In Bible

هل الأوبئة علامة من علامات آخر الأيام؟

المونسنيور أنطوان ميخائيل

المونسنيور د. أنطوان ميخائيل*

(محاضرة قُدِّمت في مركز الدراسات الكتابيّة للشرق الأوسط وشمال أفريقيا التابع لجمعيّة الكتاب المقدَّس في لبنان بتاريخ 28/5/2021)

تقديم الموضوع مِن قِبل القسّ د. عيسى دياب

هذه الندوة هي الثانية لهذه السنة بين ثلاث ندوات، نتناول فيها موضوع الكتاب المقدَّس والأوبئة.

على أثر انتشار جائحة كورونا في العالم كلّه، انتشرَت، على وسائل التواصل الاجتماعيّ أخبار غريبة ناتجة عن “قراءة دينيّة” لهذه الجائحة. وتركّزَت الأخبار حول موضوعَين: الجائحة عقاب إلهيّ بسبب شرّ البشر؛ الجائحة علامة مِن علامات آخِر الأيّام. عدد كبير مِن الناس، وبينهم رجال دِين، قدّموا آراءهم، وبعضهم “أفتى” في الموضوع، وامتلأت المواقع الإلكترونيّة الدينيّة بهذه الأخبار، وبعضها قاربَ الخرافات والأساطير؛ وأغلبهم يستند إلى قراءات حرفيّة لبعض نصوص الكتاب المقدَّس، وخاصة سِفر رؤيا يوحنّا اللاهوتيّ. كُنّا قد تناولنا الموضوع الأوّل في المحاضرة الأولى، وها نحن نخصّص هذه المحاضرة لمعالجة الموضوع الثاني.

تقدّم لنا الأناجيل الإزائيّة (متّى ومرقس ولوقا) خطابًا طويلًا، بفم المسيح، حول أحداث الأيّام الأخيرة (متّى 24، مرقس 13، لوقا 21)، والأوبئة، في هذا الخطاب، هي إحدى العلامات. بالإضافة إلى ذلك، هناك نصوص كثيرة في سِفر رؤيا يوحنّا تتكلّم عن الأمراض والأوبئة، وكثيرون يعتبرون سِفر رؤيا يوحنّا يتكلّم عن الأيّام الأخيرة. لكنْ، ظهرَت، في التاريخ البشريّ، عدّة موجات مِن الأوبئة، وفي زمنها، ظنّ أيضًا عدد مِن المسيحيين أنّها علامة النهاية، لكنّ هذه “النهاية” المنتظرة لم تأتِ بعد. فهل ثمّة فرق بين جائحة كورونا والأوبئة التي اجتاحَت العالَم سابقًا؟

هذه الأسئلة وغيرها يتناولها المحاضر، بخبرته الواسعة ومهنيّته العالية، ليضع لنا أساسًا متينًا لفهم موضوع “الأوبئة” في بعض نصوص الكتاب المقدَّس، ويرينا إذا كان لهذه الأوبئة علاقة بالأيّام الأخيرة. والهدف النهائيّ المتوخّى مِن هذه المحاضرات هو أنْ نتعرّف على القراءة الصحيحة لنصوص الكتاب المقدَّس، حتّى نجد فيه كلمة الله الحقيقيّة التي هي غذاء روحيّ لنفوسنا.

محاضرة المونسنيور د. أنطوان ميخائيل

ينقسم موضوعنا إلى ثلاثة أجزاء:

1- ماذا يقول الكتاب المقدَّس عن هذا الموضوع. هل الأمراض والأوبئة هي مِن علامات نهاية الزمن

