In Bible

النبوّة في العهد القديم

القس د. هادي غنطوس

(محاضرة قُدِّمت في مركز الدراسات الكتابية للشرق الأوسط وشمال أفريقيا التابع لجمعيّة الكتاب المقدس في لبنان بتاريخ 31/5/2019)

مقدّمة

“الله بعدما كلّم الآباء بالأنبياء قديمًا بأنواع وطرق كثيرة…”. “…لكي يتم ما قيل بالنبي القائل…”. هذه الآيات وسواها هي نماذج من إشارات العهد الجديد للأنبياء في العهد القديم، والذين يمثّلون جزءًا أساسيًا من فهمنا للعهد القديم وتعاملنا مع العهد القديم، ومن صورة العهد القديم في رأسنا كمسيحيين. فالكثيرون بيننا يعتبرون أن العهد القديم هو زمن تعامل فيه الله مع شعبه من خلال الأنبياء، في تحضير لمجيء ابنه المتجسّد، يسوع المسيح، ويرون في العهد القديم تحضير ليسوع المسيح وللعهد الجديد، ويلخّصون العهد القديم في مجموعة من “النبوّات” التي تحققت في يسوع المسيح.

         وبالتالي، فموضوع النبوّة في العهد القديم هو موضوع هام جدًا بالنسبة لنا كمسيحيين في فهمنا للعهد القديم وتعاملنا معه، كما، وبشكل تلقائي، في فهمنا للعهد الجديد وفي تعاملنا معه، كما، بالضرورة، في فهمنا ليسوع المسيح.

         سنقوم في هذا البحث بالتعامل مع هذا الموضوع الهام، وسنحاول أن نصل إلى فهم أفضل وأكثر أمانة لمفهوم النبي والنبوّة في العهد القديم، مع كل ما قد يحمله ذلك من تأثير على فهمنا للعهد القديم، للكتاب المقدس ككل، ليسوع المسيح، ولدورنا نحن ككنيسة.

الصورة التقليدية للنبي والنبوة

الصورة التقليدية الشائعة للنبي هي صورة رجل (ذكر) غريب الأطوار يعلن كلمة الله ويطلق الوعود والتهديدات. ونحن غالبًا ما نتخيّل النبي كشخص ثوروي يتحدّى الملك والسلطة والمجتمع، باسم الله.

وتأتي كلمة نبي في اللغة العبرية من الفعل نبى، والذي لا يزال معناه يعاني من الكثير من الغموض. وفي محاولتهم لتفسير الكلمة، يشير الباحثون إلى الفعل الآكادي، نبو، والذي يعني “ينادي” أو “يعلن”، وبالتالي يصبح النبي هو “من يعلن أو ينادي”، أو “من يُدعى”، أو كلا الاثنين.

وبالتالي، فالمفهوم الرئيسي في النبوّة هو التوسط والتواصل، حيث يلعب النبي دور الوسيط بين الآلهة والبشر، عبر نقل رسائل إلهية إلى الشعب وتفسير تلك الرسائل والتفاعل معها في واقع الشعب. وتتلخّص الصورة التقليدية الشائعة للنبوّة في إعلان نبوّات عن المستقبل، سواء كانت تلك النبوّات تحمل وعودًا أو وعيدًا، لكنها في كلتا الحالتين تعلن ما سيحصل في المستقبل القريب أو البعيد من خلال حصول النبي على كشف إلهي يعلمه بذلك ودعوة إلهية له ليعلن ذلك.

وبالتالي، تقليديًا، الأنبياء في العهد القديم هم أشخاص يدّعون أنهم قد عاشوا اختبارًا مباشرًا لله ويحملون بالتالي رسائل من الله لشعبه بطرق ووسائط مختلفة تتراوح من الإعلانات الشفهية إلى القيام بأفعال رمزية تبلغ حد التطرّف في كثير من الأحيان (انظر مثلًا حزقيال 4 و5؛ 12؛ هوشع 1…).

وتقليديًا، هناك عدة طرق لتصنيف الأنبياء. فالأسفار النبوية في العهد القديم من كتابنا المقدس مقسمة إلى الأنبياء الكبار والأنبياء الصغار، اعتمادًا على حجم السفر. كما اعتاد الباحثون على تقسيم الأنبياء تقليديًا إلى أنبياء كلاسيكيين (كتبوا نصوص) وغير كلاسيكيين (لم يكتبوا نصوص).

وفي المفهوم التقليدي لتطور النبوّة في اسرائيل، وكما يظهر المخطط أدناه، كان ينظر إلى أنبياء مثل إيليا وأليشع وغيرهما من الأنبياء الذين لم يتركوا أي أثر مكتوب على أنهم تمهيد للأنبياء الكلاسيكيين الذين يتضمّن الكتاب المقدس نصوصًا منسوبة إليهم كإشعياء وإرميا وميخا… إلخ.، والذين بدأ وجودهم بالتراجع والاندحار مع سقوط أورشليم ودمارها على يد البابليين في سنة 586 ق.م.

النظرة التقليدية لتطور النبوّة في إسرائيل

تحدّي الصورة التقليدية للنبي والنبوّة

مما لا شك فيه أن الصورة التقليدية الشائعة للنبي والنبوّة في العهد القديم تعاني من الكثير من نقاط الضعف الواضحة جدًا. فعلى سبيل المثال لا الحصر، الصورة الذكورية الطاغية للنبي، والتي، وإن كانت تتفق مع ذكورية مجتمعاتنا ومع عدم وجود أي سفر نبوي منسوب إلى امرأة في الكتاب المقدس، إلا أنها تتناقض مع ما يؤكده الكتاب المقدس، وتظهره الدراسات التاريخية عن وجود “نبيّات” نساء في شعب الله كما في مختلف ثقافات الشرق الأدنى القديم.

بنفس الوقت، تقليديًا نحن نتخيّل الأنبياء كأشخاص متحرّرين من سلطة المؤسسات، سواء الهيكل أو القصر؛ الأمر الذي يسمح لهم بتحدّي الاثنين، لكن، بحسب الكتاب المقدس نفسه، اثنان من أشهر أنبياء العهد القديم، إرميا وحزقيال، كانوا من الكهنة (إرميا 1: 1؛ حزقيال 1: 3)، ونستطيع أن نشير أيضًا إلى صموئيل وحجي وزكريا.

بالإضافة إلى ذلك، قراءة أسفار الأنبياء في الكتاب المقدس بطريقة أكثر عمقًا وأمانةً تظهر عدة أمور تتحدّى الصورة التقليدية للنبي والنبوّة في العهد القديم وفي تعاملنا معهما. فأي قراءة جدّية لأسفار الأنبياء تظهر بأنها كلها تقريبًا، كما غيرها من أسفار العهد القديم والكتاب المقدس، تعود إلى أكثر من كاتب ولاهوت. فعلى سبيل المثال، تقريبًا كل الباحثين اليوم يتفقون على أن أحد أشهر أسفار الأنبياء، وربما يكون أهمها، إشعياء هو على الأقل نتاج ثلاث مدارس مختلفة، إن لم يكن أكثر.

كما أن أية قراءة جدّية لأسفار الأنبياء في العهد القديم تظهر أن تلك الأسفار هي ليست مجرد إعلانٍ لنبوّات عن المسّيا والتحضير ليسوع المسيح. بالإضافة إلى ذلك، إذا كانت كل نبوّات العهد القديم عن المسّيا قد تحقّقت في يسوع الناصري، فلماذا لم يؤمن كل اليهود به؟ ولماذا لا زال اليهود اليوم ينتظرون المسّيا؟

كل ما سبق يظهر أن النظرة التقليدية الشائعة للنبي والنبوّة في العهد القديم تعاني من نقاط ضعف كثيرة وتتحدّى تلك النظرة وتدعونا لتغيير فهمنا لمفهوم النبي والنبوّة وتعامُلنا معهما؛ الأمر الذي سنقوم به في المرحلة التالية من خلال إلقاء نظرة على أسفار الأنبياء في العهد القديم ومن ثم على السياق التاريخي لمفهوم النبوّة في الشرق الأدنى القديم قبل أن ننتقل لمحاولة تطوير فهم أكثر أمانة لهذا المفهوم الهام.

·     أسفار الأنبياء في العهد القديم

تضم الأسفار النبوية في العهد القديم من الكتاب المقدس المسيحي 17 سفرًا، يتم تقسيمها، كما ذكرنا أعلاه، إلى 5 أسفار “أنبياء كبار” (إشعياء، إرميا، مراثي إرميا، حزقيال، ودانيال)، و12 سفر “أنبياء صغار” (هوشع، ويوئيل، وعاموس، وعوبديا، ويونان، وميخا، وناحوم، وحبقوق، وصفنيا، وحجي، وزكريا، وملاخي). وكما ذكرنا أعلاه أيضًا، هذا التقسيم يستند إلى حجم السفر، وليس إلى أهميته، رغم أن ذلك ليس دقيقًا، فسفر هوشع وسفر زكريا أطول بكثير من سفر مراثي إرميا مثلًا.

         ولكن من الهام أن ندرك هنا أن هذا التصنيف وهذا التقسيم للأسفار النبوية في العهد القديم من كتابنا المقدس إنما يتبنى ويتبع تقسيم الأسفار الموجود في النسخة اليونانية السبعينية للعهد القديم، في حين أن النسخة العبرية للعهد القديم، وهي النسخة التي يتبعها الكتاب المقدس اليهودي، تضم تصنيفًا وتقسيمًا مختلفين لأسفار العهد القديم.

فالعهد القديم في الكتاب المقدس المسيحي يتألف بنسخته الإنجيلية من 39 سفرًا، في حين يضاف إلى تلك الأسفار 7 أسفار أخرى في النسختين الكاثوليكية والأرثوذكسية. تلك الأسفار السبعة الإضافية، التي يدعوها الإنجيليون بالأبوكريفا (Apocrypha) ويعتبرونها أسفارًا غير قانونية، في حين يعتبرها الكاثوليك أسفارًا قانونية ثانوية (Deuterocanonical)، أي قانونية من درجة ثانية، في الوقت الذي يعتبرها فيه الأرثوذكس أسفارًا قانونية كما غيرها من الأسفار القانونية الأخرى، هي أسفار كُتبت أساسًا باللغة اليونانية في النسخة اليونانية السبعينية ولا يوجد مقابل لها في النسخة العبرية للعهد القديم.

وكما يظهر الجدول أدناه، تنقسم أسفار العهد القديم في النسخة العبرية إلى ثلاثة أقسام رئيسية هي التوراة والأنبياء والكتابات، في حين تنقسم أسفار العهد القديم في النسخة اليونانية السبعينية إلى أربعة أقسام رئيسية هي التوراة والأسفار “التاريخية” والأسفار الأدبية والشعرية والأسفار النبوية. لكن بغض النظر عن ترجمتها للعهد القديم من اللغة العبرية أو من اللغة اليونانية، حافظت جميع الكنائس على ترتيب الأسفار الموجود في الترجمة اليونانية السبعينية.

