In Bible

النبوّة في العهد الجديد

الأخت ياره متّى*

(محاضرة قُدِّمت في مركز الدراسات الكتابية للشرق الأوسط وشمال أفريقيا التابع لجمعيّة الكتاب المقدس في لبنان بتاريخ 25/10/2019)

مقدّمة

في العودة إلى بدايات الكنيسة، يطالعنا نصّ القديس لوقا في أعمال الرسل، مخبرًا حدث العنصرة وحلول الروح القدس على التلاميذ. وكعادته في سفر الأعمال، يعطي الكاتب معنى الحدث من خلال كلمة أو خطبة تفسيريّة فيها مفاتيح القراءة. لذلك، بعد سرد الخبر في أعمال الرسل 2: 1-13، يأخذ بطرس الكلام متوجّهًا الى اليهود والمقيمين في أورشليم في خطبة هي الأولى في البشرى المسيحية بعد قيامة الرب من بين الأموات.

وكما أظهر بعض شرّاح الكتاب المقدس، (Jacques Dupont/ Martin Dibelius) ، يبدو أنّ تصميم الخطب الرسوليّة في أعمال الرسل يتّبع نظامًا موحّدًا، ينتقل فيه المبشّر من كلمة الإفتتاح الى التحدّث عن رسالة يسوع وموته وقيامته، مستطردًا إلى غفران الخطايا والدّعوة إلى التوبة وإلى الإيمان به ربًّا ومخلِّصًا. أمّا في خطبة بطرس يوم العنصرة، فيفاجئنا عنصر جديد مميّز، وهو الإستشهاد الطويل من نبوّة يوئيل (الفصل 3)، الذي يندرج في المقدّمة، وهو الذي يعطي مفاتيح الحدث.

أولًا: نبوّة يوئيل على لسان بطرس (أعمال الرسل 2: 17-21)

عندما يأخذ بطرس الكلام في حدث العنصرة ليبرهن للشعب أنّ التلاميذ ليسوا ممتلئين من الخمر، يبدأ باستشهاده من نبوّة يوئيل بذكر الأيام الأخيرة. والمعنى الكتابيّ يحمل بُعدًا اسكاتولوجيًا أكيدًا، حيث يصبح الله كلًّا في الكلّ ويأتي ليدين الأحياء والأموات. فآخر الأزمنة ليست مرحلة عابرة تختم عهدًا لتبدأ عهدًا آخر، بقدر ما هي غاية الزمان وهدف تصميم الله الخلاصيّ. إنما اللّافت للانتباه هو أنّ علامة الأزمنة الأخيرة بحسب يوئيل، هي استحصال الجميع على موهبة النبوّة. رغم أن يوئيل يتكلّم في مرحلة تاريخيّة صعبة، ليمنح الرجاء بعد الإحتلال والدّمار لأورشليم من قِبَل الغُزاة الأشورييّن ، فالواضح أنه يبشّر بالإنفراج وبشموليّة خلاص الربّ. وفي هذا الإطار، يؤكّد أنّ الجميع سوف يتنبّأون في تلك الأيام. إنّه شعب من الأنبياء، فيه طبقات اجتماعيّة مختلفة، وأجيال من الشيوخ والشباب، من الرجال والنساء، وهم عبيد وإماء الرب، خدّامه الأحرار. (راجع أيضًا إشعيا  56: 6). وفي النبوّة أيضًا مستويات رمزيّة تتخطّى المناطق الجغرافية والإنتماءات الدينيّة، إذ يفيض الربُّ روحَه على الحاضرين، أي على سكّان أورشليم، وعلى أبنائهم، الذين في الشّتات، وعلى كلّ البشر، أي على المؤمنين من غير اليهود. فالعطيّة شاملة لكلّ من يدعو اسم الربّ! ولكن من هو الربّ؟

