In Bible

ندوة : رحلة يسوع التبشيرية إلى فينيقيا لبنان

القس د. عيسى دياب

رحلة المسيح إلى فينيقيا لبنان

القس د. عيسى دياب*

(محاضرة قُدِّمت في مركز الدراسات الكتابية للشرق الأوسط وشمال أفريقيا التابع لجمعيّة الكتاب المقدس في لبنان بتاريخ  29/5/2020)

مقدمة

لشدّة عظمة لبنان وقدسيته فقد ورد ذكره في أسفار الكتاب المقدس نحو 70 مرة، والأرز 75 مرة، ومدينة صور 59 مرة، وصيدا 50 مرة. وورد ذكر نحو 35 مدينة وقرية لبنانية، مثل: صور، وصيدا، وجبيل، والصرفند، وأفقا، ويارون، وعنجر، وقانا. وتحدّث الكتاب المقدس عن أحد عشر شخصية لبنانية من أشهرها حيرام ملك صور، وأثبعل ملك صيدون أيضًا وابنته ايزابيل، ومهندس هيكل سليمان حورام-أبي، وآساف حارس غابة لبنان، وهدد عزر ملك سهل البقاع ورئيس جيشه رزون بن أليداع.

وتحدّث الكتاب المقدس عن لبنان من ضمن واقع الأحداث التاريخية التي مرّت على هذه المنطقة في نحو ألفية ونصف، بين الأعوام 1300 ق.م. و 100 م. وفي قسمه الجنوبيّ أقام بعض شعب الله ومن قبائله أشير حيث قانا الجليل التي هي إلى الشمال الشرقيّ من صور. وزبولون الذي أقام على الشاطئ بين فينيقية وجبل الكرمل. ويسَّاكر الذي ارتبط اسمه بالإجارة والكراء. كان عاملًا حين كان الازدهار الفينيقيّ في أوجّه كما قال سفر التثنية (33: 18-19).

فقد وطأت قدما المسيح أرضه في رحلة، وربما في رحلتين. وزاره بولس وصلّى على شواطئ صور، وأخذ معونة مادية ومعنوية من مسيحيي صيدا.

أولًا: فلسطين وفينيقيا في زمن المسيح

في زمن المسيح، كان يوجد ثلاث أنواع من المناطق لجهة الأصالة اليهودية: (خريطة فلسطين في زمن المسيح)

  1. العاصمة أورشليم والجنوب، اليهودية الأصيلة
  2. الجليل، يهودية من الدرجة الثانية لأنها قريبة من الأراضي الوثنية، ويوجد تأثير وثني على السكان
  3. السامرة، سكانها شياطين

كانت الأراضي الساحلية والجبلية بين فلسطين وفينيقية متداخلة (خريطة الأسباط الاثني عشر)

بحسب تنظيم السلطة الرومانية المحتلة، كانت منطقة الجليل وفينيقية لبنان تابعة لسورية (متى 4: 24؛ مرقس 7: 26)

ثانيًا: النصّ الكتابيّ (متّى 15: 21-28) و(مرقس 7: 24-30)

(متى 15: 21-28)[1]