2- ما هي القراءة الرؤيويّة لهذا الواقع

3- كيف نقيّم هذه القراءة

مقدّمة

غالبًا في تاريخ الكنيسة عندما يكون هناك أزمات اجتماعيّة أو سياسيّة أو حروب أو مجاعات أو أوبئة أو كوارث، في كلّ هذه الأزمنة، وليس فقط في الوقت الحاليّ، يخلق لدى المؤمنين ما يسمّى “الحمّى النهيويّة” أي التي تقوم على المناداة بدنوّ عودة المسيح ونهاية الأزمنة، وهي تَظهر بحماسة الأشخاص لعودة المسيح الوشيكة ولنهاية العالَم الوشيكة أيضًا. وذلك استنادًا لقراءة حرفيّة لبعض العلامات الواردة في الكتاب المقدَّس واحتساب أوقات وأرقام موجودة في أسفار الكتاب المقدَّس خاصّة في أسفار دانيال وحزقيال ورؤيا يوحنّا وبعض النصوص في الأناجيل الإزائيّة التي تسمّى “النصوص النهيويّة” أو “الخطب النهيويّة”، بالإضافة لبعض نصوص مِن الرسول بولس. كما يقول هؤلاء الأشخاص الذين يقومون بهذه القراءة الحرفيّة إنّ الله سمح لبعض الأشخاص الرائين les visionnaires بأنْ يتنبّؤوا بسبب تلك العلامات بما سيحدث في المستقبل مِن سيناريوهات في هذا العالَم، وهذه السيناريوهات بمعظمها كارثيّة أي تنبئ بنهاية العالَم ودماره وبنهاية تاريخ البشريّة.

1.              ماذا يقول الكتاب المقدّس عن هذا الموضوع

لدينا نصّ أساسيّ عن هذا الموضوع في لوقا 21: 11 “وتقَعُ زَلازِلُ شَديدةٌ، وتَحدُثُ أَوبئَةٌ ومجاعاتٌ في أماكِنَ كثيرةٍ، وتَجري أحداثٌ مُخيفَةٌ، وتَظهَرُ علاماتٌ هائِلةٌ في السَّماءِ”[1]. ويقابل هذا النصّ نصوصًا مِن متّى ومرقس. هذا النصّ يتطرّق إلى الأوبئة ومنها الوباء الذي نعاني منه اليوم وهو وباء كورونا.

النصّ الثاني هو متّى 24: 3 حين يقول التلاميذ ليسوع: “أخبِرْنا متى يَحدُثُ هذا الخَرابُ، وما هِـيَ علامَةُ مَجيئِكَ واَنقِضاءِ الدَّهرِ؟” ثمّ قول المسيح في الآية 8 “وهذا كُلُّهُ بَدءُ الأوجاعِ”.

هذه الآيات كلّها مأخوذة ممّا يسمّى في علم الكتاب المقدَّس بـ “الخطب النهيويّة” في الأناجيل الإزائيّة والتي تحتوي على العديد مِن العناصر الرؤيويّة الموجودة في كلّ الكتاب المقدَّس.

مِن الأمور البديهيّة التي يمكن أنْ نقولها في هذا الصدد هي أوّلًا إنّ الكتاب المقدَّس ليس مصدر معلومات لسيناريوهات حول نهاية العالَم بل هو تعبير وشهادة إيمان واثق بعمل الله وأمانته منذ الخلق حتّى الاكتمال، والثقة بأنّ الله سيخلّص شعبه، وليس وصفًا للشدائد بقدر ما يركّز على أنّ الله قادر أنْ يخلّص شعبه مِن شدائده ويقوده مع الخليقة كلّها إلى السلام النهيويّ الكبير أي إلى الشراكة بينه وبين البشريّة. إذًا الهدف هو القول إنّ الله قادر وأمين على أنْ يخلّص شعبه مِن كلّ شدّة.

كما أنّ الكتاب المقدَّس ليس كتاب تاريخ يؤرّخ أحداث ماضية أو ينبئ بأحداث مستقبليّة. هذا مهمّ أنْ نعرفه لأنّه، وللأسف، هناك بعض رجال الدِّين الذين يقومون بهذه القراءة الخاطئة. الكتاب المقدَّس هو كتاب إيمان يشهد لأمانة الله في كلّ الأزمنة.