بالنّسبة للعهد القديم، الله الواحد هو الربّ. وهنا يتابع بطرس بشارته للسامعين فيبيّن من هو الربّ قائلًا: ” فليعلم بنو اسرائيل كلّهم علم اليقين أنّ الله جعل يسوع هذا الذي صلبتموه أنتم ربًّا ومسيحًا” (أعمال الرسل 2: 36). العنصرة ليست إذًا تحقيقًا واقعيًّا لنبوّة يوئيل، إنما تفسير بطرس يربطها بالاعتراف بيسوع المسيح الربّ، ينقل فيض الروح في الشعب النبوّي من شموليّة المكان إلى شموليّة الزمان. وهنا يبدأ العنصر الأول من النبوّة المسيحيّة، وهو الإيمان بيسوع والتبشير به مخلّصًا. لذا يتابع بطرس داعيًا الجميع إلى التوبة والإيمان والعماد باسم يسوع، “لأنّ الوعد لكم ولأولادكم ولجميع البعيدين، بقدر ما يدعو منهم الربّ إلهنا” (أعمال الرسل 2: 39).

 إنّما هناك عنصر ثانٍ يَلفت النّظر في نبوّة يوئيل، وهو استعمال الأسلوب الرؤيويّ عندما يذكر الدّم والنار وأعمدة الدخان. وفي ذلك رمز لحضور الربّ. فكما كان عمود الغمام نهارًا وعمود النار ليلًا يرافقان الشعب في بريّة سيناء مدّة أربعين سنة، كذلك مَن يدعو باسم الرب يخلص، لأنّه يعي حضوره ويسير معه إلى ميناء الأمان. فالغمام والنار يخفيان وجه الله ولكنّهما يكشفان عن حضوره. فالله دومًا حاضر ولو كان خفيًّا.

أمّا العنصر الثالث في نبوّة يوئيل فهو إفاضة الروح الذي يغيّر الإنسان من الداخل، يحييه من الباطن، فلا يبقى الإنسان غريبًا عن نفسه بل يعي أنّه يتلّقى حياته من آخر، يقبل وجوده من نبع الحياة. ليس متروكًا لذاته ولا مستقلًا عن إلهه، بل هو مرتبط بكلمة الربّ وحلول روحه القدوس. وهنا يفهم القارئ المسيحي بداية أن النبوّة ليست مجرّد  تخمين أو إستقراء للمستقبل، بل تنبع من التجذّر في كلمة الله، لمحاولة فهمها وحملها للآخرين.

مع هذه النقاط الثلاث التي تفتتح النبوّة المسيحية في العهد الجديد انطلاقًا من حدث العنصرة، يُطرح السؤال حول مواصفات الأنبياء في العهد الجديد في حال وُجدوا، وحول ما يميّز النبوّة عن الفنّ الرؤيويّ، بالإضافة إلى التفكير في النبوّة كموهبة خاصة في بدايات الكنيسة.

ثانيًا: أنبياء في العهد الجديد

وردت كلمة الأنبياء ومشتقّاتها حوالي 150 مرّة في العهد الجديد، ومعظمها في متّى ولوقا وأعمال الرسل. أحيانًا كانت تشير إلى أنبياء العهد القديم وإلى تحقيق النبوّات على ضوء سرّ المسيح المتجسّد الفادي، وأحيانًا أُطلق لقب “نبيّ” على بعض الأشخاص. فالنبيّ الأول الذي لمّح إليه العهد الجديد هو يوحنّا المعمدان وليس في مواليد النساء أعظم منه، “ولكن الأصغر في ملكوت السموات أكبر منه” (لوقا 7: 28). هو الذي يهيّئ الطريق أمام المسيح، كما إيليّا أو ملاك الربّ، كما أعلن عنه ملاخي في نبوّته: “أرسل لكم إيليّا النبي”، أو بحسب لوقا: “أرسل أمام وجهك ملاكي” (لوقا 7: 27) . وليس يوحنا المعمدان الشخصيّة الوحيدة التي أُطلق عليها لقب النبيّ، بل كُثُر من الذين أعلنوا مجيء المسيح أو أعدّوا لقدومه دُعوا أنبياء، مثل سمعان وحنّة وسواهما.