النسخة العبرية النسخة اليونانية السبعينية

(على أن تتم الإشارة إلى الأسفار المكتوبة أصلًا باليونانية بالحرف (ي))

1.    التوراة

(5 أسفار)

·      التكوين

·      الخروج

·      اللاويين

·      العدد

·      التثنية

1.    التوراة

(5 أسفار)

·      التكوين

·      الخروج

·      اللاويين

·      العدد

·      التثنية

2.     الأنبياء

(8 أسفار)

 

الأولون أو السابقون

(4 أسفار)

·      يشوع

·      القضاة

·       صموئيل (تم قبول تقسيمه إلى سفرين في القرن 16 م.)

·       الملوك (تم قبول تقسيمه إلى سفرين في القرن 16 م.)

2.    الأسفار التاريخية

(12 + 4 سفر)

·      يشوع

·      القضاة

·      راعوث

·      صموئيل الأول

(المملكة الأول)

·      صموئيل الثاني

(المملكة الثاني)

·      الملوك الأول

(المملكة الثالث)

·      الملوك الثاني

(المملكة الرابع)

·      أخبار الأيام الأول

·      أخبار الأيام الثاني

·      عزرا

·      نحميا

·      طوبيا (ي)

·      يهوديت (ي)

·      أستير

·      المكابيين 1 (ي)

·      المكابيين 2 (ي)

اللاحقون أو المتأخرون

(4 أسفار)

·      إشعياء

·      إرميا

·      حزقيال

·      الاثني عشر

3.    الكتابات

(11 سفر)

–       المزامير

–       الأمثال

–       أيوب

–       الجامعة

–       نشيد الأنشاد

–       المراثي

–       راعوث

–       أستير

–       نشيد الأنشاد

–        عزرا-نحميا (تم قبول تقسيمه إلى سفرين في القرن 16 م.)

–        أخبار الأيام (تم قبول تقسيمه إلى سفرين في القرن 16 م.)

–       دانيال

3. الأسفار الأدبية والشعرية

(5 + 2 سفر)

–       أيوب

–       المزامير

–       الأمثال

–       الجامعة

–       نشيد الأنشاد

–       الحكمة (ي)

–       يشوع بن سيراخ (ي)

4.    الأسفار النبوية

(17 + 1 سفر)

الكبار

(5 + 1 سفر)

·      إشعياء

·      إرميا

·      باروخ (ي)

·      المراثي

·      حزقيال

·      دانيال

الصغار

(12 سفر)

·      هوشع

·      يوئيل

·      عاموس

·      عوبديا

·      يونان

·      ميخا

·      ناحوم

·      حبقوق

·      صفنيا

·      حجي

·      زكريا

·      ملاخي

أسفار العهد القديم بحسب النسخة العبرية والنسخة اليونانية السبعينية

وبالتالي، كما يظهر الجدول أعلاه، هناك اختلاف كبير في تصنيف وتقسيم أسفار الأنبياء بين النسخة العبرية والنسخة اليونانية السبعينية للعهد القديم، وهناك أسفار نعتبرها أسفارًا نبوية لم تكن كذلك في نسختها الأصلية، في حين أن أسفار أخرى نعتبرها تاريخية هي في الأصل أسفار نبوية. ويقدّم لنا الجدول أدناه لائحة بأسفار الأنبياء في النسختين العبرية واليونانية السبعينية ويقارن بين تصنيفها في كلا النسختين. في حين يظهر الجدول الذي يليه الترتيب المختلف لسفر الاثني عشر أو أسفار الأنبياء الصغار بين النسخة العبرية والنسخة اليونانية السبعينية.

أسفار الأنبياء في النسخة العبرية أسفار الأنبياء في النسخة السبعينية اليونانية
·      الأنبياء السابقون (الأولون) ·      الأنبياء الكبار
‌أ.       يشوع (ينتمي إلى “الأسفار التاريخية” في السبعينية)

‌ب.  القضاة (ينتمي إلى “الأسفار التاريخية” في السبعينية)

‌ج.    (1-2) صموئيل (ينتميان إلى “الأسفار التاريخية” في السبعينية)

‌د.      (1-2) الملوك (ينتميان إلى “الأسفار التاريخية” في السبعينية)

‌أ.      إشعياء

‌ب.  إرميا

‌ج.    المراثي (ينتمي إلى “الكتابات” في النسخة العبرية)

‌د.     حزقيال

‌ه.     دانيال (ينتمي إلى “الكتابات” في النسخة العبرية)

·      الأنبياء اللاحقون (المتأخرون) ·      الأنبياء الصغار
‌أ.      إشعياء

‌ب.  إرميا

‌ج.   حزقيال

‌د.      سفر الاثني عشر (يضم 12 سفرًا ولكنه يعتبر سفر واحد في النسخة العبرية، وينقسم إلى 12 سفر مختلف في السبعينية)

‌أ.      هوشع

‌ب.  يوئيل

‌ج.   عاموس

‌د.     عوبديا

‌ه.    يونان

‌و.     ميخا

‌ز.     ناحوم

‌ح.   حبقوق

‌ط.   صفنيا

‌ي.   حجي

‌ك.    زكريا

‌ل.    ملاخي

 

 

 

(تشكل جميعها معًا سفر الاثني عشر في النسخة العبرية)

أسفار الأنبياء في النسخة العبرية والنسخة اليونانية السبعينية للعهد القديم

السبعينية هوشع عاموس ميخا يوئيل عوبديا يونان ناحوم حبقوق صفنيا حجي زكريا ملاخي
العبرية هوشع يوئيل عاموس عوبديا يونان ميخا ناحوم حبقوق صفنيا حجي زكريا ملاخي

أسفار الأنبياء الصغار في النسخة العبرية والنسخة اليونانية السبعينية

لا شك بأن الجداول أعلاه تضعنا أمام أسئلة أساسية في تعاملنا مع موضوع النبوّة في العهد القديم. فما هو مقياس تصنيف السفر كسفر نبوي؟ وإذا كان القضاة والملوك سفرين نبويين، فما هو إذًا تعريف النبي؟ وأين النبي الشخص في القضاة والملوك؟

بالمقابل، إذا كان دانيال، والذي يعتبر أحد أهم أسفار الأنبياء بالنسبة لنا، ليس أساسًا سفرًا نبويًا، ولكنه في الأساس ينتمي إلى الكتابات، فكيف يجب أن نقرأه ونفهمه؟ وما الذي يغيّره ذلك في فهمنا للنبي والنبوّة؟

         للإجابة على هذه الأسئلة وامتلاك فهم أفضل وأكثر أمانة لمفهوم النبي والنبوّة في العهد القديم علينا أن ندرس ذلك المفهوم في العهد القديم في سياقه التاريخي والأدبي. وهذا هو ما سنقوم به، قبل أن ننتقل لإلقاء نظرة على العهد القديم نفسه.

·     النبي والنبوّة في الشرق الأدنى القديم

لفهم مفهوم النبي والنبوّة في العهد القديم بصورة صحيحة علينا أن نتعامل معهما في سياقهما التاريخي والأدبي في الشرق الأدنى القديم. حيث تظهر الدراسات المعاصرة أن مختلف حضارات الشرق الأدنى القديم كان لديها، ابتداءً من القرن 8 ق.م، “أنبياء” يلعبون دور الوسيط بين الآلهة والبشر من خلال حمل كلمة الآلهة للبشر، ويمثلون الوسيلة الأهم في التواصل بين الآلهة والبشر. فالنبي يحمل كلمة الإله ويعلنها للبشر. كما أن النبي يمثّل البشر أمام الله، فيتضرع ويتشفع ويرثي ويحاور ويجادل.

ومن الهام أن نشير هنا أن النبي لم يكن الشخصية الوحيدة الموكلة بنقل “رسائل” من الآلهة إلى البشر، حيث تبيّن الدراسات بأن العالم القديم كان مليئًا بأنواع مختلفة من الشخصيات التي تنقل رسائل إلهية، كالرائي والعرّاف والمتطيّر والمنشد، بالإضافة إلى النبي.

وتثبت الأبحاث التاريخية اليوم أن ظهور الأنبياء على الساحة لدى مختلف حضارات الشرق الأدنى القديم إنما يعود، كما أشرنا أعلاه، إلى القرن 8 ق.م. في حين سيطر نوع آخر من الشخصيات في المرحلة التي سبقت ذلك كالرائي والمتطيّر (الذي يقرأ الغيب) وغيرها.

وقد بدأ دور الأنبياء في بلاط الملوك الأشوريين لدعم حكم أولئك الملوك وإضفاء شرعية “إلهية” على ذلك الحكم. فالأبحاث التاريخية الحديثة تثبت أن أول “كتب” نبوية تعود إلى كتبة البلاط الأشوري في القرن 8 ق.م.، وفي خدمة البلاط الأشوري مع “كتابة” نصوص نبوية تهدف إلى إثبات شرعية حكم الملوك الأشوريين. فالكتابات النبوية الأقدم التي تم العثور عليها حتى تاريخه تعود إلى بلاط الملك الأشوري اسرحدون، حيث قام كتبة البلاط بتجميع “نبوّات” مختلفة تتعلّق بصعوده المثير للخلاف إلى العرش وكتابتها على ما يعرف بـ”لوحات النبوّة”. وتهدف تلك النبوّات إلى إثبات شرعية ملك اسرحدون. وبالتالي، فالنبي في الشرق الأدنى القديم قد بدأ كموظف في القصر لخدمة الملك. والكتابات النبوية الأولى كانت عبارة عن انتاج كتبة، وتخدم أجندة ملكية. وتظهر الدراسات بأن الأنبياء في أشور كانوا جزء من جماعة الهيكل، حيث تعلّموا وحيث مارسوا دورهم.

كما تثبت الأبحاث التاريخية أن تطوّر الكتابات النبوية كان يحصل على مراحل. حيث يكون هناك أقوال نبوية منسوبة إلى نبي معين، ثم يأتي نبي، أو مدرسة نبوية لاحقة، ويقوم بتجميع تلك الأقوال وترتيبها وتعديلها. وهكذا… وعلى سبيل المثال، فإن سفر بلعام، وهو أحد أقدم أسفار الأنبياء في الشرق الأدنى القديم، ويعود إلى حوالي سنة 700 ق.م. هو عبارة عن تجميع لأقوال نبوية مختلفة ومكتوبة بطرق وبخطوط مختلفة، تُنسب جميعها إلى بلعام بن بعور. حيث تم العثور في عبر الأردن على سفر نبوي منسوب إلى “بلعام بن بعور” يعود إلى حوالي سنة 700 ق.م. ويُعرف بنص “دير علا” نسبة إلى تل دير علا في الأردن حيث تم العثور عليه، وهو عبارة عن لائحة من الرؤى النبوية المنسوبة لـ “بلعام الرائي”، وهي في الأصل نصوص مختلفة تم تجميعها بعضها مع بعضها وكتابتها على جداريات بحبر أحمر وأسود.

بالإضافة إلى ذلك، تثبت الأبحاث التاريخية بأنه كان من الممكن إعادة استخدام النبوّات المكتوبة سابقًا من جديد في ظروف تاريخية جديدة، كما هو الحال مع النبوّات الخاصة بصعود اسرحدون المثير للخلاف إلى العرش. ففي بداية القرن 7 ق.م.، بعد فترة قصيرة من كتابة النبوّات لتثبيت ملك اسرحدون ومنحه الشرعية، قام اسرحدون بإعادة نشر النبوّات الخاصة بصعوده هو إلى العرش وتعديلها لاستخدامها هذه المرة لتثبيت شرعية قراره بتعيين ابنه الأصغر أشوربانيبال كوريث له بدلًا من ابنه الأكبر شاماش-شومو-أوكين.