والأمر المهمّ أيضًا هو أنْ نعرف أنّه لا يمكن استخدام الكتاب المقدَّس لدعم أفكار دينيّة وروحيّة مسبقة أو لدعم اختبار روحيّ معيّن. هو ليس دعامة بل هو مصدر لحياتنا. كما أنّنا لا نقدر أنْ نقتطع هذه النصوص مِن إطارها التاريخيّ والثقافيّ والدينيّ. فهذه النصوص هي ابنة عصرها وعلينا قراءتها وشرحها في هذه الخلفيّة لكي نقدر أنْ نستخرج منها المعنى اللازم.

هناك سؤالان يطرحهما التلاميذ على يسوع، وما زال المؤمن يطرحهما اليوم، خاصّة عندما يرى في التاريخ مسيرة سلبيّة كالأمراض والكوارث والمشاكل الاقتصاديّة وتعاقب الأحداث المأساويّة، كما يحدث حاليًّا في لبنان. السؤالان هما: “أخبِرْنا متى…، وما هِـيَ العلامَة؟”، لأنّ المؤمن يريد أنْ يعرف المستقبل والتواريخ النهائيّة. فهذا يساعده في التغلّب على الخوف والقلق اللذين تسبّبهما هذه الشدائد.

مِن المؤكّد أنّنا لا يمكن أنْ نفسّر هذه النصوص تفسيرًا حرفيًّا، لكونها تَستعمل لغة الصُوَر والرموز والمجازات. فهي ليست لغة تقريريّة بل لغة تتطلّب الدراسة لفهْم ما المقصود منها. إذًا علينا التمييز بين لغة المعلومات والأخبار الدقيقة والتي هي ليست لغة الكتاب المقدَّس، على الأقلّ في هذه النصوص بالذات، وبين لغة الصُوَر المفتوحة على العديد مِن التفاسير.

لذلك لغة الصُوَر هذه في الكتاب المقدَّس هي اللغة الأكثر ملائمة حين نتكلّم عن مضامين رجاء معيّن موجود في قلب هذه الصُوَر. ولا يمكن بتاتًا أنْ نقرأها بطريقة حرفيّة. إذ لا يمكن أنْ نعتبر أنّ نصّ لوقا مَثلًا يتحدّث عن أحداث ستقع في قلب التاريخ، بل هو قراءة للواقع المعاش على ضوء الإيمان. فهذه النصوص هي مفتاح رجاء كي نفسّرها تفسيرًا ملائمًا.

إذًا لا يمكن أنْ نحتسب زمن النهاية أو نتوقّعه مِن خلال علامات. هذا يعاكس توجُّه الأناجيل التي تدعونا باستمرار إلى السهر، وإلى الانتظار، وإلى مسيرة طويلة في قلب التاريخ. والدليل على ذلك أنّ متّى يعطي صورة “المخاض” (حين يقول “وهذا كُلُّهُ بَدءُ الأوجاعِ”)، أي أنّه ما زال الوقت مبكرًا، فنحن في حالة مسيرة نحو عالَم جديد وولادة جديدة كلّ يوم في ملكوت الله، وليس في آخِر الزمن. فعلينا أنْ نستخرج مِن هذه النصوص كلّ يوم علامة الرجاء، وأنْ نعرف ماذا يريد الله منّا اليوم وفي الوضع الحاليّ الذي نعيشه.

الربّ يسوع في إنجيل متّى 24: 4 يقول “اَنتَبِهوا لِـئلَّا يُضلِّلَكُم أحدٌ”! فيحذّرنا مِن خطر الوقوع في تجارب متعدّدة يسبّبها هذا النوع مِن النصوص، مِثل الحماس واحتساب العلامات والأيّام، ما يقود إلى عيوب عديدة في إيمان المؤمنين. فلا نعود نهتمّ بكلمة الإنجيل بل نهتمّ بأمور أخرى وننسى رسالة الإنجيل الأساسيّة لنا. ونتعلّق بأفكار نعتبرها مقدَّسة حسب رأي بعض الرائين.