أمّا يسوع، فنادرًا ما يسمّي نفسه نبيًّا ولو بطريقة جانبيّة عندما يستعمل الأمثال فيقول “ليس نبيّ مقبولًا في وطنه” (لوقا 4: 24) أو يدعو أورشليم قاتلة الأنبياء (لوقا 13: 33) ولكن العادة هي أنّه يُدعى نبيًا على لسان الآخرين، سواء كان التلاميذ (متّى 16: 14) ( لوقا 24: 19-21) أو الجموع ( متّى 21: 11)،

أو أيضًا بعد موته وقيامته، على لسان الشهيد اسطفانوس في خطابه الشهير (أعمال الرسل 7: 37) موحيًا أنّ المسيح هو النبيّ الذي تنبّأ عنه موسى في تثنية 18: 15.

بهذا المعنى، يصبح النبي مَن يعلن كلمة الله، يفّسر مقاصده، يشجّع على الثبات ويقوّي الإيمان، يحمل كلمة الله إلى الشعب من دون أن تكون بالضرورة في علم الغيب أو المستقبلات. بل هو يفسّر كلمة الله لتحقيق مشيئته في الحاضر. النبيّ إذًا بعلاقة وثيقة مع كلمة الرب، لذلك نجد في العهد الجديد هذا الدور منطبقًا تمامًا على المسيح، فنقرأ في عبرانيين 1: 1-2: “إن الله، بعدما كلّم الأنبياء قديمًا بأنواع وطرق شتّى، كلّمنا في هذه الأيّام الأخيرة بابنه”. الأيّام الأخيرة التي ذكرها يوئيل النبيّ قد بدأت مع المسيح، هو كلمة الله كما عرّف عنه إنجيل يوحنا 1: 1-18. “فالله لم يره أحد بل الابن الوحيد الذي هو في حضن الآب هو أخبر”. نبيّ الآب هو الكلمة الذي يخبر عن الآب.

وبالإختصار، نجد أنّ يوحنا المعمدان في العهد الجديد، يترجم الشريعة عمليًا بالحياة المعيوشة، كما فعل أنبياء العهد القديم (متّى 14: 4) ، ويعلن اقتراب الحكم العادل والدينونة، يبشّر بالغضب الآتي وبالخلاص. خصوصيّة رسالته النبويّة هي أنّه يميّز مَن هو المسيح بنعمة وحي مِن الله ويدلّ عليه.

أمّا يسوع فلا يكتفي بكشف علامات الأزمنة لأنّه هو علامة ملء الزمان. على مثال الأنبياء القدماء، ينتقد الرّياء والخبث والكذب بشدّة، وعلى مثالهم تُرفض رسالته ويُسلم إلى الموت. ولكن الجموع تعطيه عفويًّا لقب النبيّ، بينما هو يتخطّى صفة النبوّة التقليدية بكونه الكلمة، كلمة الله، الطريق والحق والحياة.

ولكن السؤال لا يزال مطروحًا: هل تنبّأ يسوع، بالمعنى البديهيّ الشعبيّ للكلمة، عن اقتراب الملكوت، عن مصيره، عن خراب أورشليم؟ كيف قرأت الجماعات الأولى هذه الكلمات وكيف فسّرتها؟ عندما يقول يسوع مثلًا في إنجيل يوحنا (2: 19-20) “أنقضوا هذا الهيكل وأنا أقيمه في ثلاثة أيام”، هل فهم التلاميذ معنى كلامه كنبوّة؟ في الواقع، فهمت الجماعة المؤمنة معنى قوله بعد القيامة: “أمّا هو فكان يعني هيكل جسده” . كذلك في يوحنا 14: 29 أو يوحنا 18: 9، يعتبر الكاتب الملهم أنّ كلام يسوع قد تمّ، وكأنّه بذلك يريد اعتبار كلام يسوع مساويًا بالقيمة لكلام الكتب المقدسة التي ينتظر المؤمنون اليهود تحقيقها بالتّمام والكمال.