ويمكننا اعتبار أن الأسفار النبوية الكتابية الأقدم قد بدأت بنفس الشكل. لكن تلك الأسفار، كما جميع الأسفار النبوية الكتابية اللاحقة، قد مرت برحلة طويلة من التطوّر والتحرير والإضافات والتعديل إلى أن وصلت إلى شكلها النهائي الموجود في العهد القديم من كتابنا المقدس. وهكذا، فالباحثون يعتبرون اليوم أن مفهوم النبوّة قد تطوّر في إسرائيل في بلاط الملك يربعام الثاني مع شخصية النبي أليشع في القرن 8 ق.م. ومن هناك بدأ تطوّر أسفار الأنبياء، السابقين (الأولين) واللاحقين (الآخرين).

وهكذا، فسفر إشعياء على سبيل المثال قد بدأ في النصف الثاني من القرن 8 ق.م. في بلاط الملك حزقيّا غالبًا مع شخص النبي إشعياء بن آموص، ومن ثم عاش، كما سنرى أدناه، رحلة طويلة من التطوّر على يد مدراس لاهوتية متنوعة إلى أن وصل إلى شكله الحالي في القرن 2 ق.م. وعليه، فالنبي إشعياء الذي نعرفه هو ليس ذاك الشخص الذي من المفترض أنه عاش في النصف الثاني من القرن 8 ق.م.، ولكنه السفر الذي تطوّر لفترة امتدت لحوالي الستة قرون وحمل تأثيرًا كبيرًا على كتاب أسفار العهد الجديد وفي حياة شعب الله في العهدين القديم والجديد وحتى يومنا هذا.

مفهوم النبي والنبوّة في العهد القديم

كما رأينا أعلاه، تثبت الدراسات الحديثة أن لقب النبي يشير في الشرق الأدنى القديم وفي العهد القديم إلى نمط أدبي معيّن قبل أن يشير نشاط مجموعة من الأفراد المعيّنين. وعدد محدود جدًا من الباحثين المعاصرين لا زال ينكر أن الأسفار النبوية هي النتيجة النهائية لرحلة طويلة من التأليف والتحرير والتطوير والتي استمرت حتى مرحلة قوننة أسفار الأنبياء.

فالأنبياء الكتابيون هم بناء أدبي أكثر منهم تسجيل وقائع حياة أشخاص حقيقيين. وحتى في حالة وجود نبي كشخص تاريخي يقف خلف السفر النبوي الذي يحمل اسمه، فإن ذلك السفر بصيغته التي وصل بها إلينا في الكتاب المقدس قد مر بمراحل عديدة من التعديل والإضافات، مما يجعل بناء أي رابط مباشر بين السفر والشخص أمرًا بالغ الصعوبة والتعقيد، ويجعل القدرة على تحديد ما قاله النبي التاريخي أمرًا شبه مستحيل. وبالتالي، فجميع محاولات تحديد الكلمات الأصلية للنبي هي محاولات فاشلة وبلا معنى، بما أن السفر هو من ينتج النبي وليس العكس.

نحن نتخيّل النبي على أنه شخص يعلن كلمة الله. نصف هذا التفكير صحيح ونصفه الآخر خاطئ. فالنبي يعلن كلمة الله للشعب، ولكن النبي، على الأقل بالمفهوم الكتابي، ليس شخصًا، ولكنه سفر. ربما يكون هناك شخص يقف خلف بداية السفر، ويعطيه اسمه، لكن السفر بشكله النهائي هو نتاج جماعة الإيمان ومدارس لاهوتية في جماعة الإيمان، حيث لا وجود في الشرق الأدنى القديم لمفهوم الكاتب المفرد. ومن الهام أن ندرك هنا أن الشعب لم يكن يدمّر التراث الذي ينتمي إلى شعبه، بل يعدّله. الوحيد الذي يدمّر كتابات شعب وحضارة ما هو العدو. أما الشعب نفسه فيعدّل في كتاباته بتغيّر الظروف والخلفية التاريخية والجغرافية والأدبية وتغيّر المدرسة اللاهوتية. وبما أن السفر يعلن كلمة الله لشعب الله في واقعه، فمن الطبيعي أن يقوم شعب الله بتعديل السفر ليعلن من خلاله كلمة الله لواقعه الذي يختبره.

وإذا كانت الصورة الكتابية التقليدية للنبي تأتي من عاموس، كشخص ثوروي ينتمي إلى عامة الشعب، يناديه الله ليحمل رسالته في وجه الملك والكاهن والشعب، فإنه، ورغم أن تلك الصورة التقليدية هي صورة خاطئة للنبي ولا علاقة لها بالنبي الكتابي، لكن عاموس هو السفر الذي يقدّم الصورة الحقيقية للنبي. فالنبي الحقيقي هو، كما يعلن عاموس، ليس من يمتهن النبوّة. النبي الكتابي هو بناء أدبي من انتاج كتبة ومدارس لاهوتية على مر سنين وعقود وقرون من الزمان تقوم بتجميع المواد، وترتيبها، وتعديلها، وإضافتها على نصوص مختلفة قبل أن يبلغ السفر النبوي شكله النهائي. الأسفار النبوية لا تسجّل أقوال أنبياء تاريخيين، ولكنها تسجّل بالأحرى تفسير الذين كتبوا الأسفار لأقوال ونصوص سابقة في قلب واقعهم.

ومن الهام أن ندرك هنا أن النبي الكتابي ليس عرّافًا أو قارئ غيب. فالنبي لا يرى المستقبل ويعلنه بطريقة سحرية عجائبية، لكنه يحلّل الواقع وينتقده في ضوء كلمة الله ويعلن أن هذا الواقع لا بد وأن يقود إلى “هذا المستقبل” في ضوء تلك الكلمة. النبي في المفهوم الكتابي هو من يعلن كلمة الله لشعبه في وسط واقعه الذي يعيش فيه. وبذلك المعنى، الأنبياء الكتابيون هم أسفار وليس أشخاص، بما أن أسفار الأنبياء هي النبي الذي يعلن كلمة الله لشعبه في وسط واقعه الذي يعيش فيه.

ودعونا نشير هنا أن النبوّة في العهد القديم هي أدب، وليس مجرد أقوال نبوية مكتوبة، ولكنها عبارة عن  أعمال أدبية، السفر النبوي هو نمط أدبي خاص بالعهد القديم، لا يوجد شبيه له في المصادر الأخرى. الأنبياء في الكتاب المقدس، بكلمات أخرى أسفار الأنبياء، تحمل رسالة مختلفة عما نجده لدى النصوص النبوية في الشرق الأدنى القديم بأنها نمط أدبي متكامل، وبأنها تحمل رسالة تحدّي للسلطة، السياسية والدينية والاجتماعية، البلاط والهيكل والمجتمع.

وإذا ما كنت النظرة التقليدية تعتبر سقوط المملكة الجنوبية ودمار أورشليم والهيكل على يد البابليين في سنة 586 ق.م. نقطة التراجع وبداية النهاية للنبوّة في إسرائيل، فإن دراسة الأدب الكتابي النبوي تشهد اليوم ثورة حقيقية ترى في دمار أورشليم المفعِّل والمحرِّك الرئيسي عوضًا عن العامل المحبط للأدب النبوي الكتابي، الذي لما كان من معنى له ولوجوده لولا دمار أورشليم والهيكل وسبي الشعب الذي يمثّل، مع العودة من السبي وإعادة بناء أورشليم والهيكل، الموضوع الرئيسي لكل الأدب النبوي الكتابي. وهكذا فأسفار الأنبياء في العهد القديم تنسب إلى “أنبياء” أشخاص من المفترض أنهم كانوا فاعلين بين القرن 8 والقرن 6 ق.م.، لكن من كتب تلك الأسفار في الحقيقة لم يكونوا أولئك الأشخاص ولكن مجموعة من الكتبة الذين كانوا فاعلين بشكل أساسي في الحقبة الفارسية (بين القرن 6 والقرن 4 ق.م.)، بهدف إعلان كلمة الله للشعب في مرحلة السبي والعودة من السبي والتعامل مع أزمة دمار أورشليم والهيكل وتحدّيات إعادة البناء، والأسئلة اللاهوتية الصعبة التي طرحها كل ذلك.

وبالتالي، يمثّل كتبة قرون ما بعد السبي (ما يُعرف بمرحلة الهيكل الثاني) الآباء الفعليين لهذا الأدب، حيث أن كتابة جميع الأسفار النبوية الكتابية قد انتهت في القرنين 3-2 ق.م. وهكذا فالأسفار النبوية في العهد القديم ليست نتاجًا لأنبياء ولكن لكتبة وكهنة استخدموا مفاهيم و”أقوال” نبوية لإنتاج نصوص نبوية تقدّم مفاهيم لاهوتية هامة في حياة شعب الله في زمان كتابتها، ومن ثم في كل زمان ومكان.

ومع النسخة اليونانية السبعينية للعهد القديم خضعت الأسفار النبوية لتعديلات مختلفة، منها تعديل في داخل معظم، إن لم يكن كل، سفر من تلك الأسفار، ومنها تعديل في تقسيم وتصنيف تلك الأسفار. حيث تحوّلت أسفار الأنبياء السابقين جمعها إلى أسفار “تاريخية”. وأصبحت أسفار الأنبياء اللاحقين، بعد إضافة مراثي إرميا ودانيال إليها، وتحوّل سفر الاثني عشر إلى اثني عشر سفر نبي “صغير”، هي “الأسفار النبوية” في العهد القديم في كتابنا المقدس اليوم. ومن الهام أن ندرك أن جميع التقديمات الموجودة في بدايات الأسفار النبوية حول الكاتب وتاريخ الكتابة هي إضافات لاحقة تمت إضافتها في مراحل متأخرة من تطوّر السفر. وبالتالي، كل الأسفار النبوية الكتابية بلغت شكلها النهائي بين سنة 300 وسنة 150 ق.م.

وهكذا فالأنبياء الذين تحدّث من خلالهم الروح القدس هم كتبة أسفار الكتاب المقدس وليس أشخاص أعلنوا كلمة الله إعلانًا شفويًا في وقت ما من التاريخ. فالنبي كما قلنا هو من يعلن كلمة الله لشعبه. فبالنسبة للكنيسة الأولى، الوحي كان يعمل من خلال “الأنبياء” كأسفار، وليس من خلال الأنبياء كأشخاص. وما اعترفت به الكنيسة وقوننته ككتابها المقدس على أنه يعلن كلمة الله هو أسفار وليس أشخاص. وآباء الكنيسة، ومن بعدهم آباء الإصلاح، كانوا يدركون ذلك ويتبنّون ذلك حيث اعتبروا أن الكتاب المقدس بعهدَيه هو وحده “من” يعلن كلمة الله لشعبه، وأن الكنيسة مدعوة، في كل زمان ومكان، لتكون نبوية في حمل كلمة الله لواقعها وفي تحدي ذلك الواقع في ضوء تلك الكلمة.