هذه العلامات ممكن أنْ تحجب حقيقة الإنجيل والمستقبل عن أعين المؤمن وتضلّهم فيفقدون البوصلة.

2.              كيف يُقرأ هذا الواقع المعاش في نظرة رؤيويّة

كلّ مرّة يواجه تاريخ المؤمنين عدم استقرار اجتماعيّ أو ظروف صعبة، يبرز بقوّة لدى بعض الأشخاص الاندفاع نحو المستقبل ويُنتظر نهاية وشيكة تكون عادةً ذات واقع كارثيّ. هؤلاء يدفعون معنى الحياة إلى أبعد حدودها. فيقولون لك إنّك لن تلاقي في هذه الدنيا إلا المشاكل والصعوبات والأمراض والأوبئة، فعليك أنْ تنتظر الحياة الأخرى حيث ستفرح وتجد السلام. هذا التصوُّر يدفع نحو مستقبل غير معروف ويؤثّر على التقوى الشعبيّة، فيكثّف الإنسان مِن الممارسات التقويّة والصلوات الليتورجيّة والفرديّة كما يؤثّر على الفنّ والموسيقى. فهناك مقطوعات موسيقيّة مِن العصور الوسطى تسمّى في اللاتينيّة Dies iræ أي “يوم الغضب”، تتكلّم عن يوم غضب الله على البشريّة.

وثانيًا يقولون إنّ التاريخ البشريّ سيكون دائمًا موسومًا بالأمور السلبيّة والإيجابيّة، وسيكون هناك صراع وثنائيّة بين الخير والشرّ، وبين الأخيار والأشرار، وأنّ هذا الصراع ممكن أنْ يتجسّد في سلسلة أحداث وظروف مأساويّة، كالحروب والمجاعات والأوبئة والموت وما إلى هنالك مِن أمور سلبيّة. كلّها تصبّ ضمن هذا الصراع الثنائيّ بين الخير والشرّ. وأنّه في خضمّ هذا الصراع الكونيّ، أنت بحاجة لشخص يحارب معك، فيُدخلون صورة المسيح ابن الله الذي يجسّد في شخصيّته قوّة الله في الحرب المقدَّسة ضدّ الشيطان وضدّ تأثيراته على البشريّة، والمرض أحد هذه التأثيرات. ويَعتبرون أنّ المسيح هو الذي يضمن لنا الفوز على هذه الحرب المقدَّسة وهو سيهزم كلّ القوى المعادية وسيؤسّس ملكوت الله استباقًا للزمن النهائيّ. فلسنا وحدنا في هذه المعركة بل المسيح معنا بكلّ قوّته. ومِن هنا يبرز التركيز في هذه القراءة الرؤيويّة على صورة المسيح الديّان المنتقم نوعًا ما، والتي هي بعيدة كلّ البُعد عن صورته في التجسّد. ففي هذه القراءات الرؤيويّة هناك فصل بين المسيح الابن المتجسّد والمتألّم المليء بالرحمة والمحبّة للإنسان، وبين المسيح الديّان الآتي في نهاية الأزمنة. وهذا تمامًا ضدّ الإيمان المسيحيّ! فالمسيح لا يتغيّر وسيأتي حاملًا آثار جراحه في جسده الممجَّد.

في الجانب الكاثوليكيّ لهذه القراءة هناك دور لمريم مِن خلال ظهوراتها، ويقولون إنّ مريم هي الوحيدة القادرة على توقيف الغضب الإلهيّ على البشريّة، وهذا ما نسمعه، للأسف، مِن بعض الكهنة بأنّ الله غاضب على البشريّة وعليه أنْ يضربها كي تتوب إليه!