لا شكّ أنّ كلّ العهد الجديد كُتب بعد الحدث الفصحي، وكتابات الجماعات المسيحيّة تدعو القارئ إلى الإيمان بالمسيح القائم من الموت. وعلى ضوء القيامة، تُعيد الجماعات الكنسيّة قراءة الأحداث والأقوال لتكون جماعات نبويّة تعلن كلمة الله وتعطي المفاتيح لتفسيرها. في هذا الإطار كيف يمكن إذًا تفسير خطاب يسوع عن دمار أورشليم أو نهاية العالم؟

ثالثًا: النبوّة والفن الرؤيويّ

تنقل الأناجيل الإزائيّة خطاب يسوع حول دمار الهيكل وآخر الأزمنة (متّى 24/ مرقس 13/ لوقا 21). وقد يدعوه بعضهم خطابًا نبويًّا بالمعنى البديهيّ الّذي يعلن أمورًا سوف تحدث في المستقبل. الإطار في الأناجيل الثلاثة متشابه: عند خروج يسوع من الهيكل، يستوقفه التلاميذ معجبين بجمال البناء وعظمة الحجارة فلا يسع المعلّم إلّا أن “ينبئ” بالخراب حيث لا يُترك حجر على حجر. وعندما يصبح وحده مع التلاميذ، يسأله هؤلاء: قُلْ لنا متى تكون هذه الأمور وما علامة مجيئك ونهاية العالم؟

إنّ مسألة نهاية العالم موضوع تقليديّ لدى اليهود المعاصرين ليسوع. ولا غرو أنّ ذلك متأثّر بازدهار الفن الرؤيويّ الّذي ظهر تقريبًا في القرن الثالث ق.م. فأدبُ “الرؤى” نظام كامل ومتكامل، يعبّر عن كشفٍ معيّنٍ من قِبَل الله للإنسان، عن أمور خفيّة في تصميمه، يوحي بها لمن يرسله في مهمّة خاصّة، مستعملًا الأسلوب الرمزي المشفّر ليرسم مفهومًا جديدًا للزمان والمكان. الرؤيا لا تعني أبدًا قراءة الغيب أو إستشفاف المستقبل. إنّما تكشف عن حقيقة سماويّة يريد الله أن يعلنها لمختاريه، وبشكل خاص في أوقات المحنة ليشجّعهم ويعزّيهم. لذا يبدو الزمان متأرجحًا بين محورين: الآن والأبديّة، كما يظهر المكان أيضًا في دائرتين: هنا وفي عالم مختلف غريب. كلّ الصور الغريبة الّتي تفتقر إلى منطق الواقع، ليست إلاّ دلالة على جذريّة الجديد الّذي يقوم به الله، وكأنّه على أبواب خلق جديد.

ولماذا وُلد هذا الفنّ الرؤيويّ؟ الأسباب متعدّدة ولكن لا شكّ أنّ أحدها مبنيّ على فشل النبوّة التقليديّة. في القرن الثالث ق.م.، كان أنبياء الجلاء ناشطين وفاعلين والأدباء الرؤيويّون يستلهمون منهم، ولكن بعد احتلال الإسكندر المقدوني للعالم المسكون اختلفت المعايير، وطُبعت الشعوب بالحضارة اليونانيّة، فانفتح فجأة العالم المغلق على “عولمة” جديدة واستحال على النبيّ المحليّ الإحتفاظ بقراءته المحدودة لواقع شعب ضائع بين الشعوب، يبحث عن إرادة الله في خضمّ معطيات حضاريّة، متنوّعة القيم، والسلوكيّات. في هذا الفراغ النبويّ، أو بالأحرى غياب الأنبياء المحلّيّين عن الساحة العالميّة، تفتّحت براعم التيّارات الرؤيويّة لتحافظ على إيمان الشعب بطريقة متجدّدة وتشدّده في رجائه وتمسّكه بالله الواحد في قلب المِحن وزمن الإضطهادات والتشرذم.

