيغة الحاضر لأنّ زمن النعمة مفتوح دومًا. إنّه دائمًا زمن الخلاص (2 كورنثوس 6: 2). ليس في ذلك تناقض، بل وعي إلى أهميّة الوقت الحاضر لقرار مع يسوع أو ضدّه، وفهم لحقيقة ما يترتّب على ذلك من نتائج. حذّر يسوع من القادر على “إهلاك (apolesai) الجسد والنفس في الشيول (متّى 10: 26) في نظرة إسكاتولوجيّة، مبنيّة على الخلاص الذي حقّقه يسوع. في حين أنّ العهد القديم يعمل بحسب نظرة مسبقة للآخرة تأتي فيه الدينونة قبل العلاقة مع الله أو الانفصال عنه.

في كلّ الأحوال تبقى كل التفسيرات المتعلّقة بجهنّم ضروريّة ولكن غير كاملة تتركنا في حيرة وانزعاج. فهذه العقيدة تجعلنا نلمس سرّ أهميّة الإنسان المحدود في تمرّده، وسرّ لله القدّوس ووجود الشرّ. ليس في ذلك ما هو سهل، ولكن ذلك ضروري. لا تتعلّق هذه العقيدة ببعض الأمثال التي أوردها يسوع لكنّها من أسس الفكر البيبلي. إنّ الله الذي يخلّص من الشرّ هو في الوقت عينه من يدمّر الشرّ. وهنا لا مجال للتعجّب من أنّ يسوع الذي هو أكثر من تكلّم عن مشروع الله الخلاصي، وعن تتميمه للشريعة والأنبياء، تكلّم أيضًا عن غضب الله.

[1]  راجع خروج 34: 6؛ مزمور 103: 8؛ إشعيا 48: 9.

[2]  راجع مزمور 46: 10؛ إشعيا 11: 6-9؛ حزقيال 34: 25؛ هوشع 2: 20.

[3]  النصوص البيبلية الواردة في هذه المقالة هي بحسب الترجمة العربية المشتركة بشكل عام.

[4]  غيّر أولًا النظام الغذائي فأعطاهم الحيوانات للأكل في تنازل عن جذريّة تامّة ضدّ العنف (تكوين 9: 1-3)، لكن مع حدّ هذا العنف بوصيّتين: منع اكل
الدم، تذكيرًا بقدسيّة الحياة واحترمها (تكوين 9: 4)؛ وشريعة الثأر “من سفك دم الإنسان يُسفك دمه” (تكوين 9: 6) التي تضع مبدأ التناسب بين الخطأ
والعقاب، ما يحدّ من توسّع مدى الثأر. لكن هذه الشريعة تحذّر الإنسان العنيف أن يعنفه؟ يمكن أن يرتدّ عليه ليدمّره (تكوين 9: 6). وبين الوصيّتين يعلن
الله أنه هو من يضمن حقوق ضحايا العنف (تكوين 9: 5أ)، ويذكّر أخيرًا بأنّ التنازلات التي قام بها لا تلغي دعوة الإنسان ليكون على صورة الله وكونه مدعوّ للحياة (تكوين 9: 6ب-7). أمّا الدعوات العديدة للثأر التي نجدها في سفر المزامير، فما هي سوى مرحلة لاحقة حيث الكثير من الكلام عن الثأر، مع الامتناع عن تحقيقه شخصيًّا لأنّ الثأر يعود لله وحده (راجع تثنية 32: 35).

[5]  “لا تبغض أحدًا في قلبك… لا تنتقم ولا تحقد على أبناء شعبك، بل أحبّ قريبك مثلما تحب نفسك” (لاويين 19: 17 وتابع).

[6]  فنقرأ في بعض النصوص عن عدم التناسب بين غضب الله “لجيل”، ومغفرته “لألف جيل” (راجع مزمور 30: 6؛ إشعيا 54: 8)؛ وفي غيرها عن عدم قرار الله
النهائي بالعقاب فيقبل مثلًا المساومة مع ابراهيم لأجل سادوم (تكوين 18: 22-32) ومع يونان (3: 9-10). ويأتي النبي هوشع ليجزم بأنّ الله لا يثأر
حتى ولو احتُقرت محبّته وانتُهكت لأنّه لا يشبه البشر “لن أعاقبكم في شدّة غضبي… لأني أنا الله لا إنسان” (هوشع 11: 9).

[7]  في ذلك الزمن أي حوالي سنة 1000ق.م. كان شعب اسرائيل يرى إلهه وكأنّه إله قبليّ أقوى من آلهة جيرانه. وكانوا يعتقدون بأنّهم إن ظلّوا أمناء لوصاياه
فإنّه في المقابل سيبيد أعداءهم. هذا ما نسمع داود يقوله قبل انتصاره على جوليات: “أنت تجيئني بالسيف والرمح والترس، وأنا أجيئك باسم الرب القدير، إله جيش اسرائيل الذي أنت تحدّثيه” (1 صموئيل 17: 45). ويوم استقرّوا في أرض كنعان، أراد الشعب أن يكون لهم ملكًا يربح معاركهم ضدّ الشعوب  الأخرى. وعلى الرغم من تحذير صموئيل النبي، أقاموا لهم ملوكًا استعبدوهم سنوات عديدة لخدمة الجيش، وجرّوهم إلى حروب دامية.

[8]  خبرة العبوديّة واليأس، وتذكار الأيّام المجيدة التي اندثرت، ساعدت الشعب لفهم الكشف الجديد المتمثّل بأنّ الانتصارات العسكريّة لن تكون بعد الآن
المعيار الوحيد الذي يُظهر للإنسان رضى الله، وبذلك بدا التوق إلى عالم مثاليّ مسالم، فتحوّل السلام إلى حالة تفضّل على الحرب. في ذلك الزمن تنبّأ النبي حزقيال الذي شهد دمار الهيكل “وأعاهد غنمي عهد السلام…” (حزقيال 34: 25-28).