فهناك سيناريو يقول إنّ العالَم كلّه فسد بسبب الخطايا المتراكمة والفتور الدينيّ وبُعد الناس عن الإيمان وعن الكنيسة. لذلك يعتقدون أنّ الله ضربهم في الأوبئة والشدائد، وأنّ المؤمنين عليهم أنْ يفهموا الرسالة التي يبعثها الله لهم ويرجعوا إلى الطريق القويم، وأنّ مَن يوقف هذا الغضب هو المسيح ومريم العذراء أمّه. ويرون في رؤيا يوحنّا 12 نصًّا مريميًّا تحارب فيه مريم التنّين الذي يرمز إلى قوى الشرّ والموت. وهذه كلّها قراءات حرفيّة للواقع المعاش.

3.              كيف نقيّم هذه القراءة

مِن الواضح أنّ هذه القراءة الحرفيّة لا تتناسب أبدًا وإطار الإيمان الشامل، لأنّ الإيمان المسيحيّ هو إيمان محبّة وحياة ويدعو إلى احترام الحياة البشريّة وتعزيزها وليس إلى إنهائها. فلا يمكن الكلام عن مستقبل يأتي بتدخُّل فجائيّ ويكسر واقع الأمور. هناك مَثَل في الإنجيل يؤكّد ما نقول هو مَثَل القمح والزؤان حيث يقول المسيح في المَثَل “اترُكوا القَمحَ يَنمو معَ الزُّؤانِ إلى يومِ الحَصادِ” (أنظر متّى 13: 24-30). فالمستقبل لا يأتي فجأة بل يُبنى يومًا بعد يوم بقِيَم العدالة والسلام والحياة والعلاقات المتبادلة بين البشر، ولا يُبنى على تهديم الناس والحياة وكوكب الأرض، فهذا الهدم لا يتماشى مع محبّة الله وتصميمه الخلاصيّ لنا. لذلك لا يمكن التبشير بمستقبل كارثيّ بل بمستقبل مبنيّ على قِيَم المحبّة والعدالة والسلام والتضامن بين البشر كي تتحسّن ظروف الحياة وظروف البشر. إذ هذا العالَم الذي نعيش فيه يستند إلى الله، لا يستند علينا. الله هو الذي يقوده إلى غايته الطبيعيّة.

هذا الزمن النهائيّ انكشف بموت المسيح وقيامته. فمستقبل الإنسان المسيحيّ تحدَّد بهذَين الحدثَين. “اليومَ دَينونَةُ هذا العالَمِ” (يوحنّا 12: 31). فهناك قراءة وجوديّة لهذه النصوص. مستقبل البشريّة محدَّد بموت المسيح وقيامته مِن خلال علامات وضيعة وليس مِن خلال علامات قوّة وعنف، إنّما مِن خلال علامات تتناسب تمامًا ومنطق التجسّد والإخلاء للذات: “أخلى ذاتَهُ” (أنظر فيلبّي 2: 6-11). هذه ميزات المسيح وميزات المسيحيّ أيضًا، إنّها علامات الفقر والتجرّد والإخلاء، ولا يمكن استبدالها بعلامات القوّة والعنف.

إذًا علينا أنْ ندخل في منطق التجسّد وليس في منطق الدينونة والأمور المعاكسة لتوجُّه المسيح ولعطائه وبذله الدائم للإنسان. لذلك هذه العلامات وهذه النصوص تُقرأ وتفسَّر كرسالة وجوديّة لحاضرنا الآن. هذه قراءة وجوديّة للكتاب المقدَّس تجعل النصّ نصًّا معاصرًا لنا، وكأنّه يتوجّه إلينا الآن وفي هذه اللحظة الآنيّة.