ولتوضيح مفهوم النبي الكتابي كسفر سنقوم بإلقاء نظرة سريعة على خمسة أسفار نبوية في العهد القديم، اثنان منها ينتميان إلى أسفار الأنبياء الكبار، إشعياء وإرميا، واثنان منها ينتميان إلى أسفار الأنبياء الصغار، هوشع وعاموس، في حين ينتمي السفر الخامس إلى الأسفار “التاريخية” في التصنيف المعتمد في العهد القديم من كتابنا المقدس، ولكنه ينتمي أساسًا إلى أسفار الأنبياء السابقين (الأولين) في النسخة العبرية للعهد القديم. وسنحاول من خلال تلك النظرة السريعة الحصول على فهم أفضل لمفهوم النبي والنبوّة في العهد القديم من كتابنا المقدس.

·     “إشعياء” كسفر نبوي

مما لا شك فيه بأن سفر إشعياء هو أحد أشهر وأهم أسفار الأنبياء في العهد القديم من كتابنا المقدس، وهو، مع سفر المزامير، السفر الأكثر اقتباسًا من العهد القديم في العهد الجديد، وهو السفر الذي يتضمن العدد الأكبر من “النبوّات” حول يسوع المسيح المسّيا المنتظر.

وكما ذكرنا أعلاه، باستثناء بعض الباحثين الراديكاليين، الذين لا زالوا يصرّون على وحدة سفر إشعياء وعلى أنه كُتب بيد واحدة في فترة واحدة، هي يد إشعياء بن آموص في النصف الثاني للقرن 8 ق.م.، تتّفق الغالبية الساحقة من الباحثين على أن السفر يتألف من عدة وحدات مختلفة تعود إلى أيدٍ مختلفة تقف خلف السفر. ورغم أن الباحثين يختلفون في تحديد عدد الوحدات التي يقسمون السفر إليها، حيث يصل عددها لدى بعض الباحثين إلى 55 وحدة، إلا أن الخط الرئيسي المسيطر لدى الباحثين المختصين بدراسة إشعياء يعتبر بأن السفر يتألف من 3 أجزاء رئيسية كما هو مبيّن في بنية السفر أدناه؛ إشعياء الأول (إشعياء 1-39)، إشعياء الثاني (إشعياء 40-55) وإشعياء الثالث (إشعياء 56-66).

     I.          إشعياء الأول:  دينونة إلهية (إشعياء 1-39)

a.    مقدمة (1: 1)

b.   يهوذا، اسرائيل وأشور (1: 1-12: 6)

i.          أمة متمردة (1: 2-31)

ii.          جبل الرب (2: 1-5)

iii.          يوم الرب (2: 6-22)

iv.          دينونة ضد أورشليم ويهوذا (3: 1-4: 1)

v.          غصن الرب (4: 2-6)

vi.          نشيد الكرم (5: 1-7)

vii.          ويلات ودينونة (5: 8-30)

viii.          إرسالية إشعياء (6)

ix.          آية عمانوئيل (7)

x.          أشور كأداة في يد الرب (8: 1-10)

xi.          مخافة الرب (8: 11-22)

xii.          الولد المنتظر (9: 1-7)

xiii.          غضب الرب ضد اسرائيل (9: 8-10: 4)

xiv.          دينونة الله ضد أشور (10: 5-19)

xv.          بقية اسرائيل (10: 20-34)

xvi.          جذع يسى (11)

xvii.          أناشيد تسبيح وحمد (12)

c.    نبوّات ضد الأمم (13-27)

i.          نبوّة ضد بابل (13: 1-14: 23)

ii.          نبوّة ضد أشور (14: 24-27)

iii.          نبوّة ضد الفلسطيين (14: 28-32)

iv.          نبوّة ضد موآب (15-16)

v.          نبوّة ضد دمشق (17)

vi.          نبوّة ضد كوش (18)

vii.          نبوّة ضد مصر (19)

viii.          نبوّة ضد مصر وكوش (20)

ix.          نبوّة أخرى ضد بابل (21: 1-10)

x.          نبوّة ضد أدوم (21: 11-12)

xi.          نبوّة ضد بلاد العرب (21: 13-17)

xii.          نبوّة ضد أورشليم (22)

xiii.          نبوّة ضد صور (23)

xiv.          نبوّة ضد الأرض (24)

xv.          تسبيح وتمجيد للرب (25)

xvi.          نشيد حمد (26)

xvii.          خلاص اسرائيل (27)

d.   اسرائيل، أشور والأمم (28-39)

i.          ويل لأفرايم (28)

ii.          ويل لمدينة داود (29)

iii.          ويل للأمة المتمردة (30)

iv.          ويل للمتكلين على مصر (31)

v.          مملكة الحق (32: 1-8)

 vi.          تحذير لنساء أورشليم (32: 9-20)

vii.          عون في وسط الضيق (33)

viii.          دينونة ضد الأمم (34)

ix.          فرح المفديين (35)

x.          سنحاريب، حزقيا، الرب وأورشليم (36-38)

xi.          وفد من بابل إلى حزقيا (39)

II.          إشعياء الثاني:  خلاص الرب (إشعياء 40-55)

a.    تعزية لشعب الرب (40-41)

b.   نشيد عبد الرب -1- (42: 1-9)

c.    نشيد تسبيح للرب (42: 10-17)

d.   شعب أعمى وأصم (42: 18-25)

e.    خلاص الرب لشعبه (43: 1-13)

f.      رحمة الرب وعدم أمانة اسرائيل (43: 14-28)

g.    بركات الرب لشعبه (44)

h.   كورش مسيح الرب (45: 1-8)

i.      الرب والأصنام (45: 9-25)

j.      آلهة بابل (46)

k.   سقوط بابل (47)

l.      عناد اسرائيل (48: 1-11)

m. تحرير اسرائيل (48: 12-22)

n.   نشيد عبد الرب -2- (49: 1-7)

o.   اعادة بناء أورشليم (49: 8-26)

p.   خطية اسرائيل (50: 1-3)

q.   نشيد عبد الرب -3- (50: 4-11)

r.     خلاص أبدي لصهيون (51: 1-16)

s.     كأس غضب الرب (51: 17-23)

t.     دعوة لأورشليم لتنتفض من التراب (52: 1-12)

u.   نشيد عبد الرب -4- (52: 13-54: 12)

v.    مجد صهيون المستقبلي (54)

w. دعوة للعطاش إلى المياه (55)

III.          إشعياء الثالث: سماء جديدة وأرض جديدة (56-66)

a.    خلاص للغريب وللخصي (56: 1-8)

b.   حكم الرب على الأشرار (56: 9-57: 13)

c.    تعزية للمنسحقين (57: 14-21)

d.   الصوم الحقيقي (58)

e.    خطية، اعتراف وفداء (59)

f.      نور الرب يشرق على صهيون وعبرها (60)

g.    سنة الرب المقبولة (61)

h.   اسم صهيون الجديد (62)

i.      يوم انتقام وفداء الرب (63: 1-6)

j.      تسبيح وصلاة (63: 7-64: 12)

k.   دينونة وخلاص (65: 1-16)

l.      سماوات جديدة وأرض جديدة (65: 17-25)

m. دينونة ورجاء (66)

البنية الهيكلية لسفر إشعياء

فكل من يقرأ إشعياء لن يجد صعوبة كبيرة في ملاحظة أن السياق والإطار التاريخي لإشعياء 40-55 يختلف بشكل واضح عن السياق والإطار التاريخي لإشعياء 1-39، وكلاهما يختلفان عن السياق والإطار التاريخي لإشعياء 56-66.

فالعدو في إشعياء الأول هو المملكة الأشورية (935-612 ق.م.) (إشعياء 10؛ 14: 24-27…)، في حين أن العدو في إشعياء الثاني هو المملكة البابلية (الكلدانية) (610-539 ق.م.) (إشعياء 46؛ 47؛ 48: 20-21…).  كما أن الملك الذي يشير إليه إشعياء الثاني هو الملك الفارسي كورش مؤسس المملكة الفارسية والذي أسقط بابل في سنة 539 ق.م. (إشعياء 41: 2-3، 25؛ 44: 24-45: 13؛ 48: 14) وليس الملك الأشوري الذي يشير إليه إشعياء الأول (10: 5-19).  وفي نفس الوقت، الشعب في إشعياء الثاني موجود في السبي في بابل، وليس في أورشليم كما هو حاله في إشعياء الأول. بالإضافة إلى ذلك، يتضمن إشعياء 40: 1-11 قصة إرسال النبي في احتفال سماوي آخر في مقابل قصة إرسال النبي في الاحتفال السماوي الشهير في إشعياء 6، مع فارق أساسي وهو أن رسالة الله في إشعياء 40 هي رسالة خلاص وليس دينونة كما هو الحال في إشعياء 6. وهكذا فمن الواضح أن الخط العام لإشعياء الثاني إنما يعود إلى مرحلة السبي وبدء العودة من السبي. وبنفس الطريقة، من الواضح للقارئ المتمعّن والأمين أن الخط الرئيسي لإشعياء الثالث إنما يعود إلى مرحلة العودة وإعادة الإعمار.

انطلاقًا من ذلك، كما ذكرنا أعلاه، الغالبية العظمى من الباحثين يقبلون اليوم نظرية تأليف إشعياء من قِبَل عدة كتّاب ينتمون إلى مدارس لاهوتية مختلفة خلال فترة طويلة من الزمن تبدأ في الزمن الذي من المفترض أن إشعياء بن آموص، الذي يحمل السفر اسمه، عاش فيه في نهايات القرن الثامن ق.م. وتمتد حتى ستة قرون (القرن 8 – القرن 2 ق.م.).

وبالتالي، فسفر إشعياء هو مثال للنبي الكتابي، الذي هو ليس شخصًا، ولكنه سفر تمّت كتابته عبر رحلة طويلة من التطوّر والتحرير، تمّ خلالها تجميع وإعادة قراءة وتقديم واستخدام كما إضافة “نبوّات” مختلفة في سبيل إعلان كلمة الله لشعب الله في واقعه الذي يتغيّر بتغيُّر ظروفه والخلفية التاريخية واللاهوتية والأدبية التي يعيش فيها ويختبرها.

·     “إرميا” كسفر نبوي

إذا كان إشعياء هو سفر الأنبياء الأشهر في العهد القديم، فإن إرميا هو سفر الأنبياء الأطول، لا بل هو السفر الثاني من حيث الطول، بعد سفر المزامير، بين جميع أسفار العهد القديم. ورغم أن عدد إصحاحات إرميا أقل من عدد إصحاحات إشعياء إلا أن إرميا يفوق إشعياء طولًا لأن اصحاحاته أطول. وعلينا أن نتذكّر هنا أن تقسيم أسفار الكتاب المقدس إلى إصحاحات لم يحصل إلا في القرن 13 م. (في حين أن تقسيمها إلى آيات حصل في القرن 16 م.).