21ثُمَّ خَرَجَ يَسُوعُ مِنْ هُنَاكَ وَٱنْصَرَفَ إِلَى نَوَاحِي صُورَ وَصَيْدَاءَ. 22وَإِذَا ٱمْرَأَةٌ كَنْعَانِيَّةٌ خَارِجَةٌ مِنْ تِلْكَ ٱلتُّخُومِ صَرَخَتْ إِلَيْهِ قَائِلَةً: «ٱرْحَمْنِي، يا سَيِّدُ، يا ٱبْنَ دَاوُدَ! اِبْنَتِي مَجْنُونَةٌ جِدًّا». 23فَلَمْ يُجِبْهَا بِكَلِمَةٍ. فَتَقَدَّمَ تَلَامِيذُهُ وَطَلَبُوا إِلَيْهِ قَائِلِينَ: «ٱصْرِفْهَا، لِأَنَّهَا تَصِيحُ وَرَاءَنَا!». 24فَأَجَابَ وَقَالَ: «لَمْ أُرْسَلْ إِلَّا إِلَى خِرَافِ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ ٱلضَّالَّةِ†». 25فَأَتَتْ وَسَجَدَتْ لَهُ قَائِلَةً: «يَا سَيِّدُ، أَعِنِّي!» 26فَأَجَابَ وَقَالَ: «لَيْسَ حَسَنًا أَنْ يُؤْخَذَ خُبْزُ ٱلْبَنِينَ وَيُطْرَحَ لِلْكِلَابِ». 27فَقَالَتْ: «نَعَمْ، يا سَيِّدُ! وَٱلْكِلَابُ أَيْضًا تَأْكُلُ مِنَ ٱلْفُتَاتِ ٱلَّذِي يَسْقُطُ مِنْ مَائِدَةِ أَرْبَابِهَا!». 28حِينَئِذٍ أَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهَا: «يَا ٱمْرَأَةُ، عَظِيمٌ إِيمَانُكِ! لِيَكُنْ لَكِ كَمَا تُرِيدِينَ». فَشُفِيَتِ ٱبْنَتُهَا مِنْ تِلْكَ ٱلسَّاعَةِ.

29ثُمَّ ٱنْتَقَلَ يَسُوعُ مِنْ هُنَاكَ وَجَاءَ إِلَى جَانِبِ بَحْرِ ٱلْجَلِيلِ.

(مرقس 7: 24-31)

24ثُمَّ قَامَ مِنْ هُنَاكَ وَمَضَى إِلَى تُخُومِ صُورَ وَصَيْدَاءَ†، وَدَخَلَ بَيْتًا وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ لَا يَعْلَمَ أَحَدٌ، فَلَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَخْتَفِيَ، 25لِأَنَّ ٱمْرَأَةً كَانَ بِٱبْنَتِهَا رُوحٌ نَجِسٌ سَمِعَتْ بِهِ، فَأَتَتْ وَخَرَّتْ عِنْدَ قَدَمَيْهِ. 26وكَانَتْ ٱلمرَأَةُ أُمَمِيَّةً، وَفِي جِنْسِهَا فِينِيقِيَّةً سُورِيَّةً. فَسَأَلَتْهُ أَنْ يُخْرِجَ ٱلشَّيْطَانَ مِنِ ٱبْنَتِهَا. 27وَأَمَّا يَسُوعُ فَقَالَ لَهَا: «دَعِي ٱلْبَنِينَ أَوَّلًا يَشْبَعُونَ، لِأَنَّهُ لَيْسَ حَسَنًا أَنْ يُؤْخَذَ خُبْزُ ٱلْبَنِينَ وَيُطْرَحَ لِلْكِلَابِ». 28فَأَجَابَتْ وَقَالَتْ لَهُ: «نَعَمْ، يَا سَيِّدُ! وَٱلْكِلَابُ أَيْضًا تَحْتَ ٱلْمَائِدَةِ تَأْكُلُ مِنْ فُتَاتِ ٱلْبَنِينَ!». 29فَقَالَ لَهَا: «لِأَجْلِ هَذِهِ ٱلْكَلِمَةِ، ٱذْهَبِي. قَدْ خَرَجَ ٱلشَّيْطَانُ مِنِ ٱبْنَتِكِ». 30فَذَهَبَتْ إِلَى بَيْتِهَا وَوَجَدَتِ ٱلشَّيْطَانَ قَدْ خَرَجَ، وَٱلِابْنَةَ مَطْرُوحَةً عَلَى ٱلْفِرَاشِ.

ثُمَّ خَرَجَ أَيْضًا مِنْ تُخُومِ صُورَ وَصَيْدَاءَ، وَجَاءَ إِلَى بَحْرِ ٱلْجَلِيلِ فِي وَسْطِ حُدُودِ ٱلْمُدُنِ ٱلْعَشْرِ.

ثالثًا: الرحلة

1. أسبابها

يقول نص مرقس: “ودخل بيتًا وهو يريد أن لا يعلم أحد. فلم يقدر أن يختفي” (آية 24). هذا النص يجعلنا نطرح سؤالين:

لمن البيت الذي دخله يسوع؟

إذا كان لا يريد أن يعلم به أحد، فلماذا إذًا أتى؟

منطقة الجليل، حيث نشط يسوع، كانت تحت سلطة هيرودس أنتيباس، وكان هذا يلاحق يسوع. في متّى 12: 14-15، وعلى أثر شفاء صاحب اليد اليابسة في المجمع، دخل يسوع في مجادلة مع الفريسيين حول السبت، “فلما خرج الفريسيون تشاوروا عليه لكي يهلكوه، فعلم يسوع وانصرف من هناك” ثم تبعته جموع فشفاهم وأوصاهم أن لا يظهروه (آية 16). بقي يسوع على نشاطه، والفريسيون يزدادون غضبًا (متى 15: 12). كان هيرودس أنتيباس يستفسر عنه (لوقا 9: 9). لذلك نرى يسوع يغادر الآن إلى الجليل الشرقي لفترة وجيزة ويشق طريقه إلى الشمال الغربي عبر جبال الجليل الأعلى إلى أرض حدود فينيقية. لذلك، فقد ظن بعضهم أن المسيح لما شعر بالخطر، هرب بعيدًا، واختبأ في بيت لبضعة أيام، ثم عاد من طريق مختلفة، ليس إلى مقاطعة أنتيباس الذي يهدده، بل إلى مقاطعة فيليبس حيث لا خطر عليه.

فريق آخر يقول : كان سفره نحو هذه المناطق هو التحقيق النبوي والرمزي لتقدّم المسيحية في المستقبل من اليهود إلى الأمم. لذلك في العصور القديمة، سافر إيليا من أرضه إلى فينيقية (ملوك الأول 17: 10-24).

فريق ثالث يعتقد أن يسوع لم يذهب إلى فينيقية، بل بقي في حدود سبط آشر. لكن المرأة الكنعانية أتته من فينيقية. وهذا ليس مستغربًا، فحتى عندما كان يتجول في الجليل، ذكر كل من متّى ومرقس أن جموعًا أتته من كل مكان، بما فيها صور وصيدا (متى 4: 25؛ مرقس 3: 8).

2. الطريق التي سلكها يسوع في المجيء

كان يسوع ساكنًا في كفرناحوم (متى 4: 13). كفرناحوم مدينة كنعانية تقع على ساحل بحيرة طبريا شمال فلسطين، وتنخفض حوالي 200 متر تحت مستوى سطح البحر.  وكان يتنقل في تلك المنطقة عابرًا بحر الجليل في كل الاتجاهات.

يقول متّى: “ثم خرج من هناك، وانصرف إلى نواحي صور وصيدا” (متى 15: 21). بحسب مرقس: “قام من هناك ومضى إلى تخوم صور وصيدا” (مرقس 7: 24). هذا يعني أن يسوع سلك الطريق الجبلية في الجليل المحاذي لصور وصيدا. شفى ابنة الكنعانية، و”انتقل يسوع من هناك” (متى 15: 29)؛ ثم خرج أيضًا من تخوم صور وصيدا” (مرقس 7: 31)، وجاء إلى بحر الجليل (متى ومرقس)، في وسط حدود المدن العشر (مرقس).

بحثًا عن الخريطة التي تظهر “رحلة السيد المسيح إلى فينيقية والمدن العشر”، يتبيّن انها تأتي ضمن “خطبة” بعنوان: “رحلة السيد المسيح إلى فينيقية والمدن العشر”، ألقاها الأب الفرد دوران اليسوعي، “مدرّس شرح الاسفار المقدسة في المكتب الشرقي”، على ما جاء في التعريف به، ونشرتها مجلة “المشرق” في السنة الحادية عشرة، العدد 2، شباط/ فبراير 1908″. وجاء ترتيب الخريطة بين الصفحتين 82 و83، وعُنوِنَت: “خارطة لرحلة السيد المسيح إلى فينيقية والمدن العشر”، والمقالة محفوظة في أرشيف “دار المشرق”.

للتوضيح نرفق خريطتين، الاولى بالابيض والاسود، عُرِّفت بأنّها “خارطة تظهر رحلة السيد المسيح إلى فينيقية والمدن العشر، الأب الفرد دوران، مجلة الشرق، العدد 2، عام 1908، ص 81-83”. والاخرى ملوّنة، وعُرِّفت بأنّها خارطة من Google Earth، وتظهر “مرور درب السيد المسيح في مرج بسري”.

يقول الأب دوران عن رحلة السيد المسيح هذه: “المرجّح أن السيد المسيح وتلاميذه اتجهوا إلى صور على خط مستقيم. فقطعوا بلاد الجليل العليا على سكة كان الرومان اصطنعوها هناك، وكان يسكن تلك الجهات اليهودُ والوثنيون معًا، لذلك كانت تُدعى بجليل الامم… أما مسافة هذه الطريق بين كفرناحوم وصور، فليست بطويلة إذ يمكن قطعها بست عشرة ساعة…”. “وكان مسير السيد المسيح في تخوم صور وصيدا (متى 15: 21) بين الأهلين الوثنيين مسير راحل ومسافر…”. ومن آثاره في رحلته تلك شفاؤه ابنة الكنعانية كما أخبر القديسان (متى 15، ومرقس 7)… ثم تجاوز حدود صور صاعدًا الى صيدا، مجتازًا بها، يشهد على ذلك الانجيلي مرقس (7: 31)…

3. الإقامة والمعجزة

كون النصان البيبليان يصرّحان بأن يسوع ذهب إلى “نواحي” صور وصيدا، يعتقد بعضهم بأن يسوع لم يدخل المدينتين، بل بقي في الضواحي، أي بحدود أراضي الأسباط المجاورة (أشير، ونفتالي، ودان) ليدحضوا أن يسوع لم يدخل الأراضي الوثنية. لكن هذا اعتقاد ضعيف، لأنه من الواضح، في طريق العودة، أن يسوع ذهب إلى المدن العشر، وهي أرض وثنية.

لا نعرف كم من الوقت قضى يسوع في نواحي صور وصيدا. يقول تقليد بأنه أمضى بضعة أيام، وكانت العذراء تنتظره في مغارة مغدوشة (سيدة المنطرة). باعتقاد بعضهم، أنه يُعرف عن هاتين المدينتين أنهما كانتا من المدن الوثنية التي يُحظر على النساء دخولها، من هنا فقد نما تقليد أن العذراء مريم قد إنتظرت إبنها في بلدة مغدوشة كونها الأقرب إلى مدينتي صيدا وصور. بحسب التقليد، المغارة، حيث مزار العذراء هو المكان الذي كانت تنتظر فيه. وقد كان المزار مجرد مغارة صغيرة تعلوها فتحة سمحت باكتشافها من قِبل أحدِ الرعاة مع مطلع القرن الثامن عشر.

في مكان ما بين صور وصيدا، أتته امرأة كنعانية فينيقيّة (فينيقيّة سورية) من أجل شفاء ابنتها المريضة.  وفقًا لتقاليد معينة، كانت الفتاة المعجزة تسمّى جوستا، (يُترجم بواسطة عدلا أو عدلون). لذلك، فبعض الناس يضعون معجزة شفاء الفتاة على الأرجح بالقرب من محلة “عدلون” بالقرب من الصرفند.

معضلة المعجزة هي أن المسيح يأخذ بتسمية الوثنيين “كلابًا”. بُذلت عدة محاولات لحل هذه المعضلة، وبرأيي غير مقنعة. يتكلم المسيح عن تراث ديني يهودي، أخذ به أيضًا بولس الرسول: “أنظروا الكلاب، أنظروا فعلة الشر” (فيلبي 2: 3)، وكاتب الرؤيا: “لأن خارجًا الكلاب والسحرة والزناة والقتلة وعبدة الأوثان، وكل من يحب ويصنع كذبًا” (رؤيا يوحنا 22: 15).

لكن نلحظ بعض الأمور الصغيرة في تصرّف المسيح:

  • بحسب متّى، التلاميذ يطلبون من يسوع أن يصرف المرأة، وهو يقول لهم “لم أُرسل إلا إلى خراف إسرائيل الضالة”. فأتت المرأة وسجدت له قائلة: يا سيّد أعنّي. هل هذا يعني أن المسيح في صدد تعليم تلاميذه درسًا عمليًا؟
  • لقد هذب المسيح القول بأنه استعمل كلمة يونانية تعني الكلب البيتي. ومن يعرف خلقية المسيح يعرف بأنه لا يأخذ بهذا المثل. لكن استخدمه ليُظهر عظمة إيمان المرأة.

4. نتائج الرحلة

لم يكتب لنا متّى ومرقس إلا شفاء ابنة المرأة الفينيقيّة. لكن توجد، في أماكن أخرى تلميحات عن نجاح الرحلة: “وأخَذَ يَسوعُ يُؤَنّبُ المُدُنَ التي أجرى فيها أكثرَ مُعجزاتِهِ وما تابَ أهلُها، فقالَ: “الويلُ لكِ يا كورَزينَ! الويلُ لكِ يا بيتَ صيدا! فلو كانتِ المُعجزاتُ التي جرَتْ فيكما جرَتْ في صورَ وصيدا، لتابَ أهلُها من زمنٍ بعيدٍ ولبِسوا المسوحَ وقعَدوا على الرمادِ. لكنّي أقولُ لكم: سيكونُ مصيرُ صورَ وصيدا يومَ الحِسابِ أكثرَ اَحتِمالًا من مصيرِكُما” (متى 11: 20-22). لكن، هل قيل هذا القول بعد الرحلة؟، نظرًا لأن أحداث الأناجيل لم تُكتب بتسلسل تاريخي دقيق، من الصعب الإجابة على هذا السؤال.

5. طريق العودة

بحسب متى، “ثم انتقل يسوع من هناك وجاء إلى جانب بحر الجليل. وصعد إلى الجبل وجلس هناك” (15: 29). هناك جاءته جموع وشفى مرضاهم (آية 30-31)، وأطعم الجموع (آية 32-39). ثم كانت له مجادلة مع الفريسيين والصدوقيين (متى 16: 1-4). ثم يحذّر يسوع تلاميذه من الفريسيين والصدوقيين (آية 5-12). ثم وصلوا إلى نواحي قيصرية فيليبس، حيث تفوّه بطرس باعترافه الشهير (آية 13-20). ويتبع مرقس المسار نفسه (مرقس 7: 13-8: 30).

يناقش الأب دوران تخمينات أخرى عن الطريق التي يمكن السيد المسيح سلكها “ليعود من سواحل فينيقية إلى بلاد المدن العشر على حدود بادية الشام”. المقصود بالمدن العشر هو “ما ندعوه اليوم ببلاد جولان وحوران”، وفقًا للشرح.

ويستنتج: “مهما كان من أمر الطريق التي سلكها المسيح، لا بد من أنه لقي، عند وصوله إلى بلاد البقاع، طريقين أمكنه أن يجري على أيتهما شاء: الواحدة طريق سهلة وقريبة كان الرومان مدّوها حول جبل الشيخ إلى قيسارية فيليبوس أي بانياس. والأخرى كانت تصعد إلى الشمال فتبلغ إلى راشيا ثم تمرّ بقَطَنة. وعلى رأينا أن الرب اعتزل الطريق المطروقة ليسير في هذه الطريق الأخيرة لقلة سابلتها، ثم أيضًا لمحايدة قيسارية التي يذكر الانجيلي رجوعه إليها بعد عودته إلى الجليل بزمن قليل. وزد على ذلك أن سياق الرواية الانجيلية ينطبق أكثر على هذه الطريق من غيرها”.

– بعلامات، يحدّد الاب دوران طريق السيد المسيح من فينيقية إلى المدن العشر على الخارطة. ويشمل الآتي: (ابتداء من) صيدا، (خط) الليطاني، جبل الشيخ، جرجاس (خان كرسا)، هيبوس، مجدل، بيت صيدا يوليا، خربة كرازه، سلوقية، بانياس، قيسارية فيليبس، قادس، كوروزايم، كفرناحوم، صفد، الجش، تبنين، قانا، صور، صرفند، ثم صيدا.

وحرص الأب دوران على الاشارة في خطبته إلى أن “غايتنا ليس الجزم قطعيًا بوصف كل المراحل التي قطعها السيد المسيح، بل الدلالة على وجهة مسيره وتعيين طريقه على التقريب، كما يستفاد من نصوص الأناجيل المقدسة”.

نعتقد أنه لا توجد خلافات على الطريق التي سلكها يسوع من بيت صيدا إلى صور، على الرغم من أن موقع بيت صيدا مختلف عليه، فمنهم من يضعها على الشاطئ الشمالي الغربي لبحيرة طبرية، ومنها من يضعها على صخرة مرتفعة تقع في مكان شمال شرقي البحيرة. ولا خلاف على الطريق التي سلكها بين صور وصيدا، ولا يمانع أحد في الاعتقاد بأن المسيح لم يسلك بالضرورة الطريق المحاذية للشاطئ، بل ربما كان يتجوّل في القرى البعيدة.

الخلاف كله يقع حول الطريق بين صيدا والمدن العشر. فمنهم من يظن أن المسيح سلك طريق شرق صيدا وصولًا إلى قضاء جزين فسهل مرجعيون، فبانياس (قيصرية فيليبس) فالمدن العشر. وبعضهم يعتقد أن المسيح قد يكون تحاشى المرور في هذه المنطقة الجبلية الوعرة، فبعد أن وصل إلى الشوف، ذهب إلى البقاع ناحية راشيا (قريبًا من المصنع) ونزل إلى المدن العشر. وفي كل الأحوال، يتبيّن أن الدرب الذي سلكه السيد المسيح يمرّ في وادي أشمون- مرج بسري- ثغرة مرستي- جب جنين- كامد اللوز. وهو طريق برّي رئيسي معروف منذ فجر التاريخ، وفيه جسور ومعابد وقلاع حماية وعيون… وكان مستقيمًا يربط صيدا بالشام. وهذا ما يفسر امتداد الاراضي المقدسة إلى نهر الأولي في العديد من الخرائط القديمة”.

الخلاصة

الوجود الكتابي في لبنان، كثيف، أكثر مما يتصوره الشخص الذي لم يدرس الموضوع. يوجد مشروع سياحي كبير يُدعى على خطى المسيح في لبنان. يجب أن ندعم هذا المشروع لما فيه من فائدة مادية وروحية تعود على لبنان واللبنانيين.

مشروع جمعية الكتاب المقدس إصدار كتاب “لبنان والكتاب المقدس” يصب في هذا المسار.

ويجب أن يستفيد من هذا المشروع السياحي، لبنان المقيم، ولبنان في الانتشار.

[1] النصوص البيبلية الواردة في هذه المقالة هي بحسب الترجمة الانجيلية العربية للكتاب المقدس (فاندايك)، بشكل عام.

Recommended Posts
Contact Us

We're not around right now. But you can send us an email and we'll get back to you, asap.

Not readable? Change text. captcha txt

Start typing and press Enter to search

×