فعندما نتكلّم عن نهاية العالَم، في تلك النصوص المعلِنة لبعض العلامات، علينا أنْ نطرح السؤال التالي: أيّ عالَم وأيّ زمن عليه أنْ ينتهي؟ لا أنْ نسأل: متى ينتهي الزمن؟ فالـ “متى” متروكة لله، هو وحده يعرف متى. أمّا نحن فنقدر أنْ نسأل: أيّ عالَم يجب أنْ ينتهي؟ طبعًا لا نقصد العالَم المادّيّ ولا نتكلّم عن حسابات علميّة تدرس الوقت الذي ستنطفئ فيه الشمس أو يتوقّف فيه دوران الأرض. هذه يعرفها الله وحده. لا يهمّنا أنْ نعرف متى. ما يجب أنْ نعرفه هو أيّ عالَم عليه أنْ ينتهي؟ أهو عالَمي أنا؟ عالَم الخطيئة والشرّ والأنانيّة والبُعد عن الله. هذا هو العالَم الذي يجب أنْ ينتهي. أين ومتى سينتهي هذا العالَم؟ سينتهي بموقفي أنا الآن مِن المسيح ومِن كلمته. هذا هو ما يحدّد أيّ عالَم سينتهي.

إذًا لا يجب أبدًا تفسير هذه النصوص أو هذه العلامات على أنّها حدث تدميريّ بل على أنّها حدث تحوُّل الكون واكتماله. وبهذه الطريقة، يصبح لدينا الإمكانيّة لفهم وجودنا. مثلًا، إذا أُصبت بداء الكورونا أم لم أصب فيه، مَن يعطيني القوّة لمواجهة واقعي؟ كيف أفهم وجودي، وما الرسالة التي أستخرجها ممّا أعاني مِن شدّة؟ وهذا يساعدني في أنْ أعيش هذه الأزمة وأخرج منها بأكبر فائدة ممكنة وبأقلّ ضرر ممكن على إيماني. لأنّ الشدائد ممكن أنْ تسبّب للإنسان بُعدًا عن الله وعن الإيمان، وفقدانًا للإيمان والرجاء. أمّا المؤمن فعليه أنْ يتمسّك بحقيقة أنّ الكلمة الأخيرة هي لربّنا وليست للشرّ والموت. وإن انتصر الشرّ وطالَت مدّته لكنّ الكلمة الأخيرة هي للحياة وانتصارها على الموت.

لذلك يشدّد الربّ يسوع دائمًا على جهل الوقت واليوم والساعة: “وأمَّا ذلِكَ اليومُ أو تِلكَ السّاعةُ فلا يَعرِفُهُما أحَدٌ” (مرقس 13: 32). هو نصّ أساسيّ يدعونا حتّى نقرأ هذه العلامات على أنّها دعوة للسهر والانتباه إلى مسيرتنا الإيمانيّة.

في القرون الوسطى تحدّث اللاهوتيّون، مِثل توما الأكوينيّ، عن الجهل الحكيم للمستقبل، بمعنى أنّ المؤمن لا يعرف مستقبله والأفضل ألّا يعرفه، لأنّ هذا لا يساعده في عيش إيمانه ولا في التقدّم في مسيرته الروحيّة. لذلك لا تقوم النبوءة على معرفة عجائبيّة للمستقبل بل هي قراءة علامات الأزمنة التي تحدث في وجودنا البشريّ والاجتماعيّ العاديّ، لكنّ المؤمن يقرأ ما وراء هذه العلامات العاديّة أو غير العاديّة رسالة لحاضره الإيمانيّ.