[9]  “ثُمَّ رَأَيْتُ سَمَاءً جَدِيدَةً وَأَرْضًا جَدِيدَةً، لأَنَّ السَّمَاءَ الأُولَى وَالأَرْضَ الأُولَى مَضَتَا، وَالْبَحْرُ لاَ يُوجَدُ فِي مَا بَعْدُ. وَأَنَا يُوحَنَّا رَأَيْتُ الْمَدِينَةَ الْمُقَدَّسَةَ أُورُشَلِيمَ
الْجَدِيدَةَ نَازِلَةً مِنَ السَّمَاءِ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُهَيَّأَةً كَعَرُوسٍ مُزَيَّنَةٍ لِرَجُلِهَا. وَسَمِعْتُ صَوْتًا عَظِيمًا مِنَ السَّمَاءِ قَائِلًا: «هُوَذَا مَسْكَنُ اللهِ مَعَ النَّاسِ، وَهُوَ سَيَسْكُنُ
مَعَهُمْ، وَهُمْ يَكُونُونَ لَهُ شَعْبًا. وَاللهُ نَفْسُهُ يَكُونُ مَعَهُمْ إِلَهًا لَهُمْ. وَسَيَمْسَحُ اللهُ كُلَّ دَمْعَةٍ مِنْ عُيُونِهِمْ، وَالْمَوْتُ لاَ يَكُونُ فِي مَا بَعْدُ، وَلاَ يَكُونُ حُزْنٌ وَلاَ صُرَاخٌ  وَلاَ وَجَعٌ فِي مَا بَعْدُ، لأَنَّ الأُمُورَ الأُولَى قَدْ مَضَتْ”. (رؤيا يوحنا 21: 1-4).

[10]  لم يكن الله أبدًا غير مبالٍ أمام عنف البشر الذين خلقهم، بل يُظهره الكتاب المقدّس متألّمًا ينتقض بشدّة أمام خطيئتهم وقلّة إنسانيّتهم. يتكلّم النبي إرميا عن الله وكأنّه حبيب عاشق يأخذ عشقه منحى الغيرة الجارفة. (راجع تثنية 4: 24؛ 5: 9؛ يشوع 24: 19؛ إشعيا 42: 13؛ إرميا 20: 7-9؛ حزقيال 20: 5؛ 34: 14).

[11]  راجع أفسس 2: 16؛ 1 بطرس 2: 22-24.

[12]  راجع رومة 5: 9؛ 9: 22-23؛ 1 تيموثاوس 1: 10؛ 5: 9.

[13]  راجع مرقس 3: 21؛ 1 كورنثوس 1: 18-29.

[14]  راجع 2 كورنثوس 10: 3؛ أفسس 6: 10-17؛ فيلبي 2: 25؛ كولسي 1: 29؛ 1 تيموثاوس 1: 18؛ 4: 10؛ 6: 12؛ 2 تيموثاوس 4: 7 إلخ.

[15]  “إياك والذبيحة التي بها عيب فالرّب ديّان لا يعرف المحاباة” (حكمة 6: 7؛ يشوع بن سيراخ 35: 11-12؛ يعقوب 2: 1).

[16]  “لا تكن على ثقة بغفران الرّب لئلاّ تزيد خطيئة على خطيئة. لا تقل رحمة الرب عظيمة فيغفر لي كثرة خطاياي، فرحمة الرب لا تخلو من الغضب، ونقمته
تحلّ على الخاطئين. لا تؤخّر التوبة إلى الرب” (يشوع بن سيراخ 5: 5-7).

[17]  “لا تقل من الرب خطيئتي فالرب لا يعمل ما يبغضه. ولا تقل هو الذي أضلّني لأن الرب لا يعوزه الخاطىء… إن شئت حفظت وصاياه وأخذت العمل
بها في أمانة (يشوع بن سيراخ 15: 11-20).

  [18]  أخذ العلماء وقتًا طويلًا لمعرفة درجة العنف الذي أظهره يسوع تجاه المؤسّسات الإسرائيليّة، فقال بعضهم أن الانجيليّين خفّفوا من هذه الدرجة، فيما غالى البعض الآخر في قراءتها. لكن المهم هو أنّنا نجد في نصوص العهد الجديد ما يسمح لنا بالفهم أن يسوع لم يستسلم أبدًا إلى الخوف، وقد اتّخذت المحبّة عنده أكثر من مرّة شكل العبارات والتصرّفات العنيفة في فاعليّتها المعنويّة. لكن خطوطًا أخرى تلطّف ذلك كمثل موقف يسوع من العبادة، فإن كان يسوع لم يقم بذبيحة واحدة فإنّ الانجيليّين لا يضيئون على هذا الامتناع. فعندما اقتُبس يسوع من النبوءات عن الرحمة وليس الذبيحة، لم يكن ذلك في إطار الجدال حول الهيكل، بل حول مشاكل الأكل (متّى 9: 413) والسبت (12: 7). صحيح أنّ مسألة الهيكل كانت قد فقدت آنيّتها بالنسبة إلى المسيحيّين الأوائل، لأنّه كان قد هُدِم، لكن الأهم كان في مكان آخر. فالمسيح لم يُصلب دفاعًا عن المؤسّسات، وهو لم يبذل ذاته لأجل التجديد ولو الجذري لنظام ما.

Recommended Posts
Contact Us

We're not around right now. But you can send us an email and we'll get back to you, asap.

Not readable? Change text. captcha txt

Start typing and press Enter to search

×