في ظلّ هذه الأجواء، يبدو خطاب يسوع النهيويّ أقرب إلى أسلوب الرؤيا، مع حفظ النفحة النبويّة الّتي تحمل الكلمة الإلهيّة إلى العالم. وفي الواقع، جوابه للتلاميذ أوسع من سؤالهم، إذ يحمل مواضيع ثلاثة: دمار الهيكل، نهاية الأزمنة، ومجيئه الثاني. إنّما يسوع لا يحدّد أوقاتًا ولا مِهلًا زمنيّة، بل هدفه أن يؤكّد على حقيقة هذه النهاية. وإن تكلّم النص عن الإنقلاب الكونيّ الّذي يرافق يوم الرب، يوم الدينونة، فما ذلك إلّا صورة معاكسة للخلق، حيث يعود العالم إلى الفوضى العارمة وتعود الأرض خاوية خالية، قبل الخلق الجديد. والدينونة الشاملة ليست إلّا فرصة ليجمع الله مختاريه ويحقّق خلاصه ورحمته. إذًا الصورة بأسلوبها الرؤيويّ لا تنبئ بنهاية العالم بالمطلق، ولكنّها تعطي معنى للتاريخ الموجود في يد الله، سيّد الكون والتاريخ. العبرة إذًا ليست بالأوقات إنّما بالإستعداد والوعي والسهر الدائم.

وفي كلّ حال، من المعروف أنّ إنجيلَي متّى ولوقا كُتبا بعد دمار الهيكل سنة 70 م.، فالنصّ قد يعبّر عن الحكم الإلهي بسبب رفض اليهود للمسيح يسوع، لذا يبدو وصف الخراب كنبوّة تحقّقت. أمّا لوقا فيشير بكلّ واقعيّة:”لكن ليست هذه النهاية”. يعرف لوقا أنّ التاريخ استمرّ ويستمر، ويعرف أيضًا أنّ الرسالة الجوهريّة هي الثقة بالله، عدم الخوف، الأمانة والإنتباه واليقظة الدائمة لحضور الرب. وقبل حدوث ذلك كلّه، هناك اختبار شخصيّ هو اختبار الصليب، الإضطهاد والشهادة أمام المحاكم البشريّة من دون خوف، لأنّ الرب يعطي الروح والحكمة. إنتظار مجيء الرب ليس مظاهر كونيّة، بل يتمّ في عمق المعيوش “وبصبركم تقتنون أنفسكم”. الإضطهاد واقع الكنيسة الأولى ويرافق واقع الكنيسة اليوم في أنحاء عدّة. ولكن بولس الرسول فَهِمَ موهبة النبوّة بشكل آخر، من خلال الجماعات المسيحيّة الملتئمة للعبادة.

رابعًا: لائحة المواهب في 1 كورنثوس 12-14 والنبوّة في الكنيسة

لدى قراءة 1كورنثوس 12-14 يتبادر إلى ذهن القارئ جوّ اللقاءات والإحتفالات الليتورجيّة في بدايات الكنيسة. وفي هذه الفصول يُظهر بولس الرسول للكنيسة الّتي أسّسها ضرورة موهبة النبوّة وأهمّيّتها لا بل سلطتها، إن صحّ التعبير، لتوجيه الكنيسة. ويقارن الرسول بينها وبين موهبة التكلّم بلغات مختلفة، الّتي تستحوذ على إعجاب الكورنثيين وعلى اهتمامهم بشكل خاص. فالتكلّم بألسنة كان يُعتبر ظاهرة نبويّة ومن مواهب الروح القدس. ولكن بولس يعيد الظاهرة إلى حجمها موضحًا أنّ موهبة النبوّة هي خدمة كنسيّة بامتياز، لأنّها تتعلّق بالشرح والتفسير والتعليم، وتتجاوز الفرد إلى الجماعة. بمعنى آخر، إنّ القيادة الروحيّة في إطار إجتماعات العبادة، هدفها دومًا وأساسًا بنيان الكنيسة. وبحسب بولس، مضمون النبوّة المسيحيّة هو الوعظ والتشجيع والتعزية والإرشاد، خاصّة في أزمنة القرارات والأزمات.

واليوم، في قلب الكنيسة، تأخذ أيضًا موهبة النبوّة هذا الدور في تأوين كلمة الله “هنا والآن”. فخطاب “النبيّ” الحقيقي منسجم مع كلمة الله في الكتاب المقدّس. إنّها كلمة حياة، تكشف مقاصد الله في الحاضر، سواء عن طريق معاتبة وتوبيخ “الأشرار”، أو تعزية ومؤاساة المنكوبين، أو تشجيع وتشديد الهمم في خدمة الخير. المعيار هو البنيان. كلمة النبوّة والتّعليم تبني الكنيسة، والروح القدس هو الّذي يعمل في الباطن ويحوّل ما في قلب الإنسان.

وفي الواقع ماذا تبني النبوّة عندما تبني الكنيسة؟ تساهم في بناء الثقة بالله الّذي فعل كلّ خير في الماضي، والقادر على فعل المستحيل في الحاضر والمستقبل، لأنّ الزمن بكامله بين يديه. لذا ليست النبوّة إعلانًا عن أحداث مستقبليّة تخصّ الأفراد والكنيسة والعالم ونهاية الكون. إنّها الأمانة الواعية لكلمة الله في ظروف الحياة المختلفة، إنّها الإنفتاح للروح القدس وقبول نعمة التمييز لرؤية ما يريد أن يكشف عنه الله من مقاصده الخلاصيّة.

يقول أحد الكتّاب الروحيّين إنّ “إلحاح الله مطبوع فينا”. أن أكون نبيًّا مسيحيًّا يدعوني إلى حفر هذا الإلحاح في حياتي، فتصبح كلمة الله عندي من الطوارئ المستعجلة الّتي لا تحتمل تأخيرًا، بل تستدعي التجاوب السريع والطواعيّة المطلقة.

وختامًا، يبدو النبيّ بحسب الكتاب المقدّس، إنسانًا مؤمنًا متأصّلًا في كلمة الله، “مرهونًا” لطوارئ الله في التاريخ، مستعدًّا، منفتحًا، متواضعًا، مطواعًا لإلهامات الروح.

بهذا المعنى، يطبع سرّ المعموديّة كلّ مؤمن بطابع المسؤوليّة النبويّة الّتي تستقي كيانها من الأمانة للكلمة الإلهيّة. عندئذٍ يمكن للنبيّ المسيحيّ أن يرى تاريخ البشر من خلال امتصاصه لكلمة الله الّتي تجري كالدّم في عروقه. عندئذٍ يصبح النبيّ المسيحي ضمير شعبه، ضمير كنيسته، من دون خوف من وجوه الآخرين. وذلك لأنّه يتلقّى كلمته وهويّته من آخر، هو مرجعه ومرجعيّته. لا يحابي بالوجوه ولا يساوم على كلمة الحقّ، يشهد للحقيقة الّتي تسكنه. وكما تمنّى بولس قديمًا، ليت الجميع يصبحون أنبياء، فحاجة الكنيسة اليوم ليست فقط إلى التكلّم بألسن بل إلى موهبة النبوّة الصادقة.

  • الأخت الدكتورة يارا متى، من راهبات العائلة المقدسة، تحمل دكتوراه في اللاهوت الكتابي من جامعة باريس الكاثوليكية، وتدرّس مادة الكتاب المقدس في عدة جامعات في لبنان، وأستاذة زائرة في جامعة باريس الكاثوليكية، ولها عدد كبير من المقالات المتخصصة. هي عضوة في الرابطة الكتابية في لبنان وممثلة الرابطة في الهيئة التنفيذية للرابطة الكاثوليكية العالمية.
Recent Posts
Contact Us

We're not around right now. But you can send us an email and we'll get back to you, asap.

Not readable? Change text. captcha txt

Start typing and press Enter to search

×