ولا شك بأن إرميا هو أحد الأنبياء الذين يتّفق معظم الباحثين على وجوده كشخص، وأنه مارس دعوته ودوره النبويين في بدايات القرن 6 ق.م. وتعتبر النظرة التقليدية بأن السفر يجب أن يكون قد كُتب على يد إرميا النبي الشخص، وفي تلك الفترة بالذات، فترة السبي ودمار أورشليم ونقل العاصمة إلى المصفاة ومن ثم هرب جزء من الباقين في الأرض إلى مصر. ومن الهام أن ندرك هنا أن السبي البابلي للمملكة الجنوبية قد تمّ على مراحل، وإن كان أشهرها السبي الذي ترافق بدمار أورشليم والهيكل والقضاء على مملكة يهوذا، في سنة 586 ق.م.

وكل من يقرأ إرميا بتمعّن لا بد وأن يلاحظ أمرين رئيسيين. فهو سيلاحظ وجود انقسام حاد وصراع شرس بين أربع جماعات مختلفة لشعب الله في تلك الفترة، وهم مسبيّي 598، ومسبيّي 586، ومسبيّي 582، والباقين في الأرض. وفي نفس الوقت، سيلاحظ القارئ المتمعّن وجود تيارين مختلفين متنازعين في السفر. فمن جهة أولى، يتضمّن السفر صوت تيّار قومي يُعلن بأن الرب لا بد وأن يحارب إلى جانب شعبه المختار في مواجهته لأعدائه، سواء الامبراطورية الأشورية أو من بعدها الامبراطورية البابلية. وبالتالي يدعو يهوذا لمحاربة جميع “أعدائها” باسم الرب الذي سيحارب عنها. ويرى هذا الخط سقوط يهوذا وسبيها على أنه عقوبة من الرب لها نتيجة لعدم طاعتها له، ويدعوها بالتالي، مرارًا وتكرارًا بعد كل سقوط، لكي تعود إلى الله وتلتزم بشريعته وتحارب باسمه واثقة من نصرته لها. ومن الواضح أن هذا التيار القومي هو ذو لاهوت تقليدي يتبنّى مفهوم المجازاة (الثواب والعقاب) ولذلك يرى سقوط أورشليم كعقاب من الله على خطيئتها. وبالتالي، فهذا الخط يُعلن مجيء الدينونة على يهوذا كما على جميع الأمم الأخرى بما في ذلك بابل، ويعتبر أن سبب تلك الدينونة هو تمرّد بني إسرائيل منذ خروجهم وتحرّرهم من مصر حتى سبيهم وما وراءه رغم كل تحذيرات الأنبياء؛ الأمر الذي جعل يهوذا تستحق العقاب ومعاناة نفس مصير الأمم الأخرى. ويدعو هذا الخط يهوذا لمحاربة البابليين باسم الرب وللتعاون مع المصريين في سبيل تحقيق النصر (7: 4، 13ب، 15، 16، 20، 21-28؛ 11: 14؛ 14: 11؛ 25: 1-5، 8-11أ، 13-17، 19-33؛ 26: 5-9، 17-19، 24؛ 28: 8-9؛ 29: 8-9، 15، 21-22؛ 35: 1-19؛ 44: 1-4، 11، 27).

ومن جهة ثانية، يتضمن إرميا صوت تيّار عالمي يرى أن الرب هو إله كل الكون، الذي يرفض أي عنف أو حرب باسمه، ويُعلن أن نتيجة مثل هكذا عنف أو حرب إنما هي دمار شعبه قبل غيره. وهذا التيّار هو تيّار يرفض مفهوم المجازاة ورؤية سقوط أورشليم كعقوبة يمكن تجنّبها والقيام بدفع الرب للمحاربة عن الشعب وتخليص الشعب بمجرد التوبة. ولذلك، فهذا الخط يحذّر الشعب من محاربة البابليين باسم الرب ومحاولة الاستعانة بالمصريين للتغلّب عليهم، وعلى العكس من ذلك، يدعو الشعب للخضوع للبابليين. ويتمسّك هذا الخط بإعلان الرجاء للجماعة المسبية، كما للجماعة الباقية (7: 1-3، 5-14، 17-19، 30-34؛ 8: 1-3؛ 24: 1-10؛ 25: 9ب، 11ب-12أ، 18؛ 26: 1-4، 6أ، 9أ، 10-16؛ 27: 1-22؛ 28: 1-7، 10-17؛ 29: 1-7، 10-14، 16-19، 24-32؛ 44: 7، 9-10، 12-23، 26، 28-30).

وبالتالي، تنتمي جميع أجزاء سفر إرميا ونصوصه المختلفة والتي تمت كتابتها من قبل جماعات شعب الله المختلفة والتي تمّت إضافتها خلال مراحل كتابته وتطوّره المختلفة والتي امتدّت لعدة قرون إلى إحدى هاتين المدرستين اللاهوتيتين اللتين تتبنّيان الخطّين اللاهوتيين المختلفين والأيديولوجيتين المختلفتين اللتين تقفان بشكل واضح خلف سفر إرميا.

وبالتالي، فرغم الاتفاق الواسع على وجود إرميا الشخص، ورغم أن إرميا الشخص لعب غالبًا دورًا أساسيًا في بدء السفر الذي يحمل اسمه، لا بل وربما في وضع خطّه اللاهوتي الرئيسي، إلا أنه من الواضح أن سفر إرميا لم تتم كتابته من قبل شخص واحد. فكما رأينا أعلاه، من الواضح بأن السفر قد كُتب من قبل مدرستين لاهوتيتين مختلفتين تتبنّيان خطّين لاهوتيين مختلفين وأيديولوجيتين مختلفتين تقفان بشكل واضح خلف سفر إرميا؛ الأمر الذي أدّى إلى تضمّن إرميا لخطين لاهوتيين وأيديولوجيين رئيسيين مختلفين إلى جانب مجموعة من الإضافات الأخرى.

انطلاقًا من ذلك، يتميّز سفر إرميا بأنه يقدّم مفاهيم لاهوتية متنوّعة لله وللحياة ولاختبارات جماعة الإيمان المختلفة لحياتها في ضوء إيمانها وعلاقتها بالرب، وبأنه يتضمّن حوارًا لاهوتيًا حيًّا فريدًا في السفر نفسه بين الأصوات اللاهوتية المتناقضة والمتعاكسة التي تقف وراء السفر، والتي تتحاور وتتواجه حول من يتمتّع بفهم أفضل للتاريخ ولعلاقة ذلك بالإيمان وتجعل أية قراءة تعتمد ربط السفر بشخص واحد أو حتى خط لاهوتي واحد قراءة محكومة بالفشل في إدراك غنى السفر ورسالته.

·     “هوشع” كسفر نبوي

يُعتبر سفر هوشع وسفر عاموس من أهم أسفار الأنبياء الصغار. وتُعتبر النظرة التقليدية بأن كلا السفرين قد كُتبا في فترة حكم يربعام الثاني على مملكة إسرائيل (المملكة الشمالية) في النصف الأول من القرن 8 ق.م.؛ الأمر الذي يجعلهما من الأقدم بين جميع أسفار الأنبياء.

ولكن يتفق الباحثون اليوم على أن هوشع 1: 1، والذي يشير إلى أن نبوّات هوشع إنما تعود إلى فترة حكم ملوك يهوذا عزيا، يوثام، آحاز وحزقيّا، وفترة حكم ملك إسرائيل يربعام الثاني، هو، كما المقدّمات الافتتاحية أو عناوين أسفار الأنبياء المختلفة، إضافة لاحقة للسفر. وفي ذلك السياق، يشير ذكر يربعام الثاني وحده بين ملوك إسرائيل (المملكة الشمالية) في مقابل ذكر أربعة ملوك من ملوك يهوذا (المملكة الجنوبية) إلى معرفة كاتب هذه الآية بملوك يهوذا أكثر من معرفته بملوك اسرائيل.

فيربعام الثاني (786-746 ق.م.)، الذي يُعتبر، كما تثبت الدراسات التاريخية، أحد أهم ملوك المملكة الشمالية من الناحية السياسية والاقتصادية، وتميّزت فترة حكمه برخاء واستقرار نسبيين على مختلف النواحي الاقتصادية والسياسية والعمرانية؛ الأمر الذي تعكسه بعض المقاطع في سفر هوشع (4: 1-5: 7؛ 10: 13-14؛ 8: 14… إلخ.).

وتظهر الأبحاث التاريخية أن الملك الأشوري تغلاق فلاصر الثالث قد شنّ في سنة 743 ق.م. حملة شهيرة باتجاه سورية وفلسطين، قام خلالها ملك اسرائيل آنذاك، منحيم (745-738 ق.م.) بالخضوع للملك الأشوري ودفع جزية كبيرة له للبقاء على عرش السامرة (2 ملوك 15: 17-20)؛ الأمر الذي يعتبر الباحثون بأن هوشع 7: 11 و8: 9 إنما يشير إليه.

ولكن بعد موت منحيم، قام فقح بن رمليا باغتيال ابن منحيم ووريثه على العرش، فقحيا، والاستيلاء على عرش السامرة (2 ملوك 15: 23-27)، قبل أن ينضم إلى الآراميين والفلسطيين في تحالف مضاد للأشوريين؛ الأمر الذي جلب على اسرائيل غضب تغلاث فلاصر الثالث، الذي قاد حملة جديدة احتل فيها معظم أراضي المملكة الشمالية، ولم يترك سوى السامرة وبعض التلال في أفرايم تحت سلطة إسرائيل.

ونتيجة لذلك يقوم هوشع بن آيلة باغتيال فقح بن رمليا، ومن ثم بدفع الجزية سريعًا للملك الأشوري طلبًا السلام معه لفترة قصيرة قبل أن يحاول الملك هوشع التخلّص من نير أشور من خلال التعاون مع عدوتها الأكبر، مصر (هوشع 7: 11؛ 9: 3؛ 11: 5؛ 12: 1؛ 2 ملوك 17: 4)؛ الأمر الذي جلب على إسرائيل غضب الملك الأشوري شلمناصر الرابع، الذي يعتبر الباحثون أنه من يشير إليه هوشع 10: 14 باسم شلمان، مما أدّى في النهاية إلى سقوط السامرة وانتهاء وجود المملكة الشمالية على يد ابن وخليفة شلمناصر الرابع، سارغون الثاني، الذي احتل السامرة في سنة 720 ق.م.

وعليه فالباحثون يعتبرون اليوم أن سفر هوشع يدور أساسًا حول حكم الملك هوشع بن أيلة، وهو ما يقف خلف اسم السفر الذي يشير إلى كونه يدور حول الملك هوشع بن أيلة، الملك الأخير على عرش السامرة، وليس إلى كونه مكتوبًا بيد نبي لا نعرف عنه شيء يُدعى هوشع. وبالطبع، وكما في حالة جميع الأسفار الأخرى، هذا الأساس قد خضع لرحلة طويلة من التحرير والاضافات قبل أن يصل إلى سفر هوشع بشكله النهائي الذي نعرفه به اليوم.

وبالتالي، فسفر هوشع يتحدّى مفهوم النبي الشخص، ويدعونا لقراءة النبي السفر وسماع صوته وهو يتعامل مع حياة وصراع شعب الله ويعلن كلمة الله له في وسط ذلك.