إذًا علينا أنْ نفسّر هذه النصوص والعلامات تفسيرًا وجوديًّا وحِكَميًّا ونستخرج منها الرسالة التي تأتي مِن هذه العلامات، مِن دون الوقوع في العديد مِن السيناريوهات الخياليّة؛ نستخرج ما هي العبرة الروحيّة لهذه الأمور. فعلى خلفيّة كلّ ما يحدث اليوم مِن أمور سلبيّة وانسداد للأفق وتكاثُر الصعوبات والمشاكل الداخليّة والخارجيّة، يجب على تلاميذ المسيح أنْ يقفوا ثابتين على الصخرة التي هي المسيح. الرسول بولس يقول إنّ هذه الصخرة رافقَت الشعب اليهوديّ في مسيرته في الصحراء، وهذه الصخرة هي المسيح. علينا أنْ نثق بقوّة المسيح المنتصرة التي قد لا تضمن لنا دائمًا نهاية سعيدة للأمور. إذ لا يوجد دائمًا نهاية سعيدة كما يجري عادة في الأفلام والمسلسلات. النهاية السعيدة مضمونة فقط في الحياة الأخرى. إنّما هناك دائمًا نهاية واقعيّة للأمور. فالمؤمن الثابت يعرف تمامًا كيف يُدخل كلّ شيء، حتّى ما هو سلبيّ كالأمراض والحروب والمجاعات، في مسيرته الإيمانيّة. ويجد فيها فِرَصًا للنموّ والنضوج في علاقته مع الربّ. هذا ما فعله القدّيسون والمؤمنون الأبطال خلال الأزمات التي مرّوا بها، هُم استخرجوا منها إيمانًا ناضجًا وقويًّا.

فحتّى الأمور السلبيّة يصبح لها مكانًا في قراءتنا الإيمانيّة ونقرأها على ضوء كلّ تدبير الله الخلاصيّ؛ وهذا يسمح لنا أنْ نستخلص كيف نمَت الشخصيّات البيبليّة في إيمانهم مِن جرّاء الشدّة والضيق، وكيف ساعدها ذلك على التقدّم في محبّة الربّ والأخوة.

كلّ ذلك علينا وضعه في منطق الصليب. إذ لا يمكن للمسيحيّ أنْ يقرأ حياته، لا بل كلّ وجوده التاريخيّ والبشريّ، إلّا في منطق الصليب. وهذا المنطق يقول: ما يظهر أنّك تخسره في الواقع سوف تستردّه في القيامة انتصارًا وتحوُّلًا. على الصليب يَظهر المسيح وكأنّه مُدان خارجيًّا، لكنْ، في القيامة يستردّ كلّ كرامته وقيمته. يقول الرسول بولس بما معناه أنّ كلّ ما حسبناه خسرانًا حوَّله منطق الصليب إلى انتصار (فيلبّي 3: 7-11).

هذه النصوص الموحاة تدعونا إلى الصبر والثبات أمام الصعوبات والظلم. يقول المسيح: “مَنْ يَثبُتْ إلى النِّهايَةِ يَخلُصْ” (متّى 24: 13). إذًا علينا كمؤمنين أنْ نتفادى انتظار نهاية وشيكة للعالَم وأنْ نركّز على ما يمكننا فعله كي نخفّف مِن هذه الشدّة وهذا الضيق، وأنْ نتضامن معًا وأنْ نلتزم بمحيطنا ومجتمعنا مِن أجل إنهاء هذه الجائحة، لا أنْ نزيد هموم الناس. علينا أنْ نكون علامة رجاء وفرح وحياة للناس وأنْ نعود إلى منطق الصليب. التقليد المسيحيّ يقول: “صليب المسيح انتصب في وسط الأرض”. مستقبلنا المسيحيّ ليس في نهاية الزمن أو بدايته، بل هو في وسط هذا الزمن الذي يحتلّه صليب المسيح. هذا هو مستقبلنا ومفتاح إيماننا وأساسه. هذه “النهاية” (“مَنْ يَثبُتْ إلى النِّهايَةِ يَخلُصْ” متّى 24: 13) التي نختبرها كلّ يوم تُنبِئُنا بأنّ صليب المسيح ينتصر على منطق العنف والبغض. هناك طريق رسمها لنا المسيح تخلّصنا مِن كلّ خوف وقلق ومِن قوّة الشرّ ومِن كلّ كارثة هي طريق الصليب المقدَّس الذي يقود إلى القيامة.

علينا أنْ نخبئ خوفنا مِن كلّ ما هو سلبيّ وخوفنا مِن نهاية محتملة في خوف المسيح في بستان الزيتون “الجتسمانيّ”، وهذا خوف مبارَك. الكاتب الفرنسيّ القديم جورج برنانوس Georges Bernanos يعلّق على مشهد “الجتسمانيّ” ويقول إنّ خوف المسيح هنا ليس خوفًا ضعيفًا أو يائسًا ومستسلِمًا بل هو خوف مبارَك لأنّه يعبّر عن ثقته العميقة بقُرب الآب منه في الشدّة التي يمرّ بها. ففي داخل قلقه البشريّ اختبر المسيح حضور الآب وسلّمه ذاته. فأصبح هذا الخوف مبارَكًا. والمسيحيّ ليس لديه خوف يائس بل واثق بأنّ الآب معه وأنّ المسيح تألّم ويتألّم معه. وهذا يحرّره مِن القلق الذي يشلّه والذي يمنعه مِن التفكير والنوم، لا بل على العكس يبعث في قلبه الرجاء بقوّة القائم الذي يضيء كلّ ظلمات حياته بما فيها المرض الذي نمرّ فيه اليوم.

لذلك يضيء الرجاء المسيحيّ على كلّ مقابرنا، وينير الصليب المقدَّس المنتصر كلّ مقابر التاريخ وكلّ قلوبنا المظلمة والقلقة. تاريخ المسيحيّة وتاريخ الكنيسة ليس تاريخ نجاحات متواصلة، ليس تاريخ الغالبين والأقوياء، بل على العكس هو تاريخ ألم. وفقط مِن خلال الألم يمكننا أنْ نتكلّم عن الفرح والحرّيّة والسلام انطلاقًا مِن واستنادًا لألم المسيح الخلاصيّ. فينبع مِن هذا الإيمان نوع مِن الالتزام الأخلاقيّ الذي يدلّنا على كيفيّة فهْم واقعنا ويوجب على كلّ مسيحيّ متضامن مع البشريّة أنْ يعبّر عن هذا التضامن مع كلّ المتألمين على وجه الأرض لا بل بالكلام وحسب، فيبثّ في العالَم الرجاء.

فإذا استعملنا الوسائل المتاحة كوسائل التواصل الاجتماعيّ، فلْنستعملْها في سبيل الرجاء لا في سبيل مزيد مِن القلق والخوف، فلْنزرع الرجاء في قلب العالَم رغم السواد الذي يحيط بنا.

وإذا كنّا كمسيحيّين ننتظر عودة المسيح الثانية علينا أنْ نفهم أنّ المسيح كما يقول القدّيس يوحنّا للصليب “يأتي يوميًّا في مقتضيات المحبّة”. لأنّ المسيحيّ هو رسول محبّة وسلام في هذا العالَم المتألّم والمشرذم والمفكَّك.

خاتمة

نحن علامات رجاء. النصوص الرؤيويّة هي رسالة رجاء استفاد منها العديد مِن الجماعات المسيحيّة بالمعنى الإيجابيّ، ولم تؤدِّ بهم لانتظار نهاية وشيكة للأحداث أو للعالَم. استفادوا وعرفوا كيف لا يفقدون الرجاء وكيف يبقون متمسّكين بهذا الرجاء رغم الشدّة والأزمات. وكانت هذه النصوص ملهمة لهذه الجماعات تدفعهم ألّا يفقدوه لأنّ الله سيكون فعلًا إلى جانبنا وسيتدخّل، فكانوا واثقين بالله رغم طول الزمن واشتداد الصعاب.

[1] النصوص البيبليّة الواردة في هذه المقالة هي بحسب الترجمة العربيّة المشتركة، بشكل عام.

Recommended Posts
Contact Us

We're not around right now. But you can send us an email and we'll get back to you, asap.

Not readable? Change text. captcha txt

Start typing and press Enter to search

×