In Bible

قانا الجليل

سيادة المطران جوزيف نفّاع

قانا في لبنان

المطران جوزف نفاع*

(محاضرة قُدِّمت في مركز الدراسات الكتابية للشرق الأوسط وشمال أفريقيا التابع لجمعيّة الكتاب المقدس في لبنان بتاريخ 6/11/2020)

من أكبر محطات الحجّ الكتابيّ في لبنان هي بلدة قانا الجنوبيّة، بالقرب من مدينة صور، حيث يسود معتقد قويّ أنّها المكان الذي أجرى فيه السيد المسيح أولى آياته، ألا وهي تحويل الماء إلى خمر، أثناء العرس، حسب ما ورد في إنجيل يوحنا (يوحنا ٢: ١-١١). تختلف الآراء حول مكان قانا التي ذكرها الإنجيل، هل هي قانا لبنان أم قرية كفركنّا الواقعة في منطق الجليل، قرب الناصرة، أم أيضًا  قرية خربة قانا الواقعة بين الناصرة وكفرناحوم؟

أوّل وأهمّ إشارة إلى كون قانا اللبنانيّة هي موقع الآية، هو ما ذكره أوسابيّوس القيصريّ، أكبر مؤرّخي الكنيسة الأوائل (٢٦٥-٣٤٠)، في كتابه المعنون “التاريخ الكنسيّ” والذي يعود إلى عام ٣٢٥ م. وتبعه في ذلك  الرأي القديس جيروم، من القرن الخامس الميلاديّ. ودليلهما على أنّ قانا هي في لبنان يعود إلى إنّ موقع القرية والمسافة الفاصلة بينها وبين الناصرة تتناسب بشكل أكبر مع تفاصيل الأحداث التي رواها يوحنّا في إنجيله، إذ يبتدئ بالقول أنّ آية تحويل الماء إلى خمر حدثت “بعد ثلاثة أيّام”، كأنّه يشير إلى أنّ المسافة الفاصلة بين الناصرة، مكان إقامة يسوع، والمكان الذي جرى فيه العرس، تحتاج إلى ثلاثة أيّام سفر للوصول. من هنا ذهب الكثير من البحّاثة إلى استحالة أن يكون الموقع في قرية “كفركنّا” القريبة جدًّا من الناصرة، ولا حتّى في خربة قانا، بل في قانا في لبنان، والتي يتطلّب الوصول إليها، بالوسائل التي كانت متاحة آنذاك، ثلاثة أيّام سفر؛ تمامًا كما يشير النصّ الإنجيليّ. كما أنّ اسم القرية البنانيّة يتطابق تمامًا مع الاسم الوارد في الإنجيل، “قانا”. أمّا القريتان المفترضتان في الأراضي المقدّسة فاسم الأولى هو “كفركنّا” أمّا الثانية فهي “خربة قانا”.

يذكر الإنجيلي يوحنّا أنّ قانا هي في منطقة الجليل، قائلًا: “كان عرس في قانا الجليل” (يوحنا ٢: ١). من هنا، يرفض عدد من البحاثة اعتبار أنّها ممكن أن تكون في لبنان. ولكن من المعلوم أنّ الجليل في أيّام المسيح لم يكن مجرّد منطقة محدّدة، بل كان نوع من الصفة تُطلق على كلّ مكان بعيد عن أورشليم. فكلمة “جليل” في اللغات السامية تعني “البعيد”. لذلك، على أيّام المسيح كان هناك منطقة الجليل في شمال إسرائيل، كما كان هناك “جليل الأمم” الذي هو في جنوب لبنان. كما أنّ حدود الأرض لم تكن كما هي عليه اليوم. فنعرف مثلًا أنّ يشوع بن بون، عندما قسّم الأرض على الأسباط، أعطى سبطي أشير وزبولون قرى موجودة اليوم في الأراضي اللبنانيّة. وقانا اللبنانيّة نفسها كانت في منطقة أشير؛ وهذا ما ذكره المؤرّخ أوسابيّوس نفسه.

قام عدد لا يُستهان به من البحّاثة والمؤرّخين وعلماء الآثار بدراسات متنوّعة حول موقع  قانا. وما توصّلوا إليه حتّى يومنا هذا، أوّلًا أنّ قانا كانت مأهولةً على أيّام المسيح؛ ممّا يجعل فرضيّة أنّ الآية تمّت فيها ممكنة. من ناحية ثانية، يذكر القديس جيروم أنّ قانا لبنان حيث تمّت المعجزة، اسمها اللاتينيّ قانا الكبرى، لتمييزها عن كفركنّا الموجودة قرب الناصرة واسمها اللاتينيّ بالتالي هو قانا الصغرى. وهذا الأمر تؤكّده الخرائط القديمة للمنطقة التي تسمّي قانا لبنان بقانا الكبرى وتُرسم قبالتها صورة بازيليك كبيرة، كإشارة إلى وجود بازيليك فيها، بينما تسمّي كفركنّا بقانا الصغرى وترسم قبالتها مجرّد كنيسة وليس بازيليك. نأمل أن تتمّكن يومًا الحفريّات في قانا من إيجاد بقايا هذه البازيليك، إذ من المفترض أن تؤكّد الكتابات الموجودة فيها والفسيفاء وغيرها ما إذا كانت هي موقع عرس قانا الجليل أم لا.

تبقى أهمّ الاكتشافات الموجودة في قانا لبنان، رسومات ضخمة وقديمة جدًّا، محفورة على جدران كهف يقع على جرف صخريّ، قبالة وادي عاشور، في أطراف القرية. تتشكّل هذه المنحوتات النافرة في لوحتين، قد تمثّل إحداها صورة عروس في ليلة زفافها محاطة بالمعازيم أمّا الثانية فيظهر أنّها تمثّل السيد المسيح محاطًا برسله الإثنيّ عشر. كما وتمّ اكتشاف ستةّ أجران حجريّة، في وسط القرية، في حيّ يُسمّى “منطقة الخمّار”، أي الذي يصنع الخمر، وهذه الأجران تتطابق في شكلها وسعتها ومواصفاتها مع ما ذُكر في النصّ الإنجيليّ؛ وما نزال اليوم نرى في المكان جرنين من الستّة بحالة جيّدة. كلّ هذه الأمور دفعت الباحثين أكثر للقول أنّ هذه البقايا تشير وتؤكّد أنّ هذا هو موقع المعجزة.

ولكن، ما هي هذه المغارة الموجودة خارج القرية وما هو دورها ودور هذه المنحوتات؟ يذكر القديس جيروم أنّ هذه المغارة استُعملت كملجأ للمسيحيّين أيّام الاضطهاد، كما استعملها بعضهم لحياة العزلة والتكرّس للصلاة. من هنا ممكن أن تكون هذه النقوش من عمل هؤلاء المسيحيّين الأوائل، تركوا لنا من خلالها ذكرى عن أنّ هذه القرية هي مكان الآية الأولى التي أجراها ربّنا يسوع في بداية حياته التبشيريّة.

تمّ اليوم ترميم آثار مغارة قانا ومنحوتاتها بشكل جميل، ممّا يجلب إليها العديد من السوّاح اللبنانيّين والأجانب من كلّ أقطار العالم. إلاّ أنّ هذا الموقع الفائق الأهميّة ما يزال بحاجة إلى الكثير من الحفريّات الأثريّة لتأكيد هوّيته ولكي يكشف لنا أسراره الخفيّة.

Recommended Posts
Contact Us

We're not around right now. But you can send us an email and we'll get back to you, asap.

Not readable? Change text. captcha txt

Start typing and press Enter to search

×