·     “عاموس” كسفر نبوي

كانت النظرة التقليدية إلى عاموس تفترض بأن عاموس النبي الشخص الذي كتب السفر، والذي يحمل سفر عاموس اسمه، قد عاش وتنبأ في حوالي منتصف القرن 8 ق.م.، وذلك اعتمادًا على عاموس 1: 1 وإشارتها إلى يربعام الثاني ملك إسرائيل وعزيا ملك يهوذا والزلزلة التي حصلت، كما تثبت الأبحاث التاريخية اليوم، في سنة 760 ق.م.

ولكن أصبح من الواضح بالنسبة للمختصّين اليوم أنه كما في حالة بقية الأنبياء الصغار، فإن عاموس 1: 1 هي إضافة لاحقة ومتأخرة جدًا للسفر. ويعتبر معظم الباحثين اليوم أن تلك الإضافة قد جاءت من مصدرين مختلفين. المصدر الأول هو السفر نفسه في إشارته إلى يربعام، ملك إسرائيل وإلى “بيت يربعام” في 7: 9-11. في حين أن المصدر الثاني هو 2 ملوك 15: 1 حيث يتزامن حكم يربعام الثاني في إسرائيل مع حكم الملك عزيا في يهوذا.

وبالتالي، فعاموس 1: 1 وتحديد الزمن الذي “عاش” وتنبّأ فيه عاموس إنما تعتمد في النهاية على الإشارة إلى “بيت يربعام” في عاموس 9. ولكن هذه الإشارة لا تعني بالضرورة أن السفر يتحدّث عن يربعام الثاني، حيث أن الاحتمال الأكبر هو أن بيت يربعام الذي يشير إليه السفر إنما هو إشارة إلى يربعام الأول، الذي يقدّمه سفر الملوك على أنه مؤسس المملكة الشمالية. وبالتالي فعاموس يتحدّث عن مملكة إسرائيل بشكل عام، وليس عن زمن ملك معيّن، حيث أنه كان من الشائع في الشرق الأدنى القديم بدعوة المملكة كـ”بيت” مؤسسها، كما هو الحال مع “بيت داود”.

وبالتالي، فالافتراض التقليدي بأن الزلزلة التي يشير إليها السفر في 1: 1 وفي 9: 1، هي الزلزلة التي حصلت حوالي 760 ق.م.، هو افتراض غير صحيح. فالإشارة إلى الزلزلة في عاموس 1: 1 هي كما كل هذه المقدمة الافتتاحية للسفر إضافة لاحقة للسفر. وبالتالي، فليس من الضروري قراءة عاموس 9: 1 على أنها تشير إلى زلزلة أرضية ككارثة طبيعية، لأنها بالحقيقة تشير إلى دمار الهيكل في إطار حرب وقتال وسيف؛ وهو ما يتّفق مع دمار الهيكل وأورشليم على يد البابليين في 586 ق.م.

حيث يعتقد الباحثون اليوم أنه مع دمار أورشليم وهيكلها على يد البابليين في 586 ق.م.، وهو ما تشير إليه عاموس 9: 1 (وليس زلزلة 760 ق.م.)، لا بد بأنه قد تم نقل الأجزاء الرئيسية من أسفار الكتاب المقدس التي كان قد بوشر بكتابتها في تلك الفترة، هوشع وعاموس وميخا وصفنيا، إلى العاصمة الجديدة التي اعتمدها البابليون في المصفاة في بنيامين. وهناك في هيكل بيت إيل، القريبة من المصفاة، خضعت تلك الأسفار الأربعة لعملية تطوير وإعادة تحرير، إلى أن تمّت إعادة بناء أورشليم في النصف الثاني للقرن 5 ق.م.، حيث عادت عندئذ إلى أورشليم، وخضعت هناك لعملية تطوير وإعادة تحرير جديدة.

ويمكننا، في ذلك السياق، أن نربط المواجهة بين عاموس ويربعام الملك وأمصيا الكاهن في عاموس 7: 10-17 بالمواجهة بين يربعام الأول ونبي مجهول الهوية في 1 ملوك 13: 1-10، والمواجهة بين أمصيا ملك يهوذا ونبي مجهور الهوية في 2 أخبار الأيام 25: 14-16. ومن المثير للاهتمام أن المواجهة بين يربعام والنبي المجهول في 1 ملوك 13: 1-10 تحصل في بيت إيل، وهو الهيكل الذي تثبت الأبحاث اليوم أنه لعب دورًا هامًا في تطوّر أسفار الكتاب المقدس، ومن بينها سفر عاموس، خلال فترة دمار أورشليم.

وبالتالي، فسفر عاموس هو سفر قد تمّت كتابته خلال رحلة طويلة بدأت بكتابة أجزاء صغيرة منه قبل دمار أورشليم في بداية القرن 6 ق.م، وربما قبل ذلك، ولكنها تطوّرت بشكل واضح في فترة ما بعد السبي، ولم تبلغ نهايتها إلا في الحقبة الهلينية اليونانية في القرن 3 ق.م.، وانتقل خلالها السفر من أورشليم إلى بيت إيل قبل أن يعود إلى أورشليم.

وهكذا، فرحلة عاموس النبي في السفر هي انعكاس لرحلة السفر نفسه؛ وهو أمر يتّفق إلى حد بعيد مع مفهوم أن النبي الكتابي هو سفر وليس شخص. فعاموس النبي هو سفر عاموس الموجود في كتابنا المقدس اليوم.

·     سفر الملوك كسفر نبوي

ينتمي سفرا الملوك في العهد القديم من كتابنا المقدس إلى الأسفار “التاريخية”، في تبنٍّ واتباع، كما رأينا أعلاه، لتصنيفهما في النسخة اليونانية السبعينية للعهد القديم. وتعتبر النظرة التقليدية بأن سفري الملوك يسجلان “تاريخ” مملكة إسرائيل من حكم سليمان إلى انقسام المملكة بعده حتى سقوط المملكة الشمالية على يد الأشوريين ومن ثم سقوط المملكة الجنوبية على يد البابليين. وبالتالي، سفرا الملوك هما من أهم الأسفار المستخدمة في تبرير محاولة دولة إسرائيل المعاصرة ودعم الصهيونية المسيحية لها في محاولة “إعادة” بناء مملكة سليمان.

         ولكن كما رأينا أعلاه، ينتمي سفرا الملوك، واللذين كانا أساسًا سفرًا واحدًا، في تصنيفهما الأصلي في النسخة العبرية للعهد القديم، إلى أسفار الأنبياء؛ الأمر الذي يقتضي قراءته كسفر نبوي وليس كسفر تاريخي. ولكن هنا لا بد لنا من التعامل مع عدد من الأسئلة المنطقية المطروحة هنا: كيف يكون سفر الملوك سفرًا نبويًا؟ من المفهوم أن يكون إشعياء وإرميا وهوشع وعاموس وغيرها أسفارًا نبوية، ولكن كيف يكون سفر الملوك، ومعه أسفار يشوع والقضاة وصموئيل، أسفارًا نبوية؟ للإجابة على هذه الأسئلة دعونا نشير إلى عدد من النقاط الرئيسية في فهمنا لسفر الملوك، كما لغيره من أسفار الأنبياء السابقين (الأولين) وتعاملنا معه.

فسفر الملوك هو ليس سفرًا حول الملوك فقط ولكنه حول الملوك والأنبياء، الذين يلعبون دورًا أساسيًا في قصة السفر، ويمثّلون أبطاله الرئيسيين (انظر الجدول أدناه). وسفر الملوك هو، كما يظهر في المخطط أدناه، السفر الثاني في كامل العهد القديم من حيث عدد مرات ظهور كلمة “نبي”.

ملوك يهوذا

 

ملوك اسرائيل الأنبياء في السفر
داود داود، ناثان
سليمان

 

 

ناثان، سليمان، أخيا
رحبعام يربعام أخيا، شمعيا، نبي غير محدد
أبيا
آسا
ناداب
بعشا ياهو بن حناني
أيلة
زمري
عمري
آخاب إيليا، أليشع، نبي غير محدد
يهوشافاط
أخزيا
يهورام
يهورام
أخزيا
عثليا/يهوآش ياهو
يهوأش
يهوآحاز
يوآش
أمصيا

 

يربعام

 

يونان بن أمتاي
عزريا
زكريا
شلوم
منحيم
فقحيا
فقح
يوثام
أحاز
هوشع
حزقيا إشعياء بن آموص
منسى نبي غير محدد
آمون
يوشيا خلدة
يهوآحاز
يهوياقيم
يهوياكين
صدقيا

الملوك والأنبياء في سفر الملوك

 

20

 

10

 

0

         تك         لا      تث     1صم    2ملوك    إر              مز        دا       2أخ

عدد مرات ظهور كلمة “نبي” في كل 1,000 كلمة

في نفس الوقت، مركز سفر الملوك لا يتمحور حول الملوك، ولكنه يتمحور حول قصة النبي الأشهر في العهد القديم، والذي يلعب دور الممثل للأنبياء في قصة تجلّي الرب يسوع (متى 17: 3؛ مرقس 9: 4؛ لوقا 9: 30)، إيليا، أو بالأحرى قصة نبيين، هما إيليا وأليشع، واللذان يمثلان البطلين الأكثر أهمية لسفر الملوك، ويشكلان معًا ما يعرف بحلقة إيليا-أليشع، التي تشكل مركز سفر الملوك قبل عملية فصله إلى اثنين (1 ملوك 17-2 ملوك 13). كما يَعتبر الكثيرون بأن إيليا وأليشع هما النبيان الأهم في العهد القديم؛ وفي العهد الجديد، يصبح إيليا نموذجًا للأنبياء في كل العهد القديم حيث يظهر في التجلي ممثّلًا للأنبياء (متى 17: 3؛ مرقس 9: 4؛ لوقا 9: 30). ولكن علينا أن ندرك هنا أن إيليا في العهد الجديد يظهر كممثّل لأسفار الأنبياء، وليس للأنبياء كأشخاص، لأن الكتاب المقدس في زمن يسوع هو الناموس والأنبياء (متى 5: 17؛ 22: 40). وبالتالي، فالأنبياء بالنسبة للعهد الجديد هي أسفار الأنبياء.

ودعونا نشير هنا إلى أن قصة إيليا في سفر الملوك مرسومة بطريقة تجعل منه “النبي النموذجي” مثل، أو على مثال، موسى.

الحدث قصة موسى قصة إيليا
عدم تحديد هوية الأهل خروج 2: 1 1 ملوك 17: 1
اضطهاد وهرب خروج 2: 11-4: 26 1 ملوك 17: 2-18: 1
لقاء مع المضطهدين خروج 5: 15 1 ملوك 18: 2-46
في جبل الرب خروج 19-لا 36 1 ملوك 19: 1-18
تعيين خليفته عدد 27: 12-23؛ تثنية 31: 1-8 1 ملوك 19-21
انتهاء الحياة شرقي نهر الأردن تثنية 34: 1-5 2 ملوك 2: 1-10
عدم وجود قبر تثنية 34: 6 2 ملوك 2: 11

رسم صورة إيليا على مثال صورة موسى في سفر الملوك

وبالتالي، فالقصة تقدّم إيليا على أنه “النبي مثل موسى”، ومن ثم تقدّم أليشع كخليفة لإيليا، وعلى أنه “النبي مثل إيليا”. وإيليا، مثل موسى، ينتهي على الضفة الشرقية لنهر الأردن، في دعوة لإعادة كتابة الشعب لقصته في الأرض. ومع اختفاء إيليا، النبي النموذجي “مثل موسى”، والذي يمثّل الأنبياء في كل العهد القديم، في شرق الأردن، بعيدًا عن أورشليم، ومن دون أن يترك أي أثر له، يشير إلى أن البداية الجديدة لقصة الشعب لا وجود فيها للأنبياء كأشخاص.

ولفهم ذلك علينا أن نلاحظ هنا أن إيليا عوضًا عن أن يشق النهر بعصاه أو بيده، كما يفعل موسى عند عبور بحر “سوف” (بحر النهاية) (خروج 14: 16، 21)، يشق إيليا النهر بردائه بعد أن يلف رداءه (2 ملوك 2: 8)، المصنوع من جلد الخروف، كما يدل التعبير العبري المستخدم، وهو نفس الرداء الذي لف به إيليا وجهه عندما عبر الرب على جبل حوريب. ويشير النص إلى رداء إيليا كجلد خروف يتم لفه كسفر، وبطريقة يتحول فيها جلد الخروف من رداء للاكتساء إلى سفر للكتابة. وهذا الرداء نفسه سيلعب دورًا محوريًا في خلافة أليشع لإيليا بعد اختفائه. وبالتالي، ما يشق به إيليا النهر هو سفر، وما يحصل عليه أليشع من إيليا، ويعطيه ضعفي روح إيليا، هو السفر.

فمع صعوده في مركبة النار والخيل إلى السماء واختفائه النهائي، يستخدم أليشع الرداء (السفر) الذي تركه له إيليا لعبور الأردن مرة أخرى في طريق العودة إلى أرض كنعان، وهو يصرخ “أين هو الرب إله إيليا؟” (آية 14)[1]، وليس “أين هو إيليا؟” بما أن إيليا قد اختفى للأبد، ولم يبق منه إلا رداءه، المصنوع من جلد الخروف (وهي نفس المادة التي كانت تصنع منها الأسفار للكتابة) والملفوف كسفر. وهكذا يختفي إيليا الشخص (2 ملوك 2: 16-18) ولا يبقى منه سوى ردائه، أي السفر. إيليا يختفي لأنه ليس هناك مكان لشخص إيليا، ولا يبقى إلا كلمة الله.

النص يعلن بأن روح إيليا قد انتقل إلى أليشع (2 ملوك 2: 15) عن طريق التركيز على حصول إليشع على رداء إيليا. ورغم أنه طلب “نصيب اثنين من روحه” أي قوة مضاعفة لقوته (2 ملوك 2: 9)، رغم أن أليشع يكرّر عدة معجزات من معجزات إيليا لا بل ويتم تقديمها بطريقة أكثر تفصيلًا (1 ملوك 17: 8-16 // 2 ملوك 4: 1-7؛ 1 ملوك 17: 17-24 // 2 ملوك 4: 8-37) بالإضافة إلى قيامه بعدة معجزات جديدة (2 ملوك 4: 38-41، 42-44؛ 5: 1-27)، إلا أن حلقة أليشع تظهر تراجعًا في دور النبي الشخص إلى أن يختفي مع موت أليشع، إلا أن سفر الملوك يقدّم أليشع على أنه فقد الكثير من قوة إيليا، والمعجزات التي يصنعها هي “نسخة” ضعيفة من معجزات إيليا. فأليشع لا يستطيع سوى أن يكثر الزيت وبشكل يحدّده عدد الأوعية التي تستطيع الأرملة أن تؤمّنها (2 ملوك 4: 1-7) في حين ينجح إيليا في تكثير الدقيق إلى جانب الزيت ولطوال فترة الجفاف والمجاعة (1 ملوك 17: 8-16). وأليشع يحتاج إلى محاولتين لينجح في إقامة ابن المرأة الشونمية (2 ملوك 4: 8-37)، في حين ينجح إيليا في شفاء/ إقامة ابن أرملة صرفة صيدون من أول محاولة (1 ملوك 17: 17-24). من خلال ذلك، يعلن سفر الملوك بأن أليشع لا يمثّل نبيًا مثل إيليا، النبي مثل موسى، ولكنه يمثّل مرحلة نهاية النبي الشخص.

وتظهر مرحلة نهاية النبي الشخص مع أليشع في العديد من قصصه في سفر الملوك. فقصة شفاء نعمان السرياني (2 ملوك 5)، والتي هي إحدى أشهر قصص أليشع تتضمن العديد من نقاط ضعف دور أليشع النبي كشخص. فنعمان يُشفى بالاستحمام في نهر الأردن، طاعةً لـ “كلمة” أليشع، ولكن من دون حتى أن يلتقي بأليشع ولو لمرة واحدة. وبالتالي، ما يشفي نعمان هو الالتزام بـ “كلمة” “النبي”، من دون أية حاجة إليه كشخص.

بدورها تؤكد قصة مسح ياهو بن نمشي ملكًا على إسرائيل (2 ملوك 9: 1-13) على نهاية النبي الشخص. فالرب يعطي مسؤولية مسح ياهو ملكًا على إسرائيل إلى إيليا (1 ملوك 19: 15-17)، الذي لا ينفّذ ذلك، بل يتركه لأليشع، الذي يقوم، عوضًا عن أن يذهب هو شخصيًا، بإرسال واحد من بني الأنبياء لا اسم محدّد له، أو لا هوية شخصية أو تحديد لمن هو كشخص لينفذ المهمة عوضًا عنه (2 ملوك 9: 1-3). بل ويقوم هذا النبي غير المحدّد الهوية بتطوير وتفسير الخطاب الذي يوصيه أليشع بأن يعلنه لياهو وتفسير إرسالية الله أساسًا لإيليا (1 ملوك 21: 21-24؛ 2 ملوك 9: 6-10). وبالتالي، فهذه القصة تعلن ببساطة عدم الحاجة لوجود إيليا أو حتى أليشع شخصيًا، ولكن لوجود “نبي” يطوّر ويفسّر كلماتهما وينقلها لشعب الرب.

وفي ذلك السياق، في نهاية حلقة إيليا- أليشع، يموت أليشع من دون أن يسمّي أية خليفة له، ويُدفن في مكان لا يتم تحديده، في حين أن تلميذه ومساعده جيحزي كان قد أصيب بالبرص هو وكل نسله إلى الأبد كعقوبة له بسبب استفادته “شخصيًا” من شفاء نعمان السرياني (2 ملوك 5: 26-27). لا بل وتختتم حلقة إيليا-أليشع بقصة غريبة لقيامة رجل من الموت لمجرد مسه لعظام أليشع بعد أن ألقاه من كانوا يدفنونه هناك وهم يهربون من الموآبيين (2 ملوك 13: 20-21)، من دون تقديم أي تفسير لسبب كون قبر أليشع مفتوح، أو حتى لتحديد مكان وجود القبر وحصول القصة، في إشارة واضحة إلى أن أليشع الشخص يموت، لكن “النبي”، الذي هو سفر وليس شخصًا، يبقى حيًا.

         بعد موت أليشع، يذكر سفر الملوك أربعة أنبياء، هم يونان بن أمتاي (2 ملوك 14: 25)، إشعياء بن آموص (2 ملوك 18-20)، أنبياء بلا اسم محدد (2 ملوك 21: 10)، وخلدة (2 ملوك 22: 11-20)، وجميعهم يخدمون مفهوم نهاية الحاجة إلى النبي الشخص.

         فالرب يعلن كلمته بحسب سفر الملوك عن “يد”، وليس على فم، عبده يونان بن أمتاي النبي (2 ملوك 14: 25). وبالتالي، فالنبي هنا هو مجرد ناقل لكلمة الرب “بيده”، أي بكتابة تلك الكلمة في سفر.

وهو نفس الدور الذي يلعبه الأنبياء، ولا اسم محدّد لهم في 2 ملوك 21: 10، حيث يقومون هم أيضًا بإعلان كلمة الرب بيدهم، أي بأسفار يكتبونها ويعلنون بها كلمة الرب.

في حين أن إشعياء بن آموص هو النبي الكتابي القانوني الوحيد المذكور في سفر الملوك، وذلك بسبب اقتباس مباشر لسفر إشعياء 36-39 في 2 ملوك 18-20، وذلك بهدف الربط بين سفر الملوك، السفر الأخير بين أسفار الأنبياء السابقين أو الأولين، وسفر إشعياء، السفر الأول بين أسفار الأنبياء اللاحقين أو الآخرين. فسفر الملوك كالسفر الأخير بين أسفار الأنبياء السابقين أو الأولين يخدم كمقدّمة “تاريخية” لأسفار الأنبياء اللاحقين أو المتأخرين. وبالتالي، إشعياء الذي يُذكر هنا هو إشعياء السفر وليس الشخص.

أما فيما يتعلق بخلدة، النبية الأخيرة في سفر الملوك، (2 ملوك 22: 11-20)، فكل ما تقوم به هو دعوة الملك يوشيا وكل الشعب إلى الالتزام الكامل بالتوراة، التي يجدها يوشيا في الهيكل أثناء عملية ترميمه له (آية 8). وبالتالي، فالدور الوحيد لخلدة “النبية” يتلخّص بالدعوة للالتزام الكامل بالتوراة، في تأكيد صريح بأن دور الأنبياء هو توجيه الشعب للالتزام بكلمة الرب.

في النهاية، ينتهي سفر الملوك مع “العثور” على التوراة (2 ملوك 22-23)، وبقائها وحدها بعد دمار المملكة والملوك وأورشليم والهيكل والأنبياء. وبالتالي، فسفر الملوك ينتهي مع اختفاء بطلَيه الرئيسيين، الملوك، ومعهم المملكة، والأنبياء، ومع دمار أورشليم وبقاء التوراة وحدها، في دعوة صريحة لشعب الله وهو في مرحلة إعادة البناء ليتعلّم من أخطاء الماضي ويؤسس حياته التي يعيد بناءها على كلمة الله وحدها.

انطلاقًا من كل ما سبق يصبح من الواضح أن سفر الملوك هو سفر نبوي لأنه يعلن كلمة الله، ويدعو الشعب ليؤسس حياته ويعيد بناءها على كلمة الله؛ في ضوء كلمة الله يعلن أن ما عاشه شعب الله وبنى حياته على أساسه كان خاطئًا وساقطًا، وعليه الانطلاق في بداية جديدة، مؤسسة على كلمة الله، يتجنّب فيها السقوط في أخطاء الماضي.

خاتمة

كما رأينا أعلاه، النبوّة ليست عرافة وإعلان توقّعات للمستقبل، والنبي ليس عرّافًا أو قارئًا للغيب أو حتى شخص ثوروي، والعهد القديم ليس مجرّد إعلان نبوّات للتحضير ليسوع المسيح.

النبوّة هي إعلان كلمة الله لشعب الله في قلب واقعه الذي يعيشه وقراءة ذلك الواقع في ضوء كلمة الله. والنبي في العهد القديم هو ليس مجرّد شخص، رغم وجود أشخاص لعبوا دور “النبوّة” وربما يكون لهم دور في انطلاق السفر الذي يحمل اسمهم؛ لكن النبي الكتابي هو سفر نبوي يعلن كلمة الله لشعب الله في قلب الواقع الذي يعيشه ويختبره شعب الله، وبقراءة لذلك الواقع في ضوء كلمة الله. النبي في العهد القديم هو سفر كُتب خلال رحلة من التطوير والتحرير من قِبَل مدراس لاهوتية مختلفة قامت بإعادة قراءة وفهم وإعلان كلمة الله في ضوء تغيّر واقع وظروف شعب الله. وفي ذلك السياق، العهد الجديد أعاد قراءة كلمة الله في واقعه. وبالتالي، ولأنه اختبر في يسوع كلمة الله المتجسّدة، قرأ نبوّات العهد القديم بعيون جديدة. ورأى فيها إعلانات عن يسوع، وليس العكس. لم يؤمن المسيحيون الأولون بيسوع لأنهم رأوا نبوّات العهد القديم تتحقّق به، ولكنهم قرأوا العهد القديم ونبوّاته بعيون جديدة لأنهم آمنوا بيسوع.

والنبي الكتابي هو سفر مكتوب ليتحدّانا ويتحدّى إيماننا ويتحدّى حياتنا في ضوء كلمة الله وعلاقتنا مع الله. النبي هو سفر يدعونا لنقيم حياتنا وإيماننا في ضوء كلمة الله ولنؤسس إيماننا على كلمة الله ولنعيش حياتنا على أساس كلمة الله ولنكون “أنبياء” نعلن كلمة الله لكل من وما حولنا.

النبي يدعونا لنضع كلمة الله في مركز حياتنا متذكّرين ما يعلنه ابراهيم للغني في مَثَل الغني ولعازر بأن إخوته إن لم يسمعوا لموسى (التوراة) والأنبياء (أسفار الأنبياء)، أي الكتاب المقدس، فلن يؤمنوا ولو قام أحد من الأموات (لوقا 16: 31). بكلمات أخرى، النبي الكتابي يدعونا لنقرأ الكتاب المقدس بعيون الإيمان فنرى ونختبر فيه ومن خلاله كلمة الله وهي تتحدّث لنا وتعمل من خلالنا، وتقودنا لنكون نحن أيضًا “أنبياء” نعلن كلمة الله لكل من وما حولنا.

النبي الكتابي يتحدّانا لنكون كنيسة نبوية، نؤسس إيماننا على كلمة الله، ونقرأ واقعنا في ضوء كلمة الله، ونعيد قراءة وفهم وإعلان كلمة الله لواقعنا الذي نعيش فيه. مفهوم النبوّة في العهد القديم يتحدّانا لنتوقّف عن البحث عن أشخاص الأنبياء، ونقرأ نحن كلمة الله لواقعنا، ونشهد نحن عن كلمة الله في واقعنا، فنكون أنبياء وكنيسة نبوية.

المراجع

Barton, John & Julia Bowden

2004 The Original Story: God, Israel, and the World, (London: Darton . Longman + Todd).

Ben Zvi, Ehud & Michael H. Floyd (Eds.)

2000 Writing and Speech in Israelite and Ancient Near Eastern Prophecy, (Atlanta: Society of Biblical Literature).

Bergen, Wesley J.

1999 Elisha and the End of Prophetism, (The Library of Hebrew Bible/Old Testament Studies, Sheffield: Sheffield Academic Press).

Berlyn, Patricia

2012 ‘Elijah’s Battle for the Soul of Israel,’ Jewish Bible Quarterly 40/1, pp. 52-62.

Birch, Bruce C., Walter Brueggemann, Terence E. Fretheim & David L. Petersen

1999 A Theological Introduction to the Old Testament, (Nashville: Abingdon Press).

Brueggemann, Walter

2012 Theology of the Old Testament: Testimony, Dispute, Advocacy, (Minneapolis: Fortress Press).

Brueggemann, Walter & Tod Linafelt

2012 An Introduction to the Old Testament: The Canon and Christian Imagination, (2nd ed. Edition, Louisville: Westminster John Knox Press).

Davies, Philip R.

1998 Scribes and Schools: The Canonization of the Hebrew Scriptures (Louisville, Kentucky: Westminster John Knox Press).

2008 Memories of Ancient Israel: An Introduction to Biblical History – Ancient and Modern (Louisville, Kentucky: Westminster John Knox Press).

Davies, Philip R. & Thomas Römer (eds.)

2013 Writing the Bible: Scribes, Scribalism and Script (Durham: Acumen).

De Jong, Matthijs J.

2007 Isaiah among the Ancient Near Eastern Prophets: Comparison of the Earliest Stages of the Isaiah Tradition and the Neo-Assyrian Prophecies, (Leiden – Boston: Brill).

Dever, William G.

2001 What Did the Biblical Writers Know and When Did they Know It?  What Archaeology Can Tell Us about the Reality of Ancient Israel, (Grand Rapids, Michigan: William B. Eerdmans).

Doan, William & Terry Giles

2005 Prophets, Performance, and Power: Performance Criticism of the Hebrew Bible, (NY – London: T & T Clark).

Edelman, Diana V. & Ehud Ben Zvi (Eds.)

2009 The Production of Prophecy: Constructing Prophecy and Prophets in Yehud (Sheffield: Equinox).

Ellinger, Karl & Wilhem Rudolph (chief Eds.)

1990 Biblia Hebraica Stuttgartensia (4th edition, Suttgart: Deutsche Bibelgesellschaft).

Faust, Aviraham

2015 ‘Settlement, Economy, and Demography under Assyrian Rule in the West: The Territories of the Former Kingdom of Israel as a Test Case,’ Journal of the American Oriental Society 135/4, 765-789.

Ghantous, Hadi

2013a         The Elisha-Hazael Paradigm and the Kingdom of Israel: The Politics of God in Ancient Syria-Palestine, (Durham: Acumen).

2013b        ‘From Mantle to Scroll: the Wane of the Flesh of Blood Prophet in the Elisha Cycle,’ in Helen R. Jacobus, Anne Katrine de Hemmer Gudme & Philippe Guillaume (eds.), Studies on Magic and Divination in the Biblical Word, (NJ, Piscataway: Gorgias Press), 119-133.

Grabbe, Lester L.

2007 Ancient Israel: What Do we Know and How Do We Know It? (London: T & T Clark).

Gray, John

1985 Near Eastern Mythology (Revised Edition, Library of World’s Myths and Legends, New York: Peter Bedrick Books).

Guillaume, Philippe

2005 The Bible in Its Context: An Inquiry into Its Formation (Beirut: Naufal).

Halpern, Baruch

2001 David’s Secret Demons: Messiah, Murderer, Traitor, King, (Grand Rapids, Michigan: William B. Eerdmans).

Huwyler, Beat et als (eds.)

2001 Prophetie un Psalmen: Festschrift für Klaus Seybold zum 65 Geburtstag, (Münster: Ugarit Verlag).

Kaltner, John & Louis Stulman (eds.)

2004 Inspired Speech: Prophecy in the Ancient Near East: Essays in Honor of Herbert B. Huffman, (London – New York: T & T Clark).

Knauf, E. Axel

2000 ‘Does ‘Deuteronomistic Historiography’ (DtrH) Exist?’, in Albert de Pury; Thomas Römer and Jean-Daniel Macchi (eds.), Israel Constructs Its History: Deuteronomistic Historiography in Recent Research. (Journal for the Study of the Old          Testament, Supplement Series, 306; Sheffield: Sheffield Academic Press): 388-398.

2004 ‘Prophets that Never Were,’ in Markus Wette (ed.), Gott und Mensch im Dialog: Festschrift für Otto Kaiser zum 80. Geburtstag, vol. 1, B.ZAW 342/1 (Berlin: de Gruyter), 451-456.

2009 ‘Kings among the Prophets,’ in Diana Edelman & Ehud Ben Zvi (Eds.), The Production of Prophecy: Constructing Prophecy and Prophets in Yehud, (London: Equinox), 131-149.

Knauf, E. Axel & Philippe Guillaume

2016 A History of Biblical Israel: The Fate of the Tribes and Kingdoms from Merenptah to Bar Kochba (Bristol: Equinox).

Knauf, E. Axel & Philippe Guillaume

2016 A History of Biblical Israel: The Fate of the Tribes and Kingdoms from Merenptah to Bar Kochba, (Worlds of the Ancient Near East and Mediterranean, Sheffield: Equinox Publishing).

Knoppers, Gary N.

1997 ‘The Vanishing Solomon: The Disappearance of the United Monarchy from Recent Histories of Ancient Israel,’ Journal of Biblical Literature 116/1, 19-44.

Koehler, Ludwig & Walter Baumgartner et als.

1994-2000 The Hebrew and Aramaic Lexicon of the Old Testament, vols. 1-5, (Leiden – New York – Köln: E.J.Brill).

Lemche, Niels P.

2008 The Old Testament between Theology and History: A Critical Survey, (1st ed. Edition, Louisville: Westminster John Knox Press).

Liverani, Mario

2004 Myth and Politics in Ancient Near Eastern Historiography, (Edited and transltated by Zainab Bahrani & Marc Van De Mieroop, Ithaca, New York: Cornell University Press).

2014a         The Ancient Near East: History, Society and Economy, (Abingdon-on-Thames, UK: Routledge).

2014b        Israel’s History and the History of Israel, (BibleWorld, Abingdon-on-Thames, UK: Routledge).

Mann, Thomas W.

2011 The Book of the Former Prophets (Eugene, Oregon: Cascade Books).

Nissinen, Martti

1998 References to Prophecy in Neo-Assyrian, (State Archives of Assyria Studies vol. VII, Helsinki: Helsinki University Press).

Nissinen, Martti (Ed.)

2000 Prophecy in Its Ancient Near Eastern Context: Mesopotamian, Biblical, and Arabian Perspectives (Atlanta: Society of Biblical Literature).

Noglaski, James D. & Marvin A. Sweeney (Eds.)

2000 Reading and Hearing the Book of the Twelve, (Atlanta: Society of Biblical Literature).

Noll, Kurt L.

2007 ‘Is the Book of Kings Deuteronomistic? And Is It a History?’ Scandinavian Journal of the Old Testament 21/1, 49-72.

O’Brien, Julia M.

2007 ‘Nahum-Habakkuk-Zephaniah: Reading the ‘Former Prophets’ in the Persian Period,’ Interpretation 61/1, 168-183.

Parpola, Simo

1997 Assyrian Prophecies, (State Archives of Assyria vol. IX, Helsinki: Helsinki University Press).

Rahlfs, Alfred (Ed.)

1949 Septuaginta: Id est Vetus Testamentum Graece Iuxta LXX Interpretes (3rd edition, Stuttgart: Privileg.Württ.Bibelanstalt).

Rom-Shiloni, Dalit

2019 ‘From Prophetic Words to Prophetic Literature: Challenging Paradigms That Control Our Academic Thought on Jeremiah and Ezekiel,’ Journal of Biblical Literature 138/3, 565-586.

Römer, Thomas

2005 The So-called Deuteronomistic History: A Sociological, Historical and Literary Introduction (London: T&T Clark).

[1] بحسب الترجمة الانجيليّة العربيّة للكتاب المقدَّس (فاندايك).

Recommended Posts
Contact Us

We're not around right now. But you can send us an email and we'll get back to you, asap.

Not readable? Change text. captcha txt

Start typing and press Enter